بعثة الصندوق تختتم جولتها: رضا وتهنئة للحكومة... مع تحذيرات

post-img

علي نور الدين (صحيفة المدن)

اختتمت بعثة صندوق النقد الدولي أمسٍ الجمعة جولتها في بيروت، بعد أربعة أيّام حافلة بالمناقشات المكثّفة، والتي تركّزت على ملفّات عديدة أبرزها مشروع قانون الفجوة الماليّة والإطار المالي المتوسّط الأجل. بيان رئاسة مجلس الوزراء، كان واضحاً في الحديث عن تلقّي الحكومة التهنئة بإقرار قانون إصلاح المصارف، فضلاً عن التقدّم المحرز في إعداد الإطار المالي المتوسّط الأجل. وهذا ما أشار إلى رضا الصندوق عن الصيغة النهائيّة للقانون، كما بالنسبة إلى مسار التخطيط للماليّة العامّة للسنوات الخمس المقبلة. غير أنّ بيان الصندوق الختامي، الذي أكّد ما ذكرته رئاسة مجلس الوزراء، تضمّن في الوقت نفسه تحذيرات واضحة، لجهة ضرورة الحفاظ على الانضباط المالي على المدى القصير.

تقدّم في تنفيذ الإصلاحات

البيان الختامي، الذي صدر فجر اليوم (مساء أمس بتوقيت واشنطن)، أعاد الإشادة بحفاظ السلطات اللبنانيّة على الاستقرار الاقتصادي الكلّي، رغم الظروف الصعبة والخسائر التي ألحقتها الحرب والتطوّرات الأمنيّة الإقليميّة. وبهذا الشكل، ألمحت البعثة ضمناً إلى حفاظ الميزانيّة العامّة على توازنها خلال فترة الحرب، رغم ارتفاع حجم النفقات الطارئة، وتراجع مستوى الإيرادات المحقّقة. وهذا ما سمح بالحفاظ، في الوقت نفسه، على الاستقرار النقدي.

كما أشارت البعثة إلى التعديلات التي أقرّها البرلمان، على قانون إصلاح أوضاع المصارف، وهو ما يُعد "خطوة مهمّة إلى الأمام في تعزيز استراتيجيّة إعادة هيكلة القطاع". مع الإشارة إلى أنّ البعثة اعتبرت أن التعديلات "تتواءم مع أفضل الممارسات الدولية، وتوفّر إطاراً فعالاً ومنظماً للتسوية والتصفية (في القطاع المصرفي)، ما سيخدم جيداً مسار معالجة أزمة القطاع المصرفي".

غير أن البعثة عادت وشدّدت على أهميّة "استكمال أجندة إصلاح القطاع، عبر العمل على مواءمة مشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع (مشروع قانون الفجوة الماليّة) مع المعايير الدولية، بما يزيد من الحماية الممنوحة للمودعين ويضمن في الوقت نفسه الاتساق مع الاستدامة المالية والنقدية". وبذلك، عادت البعثة لتؤكّد على ملاحظاتها السابقة بالنسبة لمشروع القانون، وأبرزها احترام تراتبيّة الحقوق والمطالب، أي التدرّج في توزيع الخسائر ابتداءً من المساهمين في الدرجة الأولى. باختصار، ترى البعثة أنّه من الضروري "عدم تحميل المودعين أي خسائر، قبل المساهمين والدائنين الأقل مرتبة".

وفي إطار الإشادة أيضاً، ذكرت البعثة حفاظ السلطات اللبنانيّة على "التنفيذ الصارم للموازنة"، أي التقيّد بأهداف الجباية وسقوف الإنفاق. كما رحّبت بالإجراءات التي نصّت عليها موازنة العام 2027، والتي تستهدف "تحقيق التوازن وضمان الامتثال الضريبي"، في إشارة إلى البنود التي تحاول الحد من التهرّب الضريبي. 

كما لفتت البعثة إلى التقدّم الذي أحرزته مع السلطات اللبنانيّة، في وضع الإطار المالي المتوسّط الأجل، أي خطّة الجباية والإنفاق للسنوات المقبلة. غير أنّ البعثة عادت وذكّرت بوجود "عمل إضافي مطلوب" لتحديد الأولويّات على هذا المستوى، بما في ذلك تسلسل الإجراءات الماليّة ودمج احتياجات الإنفاق الرأسمالي والاجتماعي بشكلٍ مناسب. وهذا ما سيتيح حيّزاً للإنفاق الضروري على إعادة الإعمار والحماية الاجتماعيّة.

تركيز على الانضباط المالي

في مقابل هذه الإشادات، تضمّن بيان البعثة بعض التحذيرات المرتبطة بالإجراءات الماليّة المتخذة على المدى القصير. فالبعثة لحظت أن مشروع قانون زيادة الضريبة على القيمة المضافة، لغاية 12 بالمئة، لم يُقر بعد. مع الإشارة إلى أنّ الحكومة أحالت هذا المشروع سابقاً إلى البرلمان، بهدف تمويل زيادات رواتب ومعاشات التقاعد في القطاع العام. 

وبهذا الشكل، تضمّنت موازنة العام 2027 هذه الزيادة في نفقات الرواتب ومعاشات التقاعد، من دون أن تحقق الميزانيّة العامّة الإيرادات المُخطط لها من الضريبة على القيمة المضافة. ولذلك، حذّرت البعثة من إجراء المزيد من التعديلات الاستثنائية على الرواتب والمعاشات التقاعدية، من دون تأمين الإيرادات المطلوبة، كما أوصت بألا يُنظر في أي من هذه الإجراءات إلا ضمن إطار مالي شامل.

ولذلك، شجّعت البعثة السلطة التشريعيّة على إقرار الزيادة المقترحة في مشروع قانون زيادة الضريبة على القيمة المضافة، بهدف تأمين التمويل المطلوب لزيادات الرواتب ومعاشات التقاعد. وعلى مستوى الإجراءات الماليّة القصيرة الأجل أيضاً، شجعت البعثة على تسجيل جميع النفقات الممولة من الخارج بشكلٍ شامل، ضمن موازنة 2027، في إشارة إلى القروض والمنح الدوليّة التي لا تلحظ بعضها في الموازنة. كما أوصت البعثة بإفساح المجال للإنفاق الاستثماري، الذي لا يحظى حالياً إلا بحصّة متواضعة ضمن موازنة 2027.

في النتيجة، ستتجه الأنظار خلال الفترة المقبلة لمناقشات مشروع قانون الفجوة الماليّة، أمام لجنة المال والموازنة، بعدما أكّد رئيس الحكومة تحت قبّة البرلمان أنّ حكومته لن تسحب مشروع القانون من مجلس النوّاب. ومن المفترض أن تتطرّق المناقشات لأبرز النقاط العالقة بين صندوق النقد والحكومة ومصرف لبنان، وأبرزها تراتبيّة توزيع الخسائر، وجدولة السداد للمودعين خلال السنوات المقبلة، بالإضافة إلى حصّة الدولة من خسائر المصرف المركزي. أمّا إعداد الإطار المالي المتوسّط الأجل، فسيكون مساراً أقل تعقيداً، خصوصاً أن النقاشات المتصلة به ستبقى محصورة بين الصندوق ووزارة الماليّة، قبل طرحه كخطة حكوميّة على طاولة مجلس الوزراء. 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد