حكومة إصلاح أم إعادة تدوير المتّهمين بالفساد؟

post-img

ندى أيوب (صحيفة الأخبار)

عندما أصرّ رئيسا الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام على تعيين غراسيا القزي مديراً عاماً للجمارك، رغم ملاحقتها قضائياً في ملفات تتعلّق بشبهات تقاضي الرشوة وتبييض الأموال، إضافة إلى ارتباط اسمها بملف انفجار مرفأ بيروت، فتحا، من خلال هذا القرار الذي وُصف بـ«التعيين الوقح»، الباب أمام إعادة تعويم موظفين عموميين آخرين يواجهون ملاحقات قضائية مرتبطة بأدائهم الوظيفي داخل الإدارة العامة. ومن بين هؤلاء أيمن عبد الغفور، المُتّهم بالإثراء غير المشروع وتقاضي الرشى خلال عمله في هيئة إدارة السير والآليات والمركبات («النافعة»)، والذي قرّر محافظ بيروت القاضي مروان عبود، بصفته مديراً عاماً للهيئة، تعيينه رئيساً للدائرة المالية فيها، قبل أن يتدخّل وزير الداخلية أحمد الحجار ويطلب التراجع عن القرار.

بالطبع، ليس هذا المسار جديداً. ففي مطلع عام 2024، أعادت حكومة الرئيس السابق نجيب ميقاتي موظفي السجلّات العقارية إلى وظائفهم، بل ذهبت أبعد من ذلك، إذ قيل يومها إنها قدّمت لهم ضمانات بـ«تنييم» الملف القضائي المرتبط بـ«العقارية»، والذي أوقفوا بموجبه بتهم تتعلّق بتقاضي الرشى والإثراء غير المشروع واستغلال الوظيفة العامة، وذلك بهدف تشجيعهم على العودة إلى العمل.

في كل ما سبق، لا توجد مخالفة قانونية صريحة، إذ يجيز نظام الموظفين إعادة الموظف إلى عمله فور إخلاء سبيله بعد انتهاء مدة توقيفه الاحتياطي، ما دام الحكم النهائي في قضيته لم يصدر بعد. لكن، في كل مرة تقرّر فيها السلطة إعادة موظفين متهمين بملفات فساد إلى الإدارة العامة، يتجدّد نقاش مشروع يتمحور حول معادلة شائكة: من جهة، حقّ الموظف غير المحكوم عليه بالعودة إلى عمله وتقاضي راتبه كاملاً، مع إمكان اتخاذ بعض التدابير الاحترازية في حقّه، كمنعه من التصرّف بأمواله المنقولة وغير المنقولة، ومن جهة أخرى، الخشية الجدّية من أن تؤدّي إعادة موظف مشتبه بتورّطه في ملفات فساد إلى مركز عمله إلى منحه فرصة جديدة للإضرار بالمرفق العام والأموال العمومية.

ومنذ مطلع عام 2024، فرض هذا النقاش نفسه على الساحة العامة، مولّداً سجالات متكرّرة وتبادل اتهامات بين المُتّهمين والسلطة والرأي العام، الذي يميل في غالبيته إلى رفض إعادة منح الثقة لموظفين مُتّهمين بالفساد، ولا سيما عندما يتعلّق الأمر بإدارة الأموال العامة. وفي المحصّلة، تبيّن أن فتح ملفات «المغاور» العامة، مثل «النافعة» و«العقارية»، أو المؤسسات الخاصة التي تمتلك الدولة حصصاً فيها، مثل «كازينو لبنان»، تحت شعار «الإصلاح»، لم يؤدِّ بالضرورة إلى إدارة أفضل للمال العام، بل انتهى إلى إنتاج واقع أكثر تعقيداً مما كانت عليه أوضاع هذه المرافق، من دون أي ضمانة فعلية بأن الهدر أو الفساد قد توقّفا.

ففي الوقت الذي تعود فيه قزي إلى مديرية الجمارك، ويعود موظفو السجلّات العقارية، من أمناء السجلّ وصولاً إلى أدنى المراتب الوظيفية، إلى دوائرهم، كما يعود موظفو «النافعة» إلى الهيئة، باستثناء بعض الموظفين الكبار، مثل هدى سلوم وأيمن عبد الغفور ــ الذي أوقف وزير الداخلية أحمد الحجار قرار تعيينه بعد الضجة الإعلامية التي أثارها الخبر - تعود أيضاً منصة «BetArabia» بقوة إلى تشغيل القمار الإلكتروني والمراهنات الرياضية في «كازينو لبنان»، وتغرق البلاد بإعلاناتها بالتزامن مع مباريات كأس العالم. ويحصل ذلك رغم أن شركة «كازينو لبنان»، التي تملك الدولة حصة فيها، وشركة «OSS» المُشغِّلة للقمار الإلكتروني، تواجهان ملاحقات قضائية بتهم هدر ملايين الدولارات من المال العام. إلا أن انتهاء مدة التوقيف الاحتياطي للمُدّعى عليهم وعدم صدور أحكام نهائية في هذه الملفات، يتيح قانوناً للشركتين مواصلة تشغيل أنشطة القمار الإلكتروني. ووحده رئيس مجلس إدارة الكازينو رولان خوري لم يُعَدْ إلى منصبه بعد إخلاء سبيله لأسباب سياسية وكيدية، ترتبط أساساً بعدم رضى ساكن القصر الجمهوري وفريقه عنه.

وفي الواقع، تعود كل هذه الملفات إلى العقدة المشتركة نفسها: عدم صدور الأحكام القضائية النهائية عن محكمة الجنايات، وهو ما يساهم في تكريس هذا الواقع الفوضوي. وإذا كان ملف «الكازينو» لم يشهد بعد تأخيراً يُذكر، باعتبار أن التقارير التقنية المطلوبة وصلت قبل شهر فقط إلى الهيئة الاتهامية في جبل لبنان، التي يُفترض أن تصدر قرارها قبل إحالة الملف إلى محكمة الجنايات، فإن ملفَّي «النافعة» و«العقارية» مضى على إحالتهما إلى محكمة الجنايات نحو عامين من دون صدور أي حكم. وفي هذه الأثناء، يجد الجميع أنفسهم في وضع مُلتبس: فإذا كان الموظفون متورّطين بالفعل، فهم عادوا إلى مواقعهم الوظيفية واستعادوا قدرتهم على التأثير داخل الإدارات العامة، أمّا إذا كانوا أبرياء، فهم لا يزالون يتحمّلون تبعات إجراءات احترازية ومالية تنعكس مباشرة على حياتهم ومعيشتهم.

ويوضح مصدر قانوني لـ«الأخبار» أن نظام الموظفين في لبنان يقوم أساساً على مبدأ تحقيق التوازن بين مقتضيات حماية المرفق العام من جهة، وضمان حقوق الموظف وقرينة البراءة من جهة أخرى. وقد أجاز القانون وقف الموظف عن العمل أو كفّ يده عند ملاحقته جزائياً أو إحالته إلى المجلس التأديبي، كما نظّم الآثار المالية المترتّبة على ذلك عبر حصر راتبه بنصف الراتب خلال فترة التوقيف الاحتياطي، «غير أن الإشكالية تظهر عندما يُوقَف الموظف احتياطياً ثم يُخلى سبيله من دون صدور حكم جزائي مُبرم أو قرار تأديبي بحقّه، فتبقى وضعيته الوظيفية مُعلّقة لسنوات نتيجة بطء الإجراءات القضائية».

ويضيف المصدر أن «التدابير الاحترازية المؤقّتة، كمنع التصرّف بالأموال وتجميد الحسابات المصرفية، تتحوّل في هذه الحالة إلى واقع دائم يتعارض مع الغاية التي شُرّعت من أجلها. فوقف الموظف عن العمل أو كفّ يده لم يُنشأ كعقوبة، بل كتدبير مؤقّت يهدف إلى حماية الإدارة إلى حين جلاء الحقيقة، وإلّا أصبح مساساً بقرينة البراءة التي يُفترض أن تلازم الموظف إلى حين صدور حكم قضائي مُبرم. وفي المقابل، فإن إعادة بعض الموظفين إلى أعمالهم، مع تجريد قسم منهم من صلاحياتهم بقرارات إدارية، والاستمرار في دفع رواتبهم لسنوات من دون الاستفادة الفعلية من خدماتهم، كلّ ذلك يطرح إشكالية أخرى تتصل بكفاءة المرفق العام والأعباء المالية التي تتحمّلها الدولة نتيجة استمرار هذا الوضع المُعلّق».

ويؤكّد المصدر أن «تأخّر القضاء لا يجوز أن يتحوّل إلى وسيلة لإبقاء مصير الموظفين رهينة الاعتبارات السياسية أو الإدارية، لأن استقرار الوظيفة العامة يقتضي حسم هذه الملفات خلال مهلة معقولة، سواء انتهت إلى البراءة أو إلى الإدانة. كما أن استمرار تعليق أوضاع الموظفين لسنوات يُضعِف هيبة الإدارة العامة ويعكس عجزها عن اتخاذ قرارات حاسمة. لذلك، هناك حاجة إلى إعادة النظر في الآليات التي تضمن الفصل السريع في الدعاوى الجزائية والتأديبية المتعلّقة بالموظفين العموميين، وكذلك في الملفات المرتبطة بالمال العام، كما هي الحال في قضية كازينو لبنان، بما يحقّق مصلحة الإدارة، ويصون حقوق الموظفين، ويحمي المال العام في آن».

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد