مستوطنو "إسرائيل" وكابوس العودة إلى ما قبل العام 2000

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

ثمة سؤال واحد، بسيط في صياغته وهائل في تداعياته، يُقضّ مضاجع صانعي القرار في "تل أبيب"، ويُلقي بظلاله الثقيلة على مستوطنات الشمال المحتل: هل تملك "إسرائيل"، بمؤسستها الأمنية المرهقة ومجتمعها المأزوم وشمالها المنهك، القدرة الحقيقية على تحمّل العودة إلى منطق ما قبل العام 2000؟ ذلك المنطق الذي كان يعني يوميًا خسارة الجنود، وهدرًا لا ينتهي للموارد، وإذلالًا استراتيجيًا يُقوّض صورة الجيش الذي لا يُقهر.

ما يجري اليوم، من نزوح لأكثر من 96,000 مستوطن من شمال فلسطين المحتلة، وشللٍ اقتصادي يضرب الجليل، وتراجع حاد في الثقة بالمنظومة الأمنية، ليس سوى امتداد طبيعي لمسار تاريخي بدأ يوم اندحار جيش الاحتلال الإسرائيلي بذلّ من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من مايو في العام 2000. هذا المقال محاولة لقراءة هذا المسار بعيون تحليلية، مستندةً إلى وقائع موثقة.

أولًا-  العام 2000 لحظة انكسار نظرية الأمن الإسرائيلي

لفهم عجز الكيان الراهن، لا بد من العودة إلى اللحظة التأسيسية للهزيمة. في السادس من يونيو/حزيران 1982، زحفت الدبابات الإسرائيلية نحو بيروت تحت شعار "سلامة الجليل"، وهو عنوان مضلل لمشروع إعادة رسم "الشرق الأوسط". بعد ثمانية عشر عامًا من الاحتلال والاستنزاف المتواصل، وبعد أن دفع الجيش ما يزيد على 559 قتيلًا- بحسب ما هو معلن منذ بدء عمليات المقاومة في العام 1982 وفقًا لرقام موثقة في السجلات الإسرائيلية الرسمية، وجد نفسه يفرّ من دون اتفاق، تاركًا وراءه حليفه جيش لبنان الجنوبي يتفكك ويُسلّم نفسه للمقاومة.

الاندحار نفسه يحمل دلالة استراتيجية استثنائية: لم يكن نتيجة مفاوضات، ولم يصدر عن ضغط دولي مباشر، مع أن قرار مجلس الأمن 425 كان ما يزال يُطالب بالانسحاب منذ 1978؛ كان هزيمةً نتجت عن الاستنزاف. قرّر رئيس الوزراء – أنذاك - إيهود باراك الانسحاب أحادي الجانب بعد أن غدا الثمن البشري والاجتماعي للبقاء أعلى مما يحتمله الرأي العام الإسرائيلي. أُتمَّ الاندحار في الرابع والعشرين من مايو/أيار 2000، قبل ستة أسابيع من الموعد المحدد، وسط انهيار فوري لجيش لبنان الجنوبي العميل للاحتلال، إذ فرّ نحو 6,000 من عناصره وضباطه بعائلاتهم إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ما يجدر التوقف عنده هو أن إسرائيل، والتي دأبت على التفاخر بأن جيشها لا يُهزم، اضطرت في العام 2020 ، أي بعد عشرين عامًا كاملة من الاندحار، إلى الاعتراف رسميًا بأن العمليات في جنوب لبنان بين عامَي 1982 و2000 كانت حربًا وليس مجرد 'نزاع منخفض الحدة'، حين أصدرت وزارة الحرب قرارًا يُعيد تصنيف تلك المرحلة بوصفها 'حملة المنطقة الأمنية في لبنان'. وهذا الاعتراف المتأخر اعتراف ضمني بأن ما جرى كان هزيمةً استنزافية حقيقية.

ثانيًا- شمال فلسطين المحتلة (2023-2026) الكابوس يتكرر بلغة أكثر تعقيدًا

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام 2023، أصبح شمال فلسطين المحتلة مشلولًا، في حال لم يعرف لها مثيلًا، منذ نشوء الكيان الاستيطاني (1984). وفقًا لأرقام معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، في مقاله له في مارس/آذار 2025، أجلوا 61,800 مستوطن من 43 تجمعًا سكانيًا في الشمال بقرار حكومي رسمي، فضلًا عن آلاف أخرى غادرت طوعًا من دون قرار رسمي أو الحصول على مساعدات. وبمقياس أوسع، رصدت مصادر متعددة أن ما يزيد على 96,000 مستوطن فرّوا من ديارهم في الشمال.

صحيفة 'تايمز أوف إسرائيل' نشرت، في أبريل/نيسان 2026، تحقيقًا ميدانيًا كشفت فيه أن كريات شمونة، والتي أُخليت من 24,000 مستوطن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحوّلت إلى "مدينة" شبه ميتة اقتصاديًا؛ وأن 101 من أصل 104 شركات ناشئة كانت تعمل في الجليل قبل الحرب أغلقت أبوابها أو تفككت. هذا الرقم وحده يكفي لوصف حجم الكارثة الاقتصادية التي حلّت بمستوطنة كانت تُروَّج على أنها  واحدة من أكثر مناطق 'إسرائيل' نموًا.

أما على صعيد إعادة الإعمار، فقد رصدت مديرية إعادة تأهيل الشمال ميزانيةً بلغت 3.4 مليار شيكل (ما يعادل نحو 1.1 مليار دولار) لتمويل إعادة بناء المجمعات الاستيطانية المتضررة. هو رقم يُعبّر عن حجم الدمار المادي بصرف النظر عن الجروح النفسية والاجتماعية. في قرية ميتولا الحدودية، والتي تعد رمزًا للتمسك بالاستيطان الشمالي، لم يعد سوى 40% من المستوطنين بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.

ثالثًا- الحساب الاقتصادي للاستنزاف وأسطورة القبة الحديدية وحدودها

دأبت الدعاية الإسرائيلية على تقديم القبة الحديدية درعًا تقنية تُلغي معادلة الاستنزاف. غير أن الأرقام تكشف وجهًا آخر مغايرًا: تكلفة اعتراض صاروخ واحد تتراوح بين 100,000 و150,000 دولار وفقًا لتقديرات مراقب دولة الاحتلال، في حين لا تتجاوز تكلفة إنتاج الصاروخ البدائي الذي تعترضه بضع مئات من الدولارات. كما رصد مركز أبحاث الجامعة العبرية أن كل ضربة صاروخية تصل إلى مناطق مأهولة تُسبّب أضرارًا مباشرة تُقدَّر بنحو 350,000 دولار، تشمل التكاليف الطبية وأعمال الترميم وفقدان الإنتاجية الاقتصادية.

هذا؛ وكشف الاشتباك مع إيران، في يونيو/حزيران 2025، حجم الهشاشة الاقتصادية بصورة أكثر فجاجة: وفقًا لتقرير صحيفة وول ستريت جورنال الذي نقله موقع ميدل إيست مونيتور، بلغت التكلفة اليومية للعمليات الإسرائيلية ما يقارب 200 مليون دولار، ولجأت إسرائيل في الوقت نفسه إلى منظومة ديفيد سلينج ومنظومة أرو-3 التي تتراوح تكلفة الاعتراض الواحد فيها بين 700,000 و4 ملايين دولار. هذه الأرقام تتحدث عن ذاتها: المواجهة المفتوحة وطويلة الأمد تعني بالنسبة إلى إسرائيل استنزافًا ماليًا قد يُقوّض بنيتها الاقتصادية في غضون أسابيع لا سنوات.

رابعًا- معادلة الاستنزاف.. لماذا تتفوق المقاومة في حروب الإنهاك؟

تعكس نظرية حرب الاستنزاف، كما طوّرها المفكر العسكري الأمريكي أندرو مارك ليف ضمن إطار ما يُعرف بـ'نظرية الصبر الاستراتيجي'، مبدًا ثابتًا: حين تواجه قوة منتظمة ذات تكاليف عالية خصمًا غير منتظم يُقاتل بتكاليف منخفضة، وضمن بيئته الجغرافية والاجتماعية، فإن الوقت يُشكّل سلاحًا استراتيجيًا لمصلحة الأضعف. هذا ليس مجرد نظرية؛ هو درسٌ تُعلّمه تجربة فيتنام، وأفغانستان، وجنوب لبنان بالتساوي".

في النموذج اللبناني ينجلي هذا المنطق بوضوح: المقاومة تُقاتل في أرضها، بأيديولوجيا تُعطيها شرعية التضحية، وبتكاليف لوجستية لا تُقارن بما يتكبده جيش الاحتلال، والذي يحتاج إلى إدامة حضوره العسكري بعيدًا عن عمقه الجغرافي. في المقابل، هو مُرتهن بطبيعته لمعادلة 'الدم مقابل الأرض': كل قتيل إسرائيلي يُحدث موجة رأي عام داخلية، لأن المجتمع الاستيطاني مجتمع هشّ نفسيًا في مواجهة الخسائر المستمرة. وهذا ما أثبتته الأرقام من العام 1982 إلى العام 2000.

وفقًا لبحث معهد INSS (2025)، عن أزمة الثقة التي ظهرت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، هناك 'فجوة غير مسبوقة' بين تصورات المؤسسة العسكرية ومشاعر مستوطني الشمال المُخلَيْن؛ فجوة تتعلق بمدى قدرة الجيش على ضمان عودة آمنة. هذه الهوّة في الثقة هي بالذات ما يُغذّي 'التعب الإسرائيلي' —المفهوم الذي رصده باحثو علم النفس السياسي، في جامعة تل أبيب، ويصف ظاهرة التآكل التدريجي لتحمّل المجتمع الإسرائيلي للصراع المستمر.

خامسًا- الجانب النفسي والاجتماعي وهجرة الشمال وانهيار ثقة المستوطن

ما يحدث، في شمال فلسطين المحتلة، اليوم، يتجاوز حجم الأضرار المادية ليطال أعمق ما في المشروع الاستيطاني: قابلية العيش. النازحون إلى فنادق وسط فلسطين المحتلة باتوا 'تجمعات مبعثرة' فقدت تماسكها الاجتماعي؛ وفقًا لتوصيف المتخصصين في الإسكان. ولفت مستوطنو الكيبوتس الحدودية إلى أنهم 'لا يتحملون الرحيل من جديد'، وهو تعبير يُترجم حجم الصدمة النفسية المتراكمة. إذ لم يعد 60% من مستوطني ميتولا الحدودية إليها حتى اللحظة. إعادة البناء المادية، كما يُلاحظ الباحثون الميدانيون، هي الجزء الأيسر، فيما إعادة بناء الشعور بالأمن هو الجزء الأعسر.

في مستوطنة كريات شمونة، وصف الحلاق "إلدار" للصحفيين واقعها بعبارة معبرة: "قبل الحرب كانت هذه المنطقة تعج بالناس، والمحلات تجني أموالًا جيدة. الآن معظم المحلات مغلقة، المدينة ميتة، ولا أحد يخرج ليلًا". هذا المشهد هو الواقع اليومي لعشرات التجمعات الشمالية التي تعيش في فراغ اجتماعي واقتصادي خلّفه سنوات من القصف والنزوح والترقب.

سادسًا- هشاشة القرار في "تل أبيب" والمعادلة السياسية المأزومة

لا تقف الأزمة عند حدود الاقتصاد والاجتماع، بل تخترق صميم القرار السياسي. المؤسسة الحاكمة، في "تل أبيب"، تجد نفسها محاصرة بين مطرقتين: ضغط المستوطنين الشماليين الذين يطالبون بعودة آمنة وحضور أمني حقيقي وسندان الواقع الميداني الذي يعجز عن تلبية هذا المطلب. هذا الأفق المسدود يُفسّر لماذا لم تنجح حكومات الاحتلال المتعاقبة، من باراك إلى شارون إلى أولمرت فبينيت فنتنياهو، في إعادة الأمان الحقيقي إلى الشمال المحتل.

كلتا الحربين اللتين شنّهما الكيان الإسرائيلي على لبنان بعد الاندحار، في يوليو/تموز 2006 وفي 2024، أخفقتا في تحقيق هدفيهما المُعلنَيْن: إسكات المقاومة وإعادة مستوطني الشمال. وفي كل مرة، كان يعلن النصر، في حين كانت الحقيقة على أرض الواقع تقول العكس: الشمال ما يزال معرضًا للخطر، والمستوطنون ما يزالون يفرّون، والمقاومة ما تزال تمتلك قدرتها على إدارة المواجهة.

اخيرًا، الإجابة القاطعة عن السؤال المطروح

يعود السؤال المُقلِق: هل يملك كيان الاحتلال القدرة على تحمّل كابوس العودة إلى ما قبل العام 2000؟ ما رصدناه في هذا المقال من حقائق موثقة يدفعني نحو إجابة واضحة: لا يملك.

مجتمع الاستيطان لا يملك الصبر الاستراتيجي؛ هو مجتمع مُصمَّم للرخاء والأمن الدئام، ويتشقق حين يُضغط عليه مدة مطوّلة. في المقابل، التاريخ يُعلّمنا أن حروب الاستنزاف المفتوحة تميل إلى إنهاك القوى الكبرى الخارجية وإطالة مدة صمود القوى المحلية.

خلاصة القول: السؤال الذي يجب أن يرعب 'إسرائيل' ليس ما إذا كانت المقاومة ستُطلق صواريخ أخرى، بل ما إذا كان مستوطنو الشمال سيُقررون يومًا ألا يعودوا نهائيًا. ذلك اليوم —إن جاء— سيكون الهزيمة الاستراتيجية الحقيقية.

المراجع والمصادر

1. معهد دراسات الأمن القومي (INSS). (2025، مارس). "الواقع الذي سيُمكّن عودة سكان الشمال". INSS Insight. تل أبيب: جامعة تل أبيب.  [متاح على: https://www.inss.org.il/publication/north-citizens/]
2. معهد دراسات الأمن القومي (INSS). (2024، مارس). "إجلاء المجتمعات الإسرائيلية في حرب سيوف الحديد". INSS Insight No. 1838. تل أبيب.   [متاح على: https://www.inss.org.il/publication/evacuation/]
3. Times of Israel. (2026، أبريل 30). "المدينة ميتة": الشمال الإسرائيلي يكافح للتعافي بعد الحرب. (تحقيق ميداني).    [متاح على: https://www.timesofisrael.com/the-city-is-dead-israels-north-struggles-to-recover-as-war-leaves-uneven-economic-scars/]
4. Times of Israel. (2026، مارس). مصدومون من آخر إجلاء، كثيرون في شمال إسرائيل يُفضّلون البقاء رغم المخاطر المتجددة.    [متاح على: https://www.timesofisrael.com/traumatized-by-their-last-evacuation-many-in-israels-north-are-staying-put-despite-renewed-danger/]
5. Wikipedia / South Lebanon conflict (1985–2000). (2026). بيانات الخسائر 1982-2000. استُندَ إلى: Wikipedia (من مصادر إسرائيلية حكومية معترف بها).    [متاح على: https://en.wikipedia.org/wiki/South_Lebanon_conflict_(1985–2000)]
6. Middle East Monitor. (2025، يونيو). حرب إسرائيل مع إيران تكلّف 200 مليون دولار يوميًا. (نقلًا عن Wall Street Journal).    [متاح على: https://www.middleeastmonitor.com/20250620-israels-war-with-iran-costs-200m-a-day-raising-pressure-for-swift-end/]
7. Wikipedia / Iron Dome. (2026). تكلفة الاعتراض: بيانات الجدوى الاقتصادية. (استنادًا لتقرير مراقب الدولة الإسرائيلي).    [متاح على: https://en.wikipedia.org/wiki/Iron_Dome]
8. ECF (Economic Cooperation Foundation). (n.d.). الانسحاب الإسرائيلي من لبنان 2000 — توثيق الواقعة.    [متاح على: https://ecf.org.il/issues/issue/956]
9. The Conversation. (2026، مارس). الأعمال الإسرائيلية في لبنان تُخاطر بتكرار أخطاء التاريخ.    [متاح على: https://theconversation.com/israeli-action-in-lebanon-risks-repeating-historys-mistakes-and-torpedoing-a-historic-moment-for-dialogue-278607]
 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد