زينب حمود (صحيفة الأخبار)
في وقت يشكّل فيه الإحصاء الخطوة الأولى لتحديد احتياجات النازحين، وبدونه لا إغاثة ولا من يحزنون، تكشف الأرقام القليلة المتوافرة حجم الفجوة في التعامل مع النازحين من ذوي الإعاقة. فبحسب تقرير وزارة الشؤون الاجتماعية الصادر في 16 نيسان، يبلغ عدد النازحين الحاملين بطاقات إعاقة 28,754 شخصاً، فيما لم يتجاوز عددهم في مراكز الإيواء، حتى 14 نيسان، 2,867 شخصاً.
غير أن هذه الأرقام تبقى جزئية. فالتقديرات العالمية المُعتمدة، التي تفيد بأن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة تبلغ نحو 15 في المئة من السكان، تشير إلى احتمال وجود ما يقارب 157 ألف نازح من ذوي الإعاقة من أصل أكثر من مليون نازح مُسجّل ذاتياً. وبين الأرقام الرسمية العشوائية وتقديرات المنظّمات والجمعيات المحدودة جغرافياً، تغيب أي قاعدة بيانات شاملة ومُحدّثة حول النازحين من ذوي الإعاقة. وهو ما يؤكد، بوضوح لا لبس فيه، أن هذه الفئة، كما كانت دائماً، وكما هي حال النازحين عموماً، خارج حسابات الدولة.
والنزوح، وإن كان قاسياً على الجميع، يتحوّل إلى معاناة مضاعفة لدى الأشخاص ذوي الإعاقة. فـ«حياتنا في الأساس صعبة، وبالحرب والنزوح لا تعود تُطاق»، تقول سكينة ضاحي، من ذوي الإعاقة الحركية. وتشرح كيف تبدأ المعاناة منذ اللحظة الأولى للعدوان، مع أصوات مرعبة تُسمع من دون القدرة على الهرب: «يصبح الانتظار خياراً وحيداً: إمّا أن يأتي من يُجلينا... أو الموت». وعلى طريق الجنوب المكتظ، حيث اختبر الجميع مشقّة النزوح، «كانت معاناتنا مضاعفة مئات المرات، مع صعوبة مغادرة السيارة أو حتى الوصول إلى مرحاض. خلال رحلة استغرقت أكثر من 13 ساعة، وعندما وصلت إلى مكان النزوح كنت عاجزة عن تحريك جسدي ليومين متتاليين». لكنّ الوصول إلى مكان آمن نسبياً لم يكن نهاية الرحلة، بل بداية معاناة أخرى لا تزال مستمرة حتى اليوم.
مراكز إيواء غير مُهيّأة
في مراكز النزوح، تُظهِر الزيارات الميدانية وتقارير الجمعيات فشلاً واسعاً في توفير بيئة مُيسّرة وآمنة وكريمة للأشخاص ذوي الإعاقة. فقد بيّن تقييم سريع لإمكانية الوصول أجراه «الاتحاد اللبناني للأشخاص المُعوّقين حركياً» في 77 مركزاً أن 14 في المئة منها فقط كانت مُيسّرة بالكامل. ويتمثّل أبرز العوائق في «المرافق الصحية غير المُهيأة، وغياب المصاعد العاملة، وسوء ترتيبات النوم، وضعف إعطاء الأولوية للمساكن المُيسّرة أو الواقعة في الطوابق الأرضية».
هذا الواقع يدفع كثيرين إلى تجنّب مراكز الإيواء أصلاً. «حرّمت أذهب على مركز»، يقول أمين حجازي، النازح من عيترون، وهو مُصاب بشلل رباعي. يستعيد تجربة نزوح «مسيئة» خلال الحرب الماضية، حين «بقيت 45 يوماً في الفراش من دون أن أستحمّ، مكتفياً بغسل رأسي وأنا في السرير». اليوم، اضطر أمين إلى استئجار منزل في الضاحية الجنوبية، رغم ظروفه المادية الصعبة، بعدما خسر كل شيء في بلدته عيترون: منزله المُجهّز بالكامل، وثلاثة منازل كان يؤجّرها، إضافة إلى دكانه.
ولا تقتصر الإشكاليات على العوائق المادية داخل مراكز النزوح، بل تمتد إلى ممارسات إدارية ساهمت في تكريس إقصاء الأشخاص ذوي الإعاقة. فقد جرى توثيق حالات رُفض فيها استقبال أشخاص من ذوي الإعاقة، ولا سيما ذوي الإعاقات الذهنية، في ظل محدودية وعي القائمين على إدارة المراكز وقدرتهم على التعامل مع هذه الحالات. وتكتسب هذه المسألة خطورتها بالنظر إلى حجم هذه الفئة، إذ تُظهِر بيانات تقييم أجرته منظّمة الصحة العالمية أن عدد النازحين من ذوي الإعاقات الذهنية في مراكز الإيواء بلغ 760 شخصاً، في المرتبة الثانية بعد ذوي الإعاقات الحركية، وعددهم 1300، مقابل 419 من ذوي الإعاقات السمعية و388 من ذوي الإعاقات البصرية.
خارج مراكز الإيواء أيضاً
ولا يبدو النزوح خارج مراكز الإيواء خياراً سهلاً بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، بل يحمل تحدّيات من نوع آخر. ويشير تقرير صدر في أيار الماضي عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول «النزوح، الإعاقة والنوع الاجتماعي في أزمة لبنان 2026»، إلى انتقال العديد من النازحين المعوّقين إلى مساكن غير مُجهّزة، حيث «يواجهون عوائق كبيرة تتعلق بالتنقل، والرعاية الصحية، والأجهزة المساعدة، إضافة إلى انقطاع الكهرباء وصعوبات التواصل والنقل والحصول على الخدمات الأساسية».
وتعكس تجربة سكينة ضاحي هذا الواقع بوضوح. فقد اضطرت إلى مغادرة منزلها في برج رحّال، الذي «شيّده والدي بما يناسب وضعي ووضع أخي الذي يعاني أيضاً من إعاقة حركية»، إلى منزل استضافة لدى أحد الأقارب. سرعان ما تحوّل المنزل إلى مساحة مليئة بالعوائق: مرحاض لا يتسع للكرسي المتحرّك، ومصعد ضيّق يحرمها من الخروج من المنزل.
وبينما يتحوّل العثور على منزل للإيجار، أو حتى خيار الاستضافة، إلى «ترف» لا يقدر عليه كثيرون، ولا تُعدّ مراكز الإيواء خياراً مقبولاً، يجد عدد من الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم مضطرين إلى البقاء في مناطق تُصنّف خطرة. «الموت أفضل من الذل»، يقول جهاد خليل، الذي رفض مغادرة بلدته معركة في الجنوب طوال فترة الحرب، رغم تدهور الأوضاع الأمنية. ويشير إلى أنه تلقّى عروضاً للانتقال إلى مراكز إيواء، لكنه خاض تجربة سابقة خلال حرب الـ66 يوماً انتهت بعودته إلى منزله في اليوم نفسه، بعدما تنقّل بين ثلاثة مراكز بحثاً عن مكان مناسب.
الأولويات: مأوى وطعام
وتُظهِر مختلف التقييمات السريعة أن المساعدات المالية والغذاء يتصدّران قائمة الأولويات المتكررة للأشخاص ذوي الإعاقة في حالات النزوح. وتكتسب المساعدات النقدية أهمية خاصة نظراً إلى تفاوت النفقات المرتبطة بالإعاقة واتساعها، بما يتجاوز في كثير من الأحيان نطاق حزم المساعدات الإنسانية القياسية.
وتشمل الاحتياجات المُبلّغ عنها الأجهزة المساعدة، وصيانة أجهزة السمع، ومستلزمات فغر القولون، وأدوات النظافة المُكيّفة، والتغذية المتخصّصة، والنقل، والدعم في التواصل، والأدوية، إضافة إلى أدوات منزلية مُهيّأة.
وحين يُسأل أي نازح من ذوي الإعاقة اليوم عن احتياجاته، يتجاوز مطالب تتعلق بحقه في بيئة دامجة، كالنقل والتعليم والعمل، ليقتصر جوابه على الحد الأدنى: مأوى كريم وتأمين الطعام.
اليوم، يترقّب النازحون من ذوي الإعاقة ما إذا كانت وزارة الشؤون الاجتماعية ستفي بوعودها التي «سمعناها عالتلفزيون»، كما يقولون، بشأن تأمين بدلات إيواء للنازحين، مع تخصيص ذوي الإعاقة ببرامج دعم إضافية.
إلا أن الواقع لا يزال محصوراً في إطار الوعود. فحتى بطاقات «أمان» وبرنامج دعم الأسر الأكثر فقراً لا تزال محجوبة عن عدد كبير من النازحين من ذوي الإعاقة، الذين يواجهون أصلاً أعباء صحية دائمة وصعوبات حادّة في الحصول على فرص عمل، خصوصاً بعد فقدان مصادر رزقهم نتيجة العدوان الإسرائيلي.
وفي بلد يغيب فيه الإحصاء الدقيق، ويصعب فيه الوصول إلى مأوى مُهيّأ، وتتعثر فيه المساعدات، تصبح الإعاقة عبئاً إضافياً على نزوح هو في الأصل عبء. أمّا السؤال الذي يختصر كل ذلك، فيبقى على ألسنة النازحين أنفسهم: «إذا كنا نحن لا نستحق المساعدة، فمن يستحقها؟».
النازحات المُعوّقات: تمييز مُضاعف
تواجه النساء والفتيات ذوات الإعاقة أشكالاً مُركّبة من التمييز تتفاقم في سياق النزوح، حيث تتقاطع الإعاقة مع النوع الاجتماعي ليضاعف كلُّ ذلك مخاطر الاستغلال والعنف ويحدّ من فرص الوصول إلى الخدمات والحماية.
ويكشف تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول «النزوح، الإعاقة والنوع الاجتماعي في أزمة لبنان 2026»، أن «فقدان البيئات المُيسّرة وشبكات الدعم والأجهزة المساعدة والروتين اليومي يؤدّي إلى زيادة تعرّضهن للعنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والإيذاء، بالتوازي مع تراجع فرص الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وآليات الحماية وأنظمة الشكاوى». ويلفت التقرير أيضاً إلى أن «تدبير النظافة أثناء الدورة الشهرية لا يزال غير مُعالج بشكل كافٍ، ولا سيما لدى النساء والفتيات ذوات الإعاقات الجسدية أو الذهنية أو المتعدّدة».