نور ملحم (صحيفة المدن)
مع اقتراب بدء العام الدراسي في سوريا في السادس من أيلول، تجد الأسر نفسها أمام فاتورة تعليمية تتجاوز شراء الدفاتر والأقلام واللباس المدرسي، لتشمل أقساط المدارس الخاصة والنقل والكتب والأنشطة، في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية للأهالي محدودة. وفي الأسواق، تبدو كلفة تجهيز الطالب أعلى من قدرة كثير من الأسر، مع تفاوت كبير في أسعار المستلزمات بحسب النوع والجودة. وتشير التقديرات إلى ارتفاع أسعار بعض المستلزمات المدرسية بنسب وصلت إلى نحو 100 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، فيما تقدر كلفة تجهيز الطالب الواحد بنحو 25 ألف ليرة سورية.
ولا يقتصر الغلاء على القرطاسية والملابس. ففي اللاذقية، على سبيل المثال، سجلت أسعار الكسوة المدرسية ارتفاعاً كبيراً، إذ تجاوز سعر بعض البدلات 450 ألف ليرة، بينما بدأت أسعار الحقائب من نحو 350 ألف ليرة، ووصلت تقديرات تجهيز الطالب الواحد، مع مختلف الاحتياجات، إلى نحو مليون ليرة سورية.
كم يدفع الأهالي؟
تختلف أسعار المستلزمات المدرسية بين سوق وأخرى وبحسب النوع والجودة، لكن شراء الحاجات الأساسية بات يتطلب مبالغ كبيرة قياساً إلى مدخول الأسر. ويتراوح سعر الدفتر الواحد، بحسب الحجم والنوعية، بين نحو 3 آلاف و10 آلاف ليرة سورية (نحو 0.23 إلى 0.77 دولار)، بينما يبدأ سعر القلم من نحو 700 ليرة وقد يصل إلى 3 آلاف ليرة (نحو 0.05 إلى 0.23 دولار).
أما مجموعة القرطاسية الأساسية للطالب، فتبدأ من نحو 100 ألف ليرة للمرحلة الابتدائية؛ أي قرابة 8 دولارات، ويمكن أن تتجاوز 250 ألف ليرة (نحو 19 دولاراً) بحسب عدد الدفاتر والأقلام ونوعية الأدوات، فيما ترتفع الكلفة في المرحلتين الإعدادية والثانوية نتيجة زيادة عدد المواد والدفاتر والمستلزمات.
وتختلف كلفة الملابس أيضاً بين المراحل، إذ تتراوح الصدريات أو الألبسة الخاصة بالمرحلة الابتدائية بين نحو 50 و125 ألف ليرة (4 إلى 10 دولارات تقريباً)، بينما تبدأ كلفة البدلة المدرسية للمرحلتين الإعدادية والثانوية من نحو 200 ألف ليرة وقد تتجاوز 350 ألفاً بحسب القماش والجودة، أي ما يعادل نحو 15 إلى 27 دولاراً. وتضاف إلى ذلك كلفة الحذاء والحقيبة، التي قد تراوح بين 60 و200 ألف ليرة (5 إلى 15 دولاراً تقريباً). وبذلك، فإن تجهيز طالب واحد، قبل احتساب الأقساط المدرسية والنقل، يمكن أن يستهلك مئات آلاف الليرات، فيما تتضاعف الفاتورة لدى الأسر التي لديها طفلان أو ثلاثة أو أكثر.
تقول وفاء ديوب، ربة منزل، لـِ "المدن"، إنها تحتاج إلى نحو 3 ملايين ليرة قديمة لتحضير حاجات طفلتها في الصف الخامس، أي ما يعادل نحو 231 دولاراً وفق سعر الصرف المستخدم في احتساب الأسعار. وتوضح أن المبلغ المطلوب لا يرتبط بشراء حاجة واحدة، وإنما بتجميع قائمة المستلزمات التي تحتاجها ابنتها مع بداية العام الدراسي، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار جعل تأمين هذه الحاجات عبئاً على الأسرة، ودفعها إلى ترتيب الأولويات وشراء الضروري وتأجيل ما يمكن الاستغناء عنه.
ولا تختلف حال المهندس يوشع بدور كثيراً، إذ يرى أن المشكلة لم تعد في سعر قطعة واحدة، وإنما في تراكم النفقات: لباس، حقيبة، قرطاسية، حذاء، ثم قسط المدرسة والنقل وغيرها من المصاريف. ويقول بدور لـِ "المدن" إن ارتفاع هذه التكاليف يدفع الأهالي إلى البحث عن بدائل أقل سعراً، أو إعادة استخدام ما هو متوفر من العام الماضي، بعدما لم تعد المداخيل قادرة على مجاراة كلفة التعليم ومستلزماته.
ملابس العام الماضي هي البديل
في أحد الأسواق الدمشقية، نزلت الطفلة فلك، ذات السنوات العشر، برفقة والدتها لشراء حاجاتها المدرسية، لكنها اكتفت ببعض الأغراض الضرورية. وتقول فلك إن ارتفاع الأسعار يجعل شراء كامل حاجاتها أمراً صعباً، لذلك ستستخدم ملابسها المدرسية من العام الماضي، إلى جانب الاكتفاء ببعض الحاجات الأساسية. ولدى فلك ثلاث شقيقات أيضاً، ما يجعل شراء ملابس مدرسية جديدة للجميع أمراً يفوق قدرة أسرتها.
وتظهر قصة فلك جانباً من أثر الغلاء على الأطفال أنفسهم، إذ لم تعد بداية العام الدراسي مرتبطة بالضرورة بشراء ملابس وحاجات جديدة، بل بإعادة استخدام ما هو متوفر ومحاولة الاكتفاء بالحد الأدنى.
الأقساط الخاصة: فاتورة أخرى
أما الأسر التي تعتمد المدارس الخاصة، فتواجه عبئاً إضافياً. وتتفاوت الأقساط بصورة كبيرة بين المدارس، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن الأقساط السنوية للمدارس الخاصة العادية والمتوسطة في دمشق تتراوح بين 6 و15 مليون ليرة، بينما تصل في بعض المدارس المعروفة أو التي تعتمد مناهج دولية إلى 20 أو 40 مليون ليرة، مع إضافة تكاليف النقل واللباس والأنشطة والخدمات في بعض الحالات. وفي ظل هذه الأرقام، تتحول بداية العام الدراسي إلى عملية حسابية دقيقة لدى الأسر، بين اختيار مدرسة تتناسب مع الدخل، وتقليل المستلزمات، أو تأجيل بعض المشتريات.
ارتفاع أسعار القرطاسية والحقائب
يقول أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة لـِ "المدن"، إن أسعار القرطاسية سجلت ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالعام الماضي، وقدّر في تصريحات سابقة الزيادة بنحو 100 بالمئة، مشيراً إلى أن الحقائب كانت من أكثر المستلزمات ارتفاعاً، مع تفاوت واضح في الجودة والأسعار.
ويعكس هذا الارتفاع فجوة متزايدة بين كلفة المستلزمات المدرسية ودخول الأسر، خصوصاً أن تجهيز الطالب لا يتوقف عند القرطاسية، بل يشمل اللباس والحذاء والحقيبة، إلى جانب نفقات النقل والأقساط بالنسبة إلى طلاب المدارس الخاصة.
ومع اقتراب السادس من أيلول، لا تبدو المشكلة مرتبطة بتوفر المستلزمات في الأسواق وحده، بل بقدرة الأسر على دفع كلفتها. فكل طالب يحتاج إلى قائمة من الحاجات، ومع تعدد الأبناء تتحول هذه القائمة إلى فاتورة يصعب على كثير من العائلات تحملها. وبينما تستعد المدارس لاستقبال الطلاب، تستعد الأسر بدورها لحسابات أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن شراؤه الآن، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي يمكن استخدامه من العام الماضي؟.
في ظل هذا الواقع، تبدو العودة إلى المدارس اختباراً جديداً لقدرة الأسر السورية على تحمل كلفة التعليم، في وقت تتسع فيه الفجوة بين ما يحتاجه الطالب لبدء عامه الدراسي وما تستطيع الأسرة تأمينه.