وفيق قانصوه (صحيفة الأخبار)
ثمّة صور لا تحتاج إلى تعليق. يكفي أن تنظر إليها حتى تفهم الرسالة التي يريد صاحب الصورة إيصالها.
الصورة التي اختارتها رئاسة الجمهورية اللبنانية لتكون «بروفيل» على صفحتها الرسمية، وتجمع الرئيس جوزيف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، تنتمي إلى هذا النوع. هي، للوهلة الأولى، صورة لقاء رسمي بين رئيسين. لكن عند النظر إليها من زاوية أخرى، قد تبدو وكأنها صورة لبناني سعيد الحظ التقى، مصادفة، شخصاً مشهوراً، فاقترب منه، واسترق صورة، ووضعها فوراً على «بروفيله» على «فايسبوك». ولو أن خاصية التعليقات على الموقع مفتوحة أمام القراء، لربّما كنا قد قرأنا تعليقات من نوع «شيخ الشباب» و«عقبال الأعلى» و«كبير وشيخ»... وغيرها.
الفارق الوحيد أن المواطن العادي يضع الصورة على حسابه الشخصي. أمّا هنا، فالصورة مُعلّقة على واجهة رئاسة الجمهورية اللبنانية.
بالطبع، الولايات المتحدة دولة مهمة، وترامب شخصية دولية وازنة، واللقاء حدث سياسي. المشكلة هنا ليست أن رئيس الجمهورية التقى بالرئيس الأميركي، فهذا أمر طبيعي، بل إن الرئاسة اختارت من بين كل صور الرئيس وعلاقاته الدولية واحدةً تجعل اللقاء مع ترامب يبدو وكأنه المشهد التعريفي بالرئيس نفسه. بمعنى آخر: «أنا صديق ترامب» بدل «أنا رئيس لبنان».
إن لم يكن الأمر كذلك، لماذا بقيت الصورة مكانها منذ لقاء الرجلين في تموز الماضي، رغم أن جدول اللقاءات الخارجية للرئيس لم يتوقّف عند بوابة البيت الأبيض؟ فلِمَ لا تكون الصورة مثلاً مع الرئيس الإيطالي أو رئيسة الحكومة الايطالية، أو مع الرئيس اليوناني الذي كان آخر الشخصيات الدولية التي التقاها رئيسنا؟
وبما أن الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية ليست صفحة علاقات عامة للرئيس، ولا ألبوم صور لأكثر اللقاءات إثارة، ولا صفحة مُعجبين بالرؤساء الأقوياء، فلماذا لا تكون الصورة للرئيس اللبناني منفرداً، مع العلم اللبناني، أو حتى للنافورة الشهيرة في باحة قصر بعبدا؟ وبالطبع لن نسأل، لا سمح الله، لماذا لا تكون لأنقاض قرية جنوبية جرّفها العدو، فهذا النوع من الصور يتعارض مع سياسة «إنهاء حال العداء».
الأكثر إثارة للفضول أن الموقع نفسه يضع في أعلاه صورة رسمية للرئيس اللبناني، ببزّته وربطة عنقه، واقفاً وحده، في هيئة رئيس دولة. وما إن ينزل زائر الصفحة قليلاً، حتى يجد نفسه وقد انتقل من صورة «رئيس الجمهورية اللبنانية» إلى صورة «الرجل الذي يضحك وهو يصافح الرئيس الأميركي». فأيّ الصورتين تريد الرئاسة أن تكون صورتها؟ الأولى التي تقول: هذه رئاسة الجمهورية، أم الثانية التي تقول: هذا الرئيس عندما يكون إلى جانب الرئيس الأميركي.
لا يمكن للصورة وحدها أن تكشف ما يشعر به الأشخاص فعلياً. لكنها، بوصفها لغة بصرية، تقدّم رسالتها بوضوح. وعندما تضع مؤسسة بحجم رئاسة الجمهورية صورة معيّنة في واجهتها، لا تفعل ذلك لأن الصورة جميلة، بل لأنها تقول: هذا ما نريدك أن تراه. ففي الصور الرسمية، التفاصيل الصغيرة ليست بريئة تماماً. زاوية الكاميرا، المسافة بين شخصين، اتجاه الجسد، وحتى النظرة العابرة، كلها تدخل في صناعة الصورة التي تريد المؤسسة أن تقدّمها للجمهور. فالرؤساء يضحكون، ويتصافحون، ويتبادلون المزاح، لكنّ الدول تختار صورها بعناية.
في الصورة، نرى الرئيسين يتصافحان جالسَيْن أمام مدفأة فخمة. والمصافحة هنا ليست تفصيلاً عابراً، بل هي مركز الصورة، أي إن هذه هي العلاقة التي ينبغي أن تراها أولاً. من اختار الصورة لم يعنه أن يقدّم صورة لقاء رئيسين متساويين في مجرد مصافحة بروتوكولية، بقدر ما أراد أن يقدّم مشهداً شديد التركيز على القرب الشخصي والحميمي من الرئيس الأميركي. فهل نجحت الرئاسة اللبنانية في ذلك؟
لا تحتاج الإجابة إلى كثير من العناء. فما نراه هنا هو رئيس الجمهورية اللبنانية، في صورة رسمية يُفترض أن تمثّل رئاسة دولة، وقد أصبح الرئيس الأميركي هو مركز الجاذبية فيها، وصاحب الحضور الطاغي، والشخصية التي تتجمّع حولها عناصر المشهد البصرية، فيما يبدو الرئيس اللبناني سعيداً جداً لمجرّد أنه في الكادر. تبدو الكاميرا نفسها وكأنها اختارت طرفاً رئيسياً في المشهد: ترامب الذي يعرف أنه أمام جمهوره، وعون الذي يبدو وكأنه أمام ترامب بلا جمهور.
الرئيس الأميركي يحتلّ الجهة اليمنى من الكادر، ببزّته الزرقاء وربطة عنقه الحمراء، بينما يظهر جسد الرئيس اللبناني متجهاً نحو نظيره الأميركي، بوضعية أكثر انفتاحاً واندفاعاً، فيما تمتد يده إلى المصافحة، مع ضحكة «من القلب». ترامب ينظر إلى الكاميرا، أي إلى الجمهور، ولا يحتاج حتى إلى النظر إلى عون كي يحتلّ مركز المشهد. أمّا عون، فيكفي أن ينظر إليه. وهذه هي المفارقة التي تجعل الصورة مُحرِجة. فلو نظر الرجلان إلى العدسة لَكان يمكن للصورة أن تكون أهدأ وأكثر توازناً، وأن تجعلهما رئيسين لدولتين يتصافحان. أمّا حين ينظر أحدهما إلى الآخر، فيما يواجه الآخر الكاميرا، فإن الصورة توحي، ولو من دون قصد، بعلاقة مركز وهامش أكثر مما توحي بعلاقة بين ندّين أو صديقين.
وعليه، إذا كان المقصود من هذه الصورة إبراز العلاقة الخاصة بين الرجلين، فقد فشلت الصورة فشلاً ذريعاً، بل ربّما أكثر مما ينبغي.
وحتى لا يذهب النقاش إلى المكان الخطأ، المشكلة ليست في ترامب شخصياً. فلو كانت الصورة مع الرئيس الفرنسي، أو رئيس الحكومة البريطانية، أو الرئيس المصري، أو أيّ أحد آخر، يبقى السؤال قائماً: هل ينبغي أن تكون صورة لقاء ثنائي واحدة هي الصورة التي تختزل رئاسة الجمهورية؟
لكنّ اختيار ترامب تحديداً يضيف طبقة سياسية أخرى إلى المسألة. فوضع الرئيس الأميركي شريكاً بصرياً دائماً في التعريف بالرئيس اللبناني ليس مجرّد اختيار جمالي. بل هو، شاءت الرئاسة أم لم تشأ، رسالة سياسية مفادها: إذا أردت أن تعرف أين يقف رئيس الجمهورية، فانظر إلى الصورة التي اختارها لنفسه.