حين تتحكّم الحرب بسلوك الطفل

post-img

فاتن الحاج (صحيفة الأخبار)

مع استمرار الحرب، تتراكم الضغوط النفسية على الأطفال وتظهر في سلوكهم وحياتهم اليومية. بعضهم بات يخاف من الأصوات المرتفعة ويجد صعوبة في النوم، فيما يظهر القلق عند آخرين من خلال التأتأة أو التبوّل اللاإرادي أو التعلق بالأهل وغيرها.

هذه التغيرات جعلت الأهل يبحثون عن تفسير لما يحصل مع أطفالهم، ويسألون عن الطريقة الصحيحة للتعامل معهم، فيما ينعكس ذلك أيضاً على حياتهم المدرسية وقدرتهم على التعلم.

الخوف بلا كلام

بحسب الاختصاصية في علم النفس العيادي ندى حسن، لا يعبّر الأطفال دون السابعة بسهولة، والخوف عندهم يتجسّد على شكل عوارض سلوكية وجسدية. فالطفل لا يعرف أن يقول "أنا خائف"، إنما يمكن أن يظهر خوفه من خلال التبول اللاإرادي أو غيره من السلوكيات.

وأحياناً حتى الأطفال الأكبر سناً يمكن أن يعودوا إلى حركات كانوا قد تركوها. "فالطفل الذي أصبحت لديه شخصية مستقلة قد يعود، عندما يخاف، إلى وضع الإصبع في الفم أو البكاء أو الالتصاق بالأهل. وهذا ما يُسمى بالنكوص".

وتوضح حسن أن "الحرب المستمرة تختلف عن الصدمة النفسية التي تأتي مرة واحدة وتتلقّى بعدها دعماً كافياً. ففي ظل هذه الظروف، يبقى الجهاز النفسي متأهّباً، خصوصاً مع سماع أصوات الغارات وجدارات الصوت باستمرار. وقد تعود أيضاً صدمة سابقة إلى الظهور، فالطفل الذي تعرّض لصدمة في حرب 2024 قد يواجه في حرب 2026 حالات تذكّره بالصدمة السابقة".

«كن قوياً، كن زلمة»

في المجتمع اللبناني، من الشائع أن يُقال للطفل "كن قوياً، كن زلمة"، فيما قد يكون، في الأساس، غير قادر على التعبير عما يشعر به. لذلك يحتاج إلى مساحة يعبّر فيها عن خوفه بدل أن يُطلب منه إخفاؤه.

وفي المقابل، لا يعني حماية الطفل إنكار ما يحصل عنه بالكامل. تضيف حسن: "الطفل أذكى من الأهل، فهو يرى ويسمع. والمطلوب أن يكون الأهل صريحين معه، وأن يبسطوا له ما يحصل ويخففوا من حدته، من دون الدخول في تفاصيل سياسية وعسكرية".

وإذا سأل الطفل عن سبب ترك البيت، تنصح حسن الأهل بالقول لولدهم: "نحنا صرنا بأمان أكتر، ونحنا حدك". أما إعطاؤه موعداً محدداً للعودة إذا لم يكن مؤكداً، فقد يزيد من أذاه إذا انتظر الموعد ولم تحصل العودة".
كما يبقى الحفاظ على الروتين اليومي مهماً عند الانتقال أو النزوح، من خلال مشاركة الأهل الأطفال الأكل، واللعب والرسم معهم، وإعطائهم مساحة للتعبير.

الحرب في الصف

تنتقل مخاوف الأهل أيضاً إلى المدرسة، ولا سيما مع ملاحظة التشتت أو تراجع التحصيل. وتوضح الاختصاصية في علم النفس التربوي فاطمة نصرالله أن "الطفل الذي يعيش في حالة قلق مستمر ينشغل جزء كبير من موارده الذهنية بمراقبة مصادر الخطر بدل توجيهها إلى التعلم، ما قد يؤثّر في الانتباه واستيعاب المعلومات واسترجاعها وتنظيم المهام. فالشعور بالأمان النفسي أحد شروط التعلّم الأساسية".

وقد يظهر الضغط النفسي في المدرسة على شكل تراجع في التحصيل، أو فقدان الدافعية، أو كثرة الغياب، أو الانسحاب، أو العدوانية، أو فرط الحركة والتشتت. "لذلك ينبغي قراءة التغير الدراسي والسلوكي أحياناً بوصفه رسالة نفسية لا مجرد مشكلة انضباطية".

وبالنسبة إلى المعلمة، المؤشر الأهم هو ملاحظة التغير عن المستوى السابق للطفل وتوقيت ظهوره. وقد يكون الضغط النفسي عاملاً مؤثّراً عندما يكون الطفل معتاداً على التركيز ثم يبدأ التشتت بالتزامن مع أحداث الحرب، مع ظهور قلق أو حساسية للأصوات أو تغيّرات في النوم والمزاج.

الظروف جزء من الصورة

كذلك تحتاج المعلمة إلى معرفة ظروف الطفل، فالنزوح أو فقدان المنزل أو العيش في مكان مكتظ كلها عوامل لا يمكن فصلها عن أدائه، على ما تقول نصرالله. كما تختلف الاستجابة بحسب تجربة الطفل؛ "فالذي نزح من منزله ليس مثل من تعرّض للقصف مباشرة، وليس مثل من يسمع أصوات الغارات من بعيد".

وبالتالي، تصبح إعادة بناء روتين يومي قابل للتوقع جزءاً مهماً من استعادة التكيّف والتعلّم. و"يمكن للمدرسة أن تشكل مساحة أمان من خلال العلاقة الدافئة مع المعلمين، وتجنب التخويف والصراخ، وإتاحة التعبير والرسم واللعب والحركة".
وبحسب نصرالله، قد يحتاج بعض الأطفال مؤقتاً إلى مرونة أكاديمية، مثل تقليل الواجبات أو تمديد المهلة أو تقسيم المهمة إلى خطوات أصغر، من دون إلغاء التعلم أو خفض التوقعات بصورة دائمة.

متى يحتاج الطفل إلى مساعدة؟

هنا يعود سؤال الأهل الأساسي: هل ما يحصل هو رد فعل طبيعي على الحرب، أم يحتاج إلى تدخل اختصاصي؟

تدعو نصرالله إلى الانتباه إلى أي تغيّر ملحوظ ومستمر عن نمط الطفل المعتاد، مثل التراجع المفاجئ في الأداء، والانسحاب الشديد، ونوبات البكاء أو الغضب المتكررة، والحساسية المفرطة للأصوات، أو الشكاوى الجسدية المتكررة. وتزداد ضرورة الإحالة عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة أو تعيق حياة الطفل وتعلمه وعلاقاته.

أمّا حسن فتلفت إلى أن آثار الحرب النفسية لا تظهر دائماً فوراً، فيما لا يزال بعض الأهل يترددون في طلب المساعدة النفسية. ويظهر ذلك خصوصاً في بعض مناطق البقاع وبعض مناطق بيروت، حيث قد ينظر الأهل إلى ما يمر به الطفل باعتباره اختباراً من الله، أو يترددون في زيارة عيادة الطب النفسي خشية نظرة المجتمع أو بسبب الرفض الاجتماعي المرتبط بالصحة النفسية. وقد يدفع ذلك بعضهم إلى البحث عن بدائل، مثل اللجوء إلى شيخ، بدل استشارة اختصاصي. لذلك يبقى الانتباه إلى تغيّر سلوك الطفل ونومه وعلاقته بأهله ودراسته خطوة أساسية، وعدم التعامل مع هذه التغيّرات باعتبارها أمراً يجب إخفاؤه أو تجاهله.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد