الخدمة المدنية ليست باباً لجمع الأموال

post-img

فادي عبود (صحيفة الجمهورية)

إنّ الإنسان يختار مهنةً ليجني المال، ويعمل من خلالها على تأمين دخله وزيادة ما لديه. أمّا الخدمة المدنية فليست مهنة بالمعنى المتعارف عليه، بل هي خدمة هدفها إدارة الشأن العام لا تحقيق الربح الشخصي. وبالتالي، يُفترَض ألّا تكون هناك أي مساحة داخل مواقع القرار، لتحويل المنصب إلى وسيلة لجني الثروة. ونكرّر إنّها خدمة للمجتمع.

الخدمة المدنية التي نقصدها هنا لا تشمل جميع الموظفين في الدولة، بل تحديداً مراكز القرار والسلطة. أمّا بقية الموظفين في الإدارة العامة، فهم جزء من الجهاز التنفيذي والخدماتي، يخضعون لسلّم إداري واضح كما موظفي المؤسسات الخاصة.

في إطار الخدمة المدنية في مراكز القرار، فإنّ الإنسان يتعرّض لمغريات عديدة، إذ يتعامل مع مختلف فئات المجتمع، من بينهم أثرياء وناجحون في أعمالهم ومجالاتهم المختلفة. عندها، وبوعي أو من دون وعي، يبدأ الميل إلى تقليد هذا المستوى أو اللحاق به، فيتحوَّل تدريجياً من شخص جاء لخدمة الدولة إلى شخص يسعى لجمع المال عبر موقعه داخل مركز القرار ليواكب مجتمع الناجحين مالياً. وهنا يفقد المنصب جوهره، ويتحوَّل من أداة خدمة للمجتمع إلى وسيلة جمع أموال ونفوذ خاص (طبعاً هناك استثناءات، لكنّها قليلة، الكثيرون من المسؤولين أنهوا خدمتهم بمبالغ أكثر بكثير من تلك التي دخلوا بها).

ولتفادي هذا الانحراف البنيوي، يجب أن تخضع مواقع القرار لشروط صارمة وواضحة أهمّها:

1- شرط الكفاءة المُثبتة عملياً: لا يجوز الوصول إلى مراكز القرار إلّا بعد إثبات نجاح فعلي في الحقل الذي ينتمي إليه المرشح، إذ لا تكفي الشهادات الأكاديمية وحدها، بل يجب أن يكون قد حقق إنجازات ملموسة تثبت كفاءته.

2- شرط العمر والخبرة: أن يكون عمر المرشح أكثر من 40 عاماً، لأنّ الوصول إلى هذه السن يعني غالباً امتلاك تجربة مهنية وحياتية كافية، تسمح بتقدير المسؤولية بعيداً عن الاندفاع أو الطموح الشخصي.

3- شرط الاستقرار المالي: أن يكون وضعه المالي مستقراً ومثبتاً، بما يعني أنّه يدخل إلى المنصب وهو غير محتاج لاستخدام منصبه في الخدمة المدنية كأداة لتحسين وضعه المعيشي أو تكوين ثروة.

4- شرط تحديد مدة الخدمة: أن تكون فترة تولّي المنصب محدّدة وقصيرة، لأنّه إذا طالت المدة تتحوَّل إلى مهنة، ويصبح من الطبيعي أن يفكّر بمصالحه الشخصية. عند الرومان كانت هذه المدة محدّدة، حاكمَين على سنة واحدة،

وكل المراكز الأساسية لمدة محدّدة، ما ساهم بعظمة روما، وعندما تخلّت عن هذه القوانين وأصبحت امبراطورية بدأت تتراجع.

وهنا نذكر مثالاً عالياً لعقلية الرومان في حينه، تمثلت بالقائد الروماني لوشيوس كوينكتيوس سنسيناتوس، الذي استُدعي من مزرعته لقيادة الدولة في لحظة خطر، وعُيِّن كديكتاتور بصلاحيات مطلقة فقَبل المهمّة كواجب وأنجزها بسرعة، ثم تخلّى فوراً عن السلطة بعد 16 يوماً وعاد إلى حياته البسيطة. كان سينساتوس يفكّر بمحصوله الزراعي ولم يفكّر للحظة الاستفادة من موقعه لجني المال أو تحقيق مصالح شخصية، هذا أكبر مثال عمّا تعنيه الخدمة.

5- الشفافية كقاعدة رقابة أساسية: طبعاً الشفافية مطلوبة هنا كما في كل ما يتعلّق بالشأن العام، وقد تكلّمنا عنها مراراً.

هذه الشروط تمثل الأساس الحقيقي لبناء مجتمع ناجح، وينبغي أن تنطبق على كل مَن يصل إلى موقع قرار عن طريق انتخاب أو تعيين.

ونشير هنا، إلى أنّ الخدمات الطويلة عندنا في لبنان وصلت إلى حدّ أنّهم باتوا يفكّرون بتوريثها إلى الأولاد والأحفاد وكأنّها ملك خاص.

نعطي مثالاً آخر من التاريخ الحديث، في عام 1961 ترك روبرت ماكنامارا منصبه كرئيس لشركة «فورد» للسيارات، وهو منصب مرموق وعالي الدخل في القطاع الخاص، ليتولّى منصب وزير الدفاع في الولايات المتحدة وبمدخول أقل بكثير ممّا كان عليه، بهدف خدمة بلاده من موقع المسؤولية العامة.

تذكّروا دائماً، أنّ اسمها خدمة، العمل بها هي لخدمة الناس وليس لربح شخصي، كما ليست ملكاً عائلياً يُورَّث للأولاد، ولا باباً مفتوحاً للنفوذ الشخصي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد