إعلام المهرولين… حين تُصاغ الهزيمة بلسان «القدوة»

post-img

أنطون بعقليني (صحيفة البناء)

في زمن تحوّلات المنطقة المتسارعة، لم يعد غريباً أن نشهد سقوطاً مدوياً لبعض المنصات الإعلامية في مستنقع “التطبيع” والهرولة نحو الاستسلام. لكن العتب واللوم يتلاشيان حين ندرك أنّ هذا الإعلام ليس سوى مرآة تعكس توجهات مَن يتربّعون على رأس الهرم السياسي؛ فإذا كان رئيس الدولة ورئيس وزرائه هما “المثل الأعلى” في الخنوع، فلا ننتظر من بوقٍ إعلامي أن يعزف لحن الكرامة.

تبعية عمياء وصناعة الهزيمة

إنّ الإعلام الذي يروّج للتنازلات ويسوّق لها كـ “إنجازات دبلوماسية” لا يعمل في فراغ، بل يستمدّ شرعيته وأجندته مباشرة من مطبخ القرار السياسي. عندما يرى الإعلامي أنّ قادة البلاد يهرولون لتقديم التنازلات دون قيد أو شرط، يصبح تبرير الاستسلام مهنته اليومية، وتتحوّل الهزيمة في خطابه إلى “واقعية سياسية”، والتمسك بالحقوق إلى “مراهقة فكرية”.

قاعدة التبعية: الإعلام الموجه لا يصنع مواقف، بل يبرّر مواقف صناع القرار. إذا غاب بأس القائد، تآكلت لغة الصحافة.

انفصال عن نبض الشارع

المفارقة الصادمة تكمن في الفجوة الشاسعة بين هذا الإعلام الهجين وبين نبض الشعوب الحية. فبينما يجهد الإعلام المطبع لتلميع صورة الاستسلام، تظلّ القواعد الشعبية متمسكة بثوابتها، رافضة لسياسة الأمر الواقع.

على الصعيد السياسي: غياب الرؤية الاستراتيجية للقادة يجعل الإعلام يتخبّط في تبرير التنازلات.

على الصعيد الأخلاقي: سقوط القدوة السياسية يتبعه تلقائياً سقوط القدوة الإعلامية، لتتحوّل المهنة من “سلطة رابعة” تحاسب المقصّرين، إلى “أداة تبرير” تصفق للمستسلمين.

لا عتب على من اختار أن يكون صدى لصوت واهن، فالإناء ينضح بما فيه. إنّ ترويج الاستسلام لن يغيّر من حقيقة التاريخ شيئاً، والتاريخ لا يرحم المهرولين ولا إعلامهم الراقص على حبال التنازلات. سيزول الشخوص وتبقى الشعوب شاهدة على مَن باع، ومَن اشترى، ومَن طبّل…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد