حين يصبح التطبيع امتيازًا... تسقط الدولة!

post-img

كريم حداد/جريدة الأخبار

لا يُقاس مفهوم السيادة للدول بعدد الخطب الرنّانة أو البيانات الرسمية، بل بطريقة تعامل الدولة مع مُنتهِك أسس وجودها. فالدولة التي تلاحق مواطنًا بسبب رأي، ثم تغضّ الطرف عن متعامل سياسي مع دولة تعتدي على أرضها وشعبها، هي دولة لا تواجه أزمة في تطبيق القانون فحسب، بل تواجه أزمة في تعريف الوطن نفسه.

لبنان اليوم ليس في حالة سلام مع إسرائيل. هذه ليست وجهة نظر سياسية، بل حقيقة قانونية ودستورية. فالعدوان لم يتوقف، والعدو يخرق الأجواء ويفجّر المنازل، والأرض ما زالت مُحتلة، ومئات آلاف اللبنانيين يعيشون آثار الحرب والدمار. ومع ذلك، يقيم المصرفي اللبناني أنطوان صحناوي مأدبة عشاء على شرف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في مشهد لم يكن خاصًّا أو عائليًّا أو شخصيًّا، بل كان فعلًا علنيًّا موثّقًا بالصور، يحمل في ذاته رسالة سياسية لا يمكن فصلها عن توقيته ولا عن شخصية الضيف.

أخطر ما في هذه الواقعة ليس أنها أثارت الغضب الشعبي، بل كونها مرّت على السلطة السياسية مرور الكرام، وكأنّ شيئًا لم يحدث. لم يصدر بيان عن رئاسة الجمهورية يؤكد تمسّك لبنان بقوانينه المتعلقة بمقاطعة العدو. لم تعلن رئاسة الحكومة أنها تتابع الواقعة. لم يخرج وزير العدل «السيادي» ليطلب من النيابة العامة دراسة ما إذا كانت الأفعال المنسوبة تدخل ضمن أي نص قانوني نافذ. وكأن الدولة قرّرت أن تعتبر الأمر غير موجود.

قانونيًّا، تتحرك النيابة العامة، باعتبارها ممثّلة للمجتمع، عندما تظهر وقائع علنية تستوجب التحقيق للتثبّت من مدى انطباق النصوص القانونية عليها. والتحقيق ليس إدانة، بل هو الوسيلة التي تحترم بها الدولة نفسها وقوانينها. أمّا الامتناع عن التحقيق أصلًا، فهو قرار سياسي مُقنّع بثوب قانوني. ومبدأ المشروعية يفرض على كل سلطة عامة أن تعمل في حدود القانون، لا في حدود المصلحة السياسية. فإذا كانت هناك واقعة منشورة وموثّقة تتعلق بلقاء علني مع رئيس حكومة دولة لا يزال لبنان يعتبرها عدوّة، فمن واجب السلطة المختصة أن تحدّد موقفها القانوني. أمّا الصمت، فهو ليس حيادًا، بل تعطيل لوظيفة الدولة.

لعل ما يجعل المشهد أكثر خطورة هو المقارنة بين سرعة القضاء في ملاحقة أصحاب الرأي، وبطئه أو صمته في قضايا تمس الأمن الوطني والسيادة. لقد شهد اللبنانيون في السنوات الأخيرة استدعاءات وتحقيقات وملاحقات بحق صحافيين وكتّاب وناشطين بسبب مقالات أو منشورات أو تصريحات سياسية. استُنفرت الأجهزة، وفُتحت الملفات، واستُدعيت الأقلام إلى غرف التحقيق، وكأنّ الرأي أصبح أخطر على الدولة من كل التحديات الأخرى.

أمّا حين يتعلق الأمر بأصحاب الرساميل الكبرى أو أصحاب النفوذ المالي، فإن المشهد يتغير بصورة لافتة. هنا يصبح القانون أكثر هدوءًا، وتصبح النيابات العامة أقل استعجالًا، وتختفي الحماسة التي نراها في ملفات التعبير والرأي.

هذه ليست مجرّد مفارقة، بل هي إخلال جوهري بمبدأ المساواة أمام القانون، المنصوص عليه في الدستور وترعاه مبادئ القانون، الذي لا يميّز بين غني أو فقير، ولا بين مصرفي أو صحافي. وعندما تتغيّر آليات تطبيق النصوص بحسب هوية الشخص، لا يبقى هناك قانون بالمعنى الحقيقي، وإنما نكون أمام سلطة انتقائية تفسّر القانون بحسب مصالحها.

أخطر ما يمكن أن يصيب القضاء ليس الضغط السياسي فحسب، وإنما فقدانه لثقة الناس بحياده. القاضي لا يملك جيشًا ولا شرطة خاصة، وإنما يملك ثقة المجتمع بأن ميزانه لا يميل إلا للقانون. فإذا ترسّخ الانطباع بأن القانون يتحرك ضد الضعفاء ويتوقف أمام الأقوياء، فإن هيبة القضاء نفسها تصبح موضع سؤال. لذلك فإن التغاضي عن وقائع تمسّ العلاقة مع دولة معادية، يضع السلطة أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية قبل أن تكون قانونية.

قد يقال إن الواقعة حصلت خارج الأراضي اللبنانية. لكن هذا الاعتراض لا يغيّر من طبيعة النقاش شيئًا. فالمسألة ليست مكان المأدبة، بل طبيعة العلاقة وشخصية الضيف والظرف الذي جرت فيه. فالسيادة لا تتوقف عند الحدود الجغرافية، لأن الولاء الوطني لا ينتهي بمجرّد مغادرة المواطن أرض وطنه.

كما أن القانون الجنائي الحديث يعرف صورًا متعدّدة للاختصاص خارج الإقليم عندما يتعلق الأمر بمصالح الدولة الأساسية أو بأفعال تمسّ أمنها. ولذلك فإن مجرد وقوع الفعل في الخارج لا يمنع، من حيث المبدأ، من دراسة آثاره القانونية إذا كان ذا صلة بالمصلحة الوطنية أو بالنظام العام الذي يحميه القانون.

غير أن القضية تتجاوز النصوص القانونية. إنها قضية تتعلق بصورة الدولة في نظر مواطنيها. فكيف يمكن للدولة أن تطلب من جنودها حماية الحدود، بينما لا تبدي حساسية مماثلة تجاه أي سلوك قد يُفهم منه إضفاء شرعية اجتماعية أو سياسية على قيادة دولة تواصل الاعتداء على تلك الحدود؟ وكيف تطلب من المواطنين التضحية دفاعًا عن الوطن، إذا كان أصحاب النفوذ يستطيعون أن يتعاملوا مع رأس السلطة في الدولة المعتدية من دون أن يواجهوا حتى سؤالًا قانونيًّا؟

إن الوطنية ليست امتيازًا يُطلب من الفقراء وحدهم، وليست واجبًا يقتصر على الجنود والمقاومين وسكان القرى الحدودية. الوطنية هي قبل كل شيء مساواة في الالتزام بالدولة. ومن غير المقبول أن تكون هناك طبقة تدفع ثمن الدفاع عن الوطن، وطبقة أخرى تتمتع بحصانة تجعلها فوق كل مُساءلة.

إن أخطر ما يصيب الدول ليس اختراق الحدود، بل اختراق مفهوم العدالة. فالحدود يمكن إعادة تحريرها، أمّا العدالة إذا فقدت مصداقيتها، فإن استعادتها تحتاج إلى سنوات طويلة. ولذلك فإن الانتقائية في تطبيق القانون ليست مجرّد خلل إداري، بل هي تهديد مباشر للعقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة.

لقد علّمتنا التجارب أن الدول لا تنهار يوم تدخلها الجيوش الأجنبية، وإنما يوم يفقد المواطن ثقته بأن القانون يحمي الجميع بالقدر نفسه. وعندما يشعر الناس بأن المال والنفوذ يصنعان حصانة غير مكتوبة، بينما يبقى المواطن العادي عرضة لكل أنواع الملاحقة، فإن فكرة الدولة نفسها تبدأ بالتآكل.

لهذا فإن المطلوب ليس إصدار أحكام إعلامية ولا تنظيم محاكم شعبية، وإنما العودة إلى أبسط مبادئ دولة القانون. المطلوب أن تتحرك النيابة العامة من تلقاء نفسها، وأن تُفتح تحقيقات قانونية شفّافة، وأن يحدد القضاء، لا الإعلام ولا السياسة، ما إذا كانت الأفعال المنسوبة تشكّل مخالفة للقوانين اللبنانية أم لا. فإذا انتهى التحقيق إلى عدم وجود أي مخالفة، فليعلن ذلك بأسبابه القانونية. أمّا دفن الملف بالصمت، فهو بحد ذاته إدانة لأداء المؤسسات.

هنا لا يعود السؤال: ماذا فعل أنطوان صحناوي، بل ماذا فعلت السلطة، ولماذا اختارت الصمت، وأي رسالة توجّهها إلى اللبنانيين عندما يبدو أن العدالة تتحرك بسرعة البرق ضد الرأي، لكنها تتباطأ إلى حدّ السكون عندما يتعلق الأمر بأصحاب الامتيازات... ولنتذكّر أن هذه السلطة الصامتة على المجرم المُطبِّع سارق الودائع سبق أن اتخذت قرارات اعتبرت مقاومي الاحتلال الإسرائيلي عبارة عن مجرمين.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد