بئر حسن...الضاحية البديلة

post-img

نغم ربيع (صحيفة المدن)

بالنسبة إلى جمهور اعتاد منذ أكثر من ثلاثة عقود أن يربط عاشوراء بأماكن محددة في الضاحية الجنوبية لبيروت، بدا المشهد هذا العام خارج السياق المتداول. فالمجالس العاشورائية الكبرى التي شكّلت جزءاً من ذاكرة المكان في قلب الضاحية، انتقلت إلى بئر حسن، لتطوي بذلك صفحة طويلة ارتبطت بخيمة معوض لدى حركة أمل ومجمع سيد الشهداء لدى حزب الله.

في السنوات الماضية، كانت خريطة عاشوراء واضحة وثابتة تقريباً. خيمة معوض التي تحولت إلى عنوان أساسي لمجالس حركة أمل المركزية، ومجمع سيد الشهداء الذي احتضن لعقود إحياءات حزب الله. بين الموقعين تشكلت ذاكرة أجيال كاملة، عشرات آلاف المشاركين، مواكب العزاء التي تملأ الشوارع، أصوات الخطباء واللطميات، والمضافات المنتشرة على طول الأحياء، في مشهد كان يتكرر كل عام حتى بدا جزءاً من هوية الضاحية نفسها.

عاشوراء بعد الحرب

قبل أسابيع من حلول شهر محرم، كانت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تعكس حالة غير مألوفة من القلق والترقب والحنين. لم يكن الحديث يدور حول أسماء الخطباء أو تفاصيل البرامج العاشورائية كما جرت العادة، بل حول سؤال أكثر جوهرية: هل ستقام المجالس أساساً؟

ومع بدء شهر محرم، انتشرت عبارة "اللهم لا تحرمنا شهر محرم في الجنوب"، وشاعت على نطاق واسع بين من عاشوا الحرب المستمرة وخسروا منازلهم أو أقاربهم أو قراهم الحدودية. آخرون نشروا صوراً قديمة لخيمة معوض ومجمع سيد الشهداء وساحات عاشوراء التقليدية، كأنهم يستعيدون زمناً بدا فجأة بعيداً

في هذا المناخ، لم يعد السؤال متعلقاً بالمكان فقط. بالنسبة إلى كثيرين، تحولت عاشوراء هذا العام إلى مساحة للتعزية الجماعية واستعادة المعنى بعد أشهر طويلة من الحرب والخسارات. فالبيئة التي دخلت محرم وهي تحمل أثقال الدمار والشهداء والنزوح، وجدت في المناسبة ما يشبه محطة روحية لإعادة ترميم ما تصدع خلال الأشهر الماضية.

الخروج من الضاحية

اختلفت الصورة هذا العام. الحرب التي ضربت الضاحية والجنوب، لم تترك آثارها على الأبنية والطرقات فقط، بل طاولت أيضاً الأمكنة التي اعتادت احتضان المناسبات الدينية الكبرى. ومع تعذر إقامة المجالس في مواقعها التقليدية، انتقلت الأنظار إلى بئر حسن، حيث أقام حزب الله مجالسه المركزية في مرقد الأمين العام السابق للحزب، السيد حسن نصرالله، تحت شعار "الحسين نهجنا"، فيما اتخذت حركة أمل من منطقة بئر حسن مركزاً أساسياً لإحياء المناسبة تحت شعار "عهد لا ينكسر".

هكذا، وللمرة الأولى منذ عقود، خرجت عاشوراء المركزية من قلب الضاحية إلى تخومها.

يوضح رئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل، مصطفى فوعاني، لـ"المدن"، أن "الانتقال من خيمة معوض جاء نتيجة العدوان الإسرائيلي وما خلّفه من دمار واسع في البنية التحتية والخدمات الأساسية، ولا سيما شبكات الكهرباء والمياه. لذلك كان لا بد من اختيار مكان مجهّز وأكثر أماناً لاستضافة المجالس العاشورائية، خصوصاً أن قرار إقامة عاشوراء في بئر حسن اتُّخذ في وقت لم يكن فيه العدوان على الضاحية قد توقف بعد".

ويضيف: "إخواننا في حزب الله انتقلوا أيضاً إلى بئر حسن للأسباب نفسها، ولا سيما أن المنطقة لم تتعرض للاستهدافات والاعتداءات الإسرائيلية التي طاولت الضاحية الجنوبية، وخصوصاً مناطق بئر العبد ومعوض وحارة حريك". ويؤكد فوعاني أن الانتقال لم يؤثر على المشاركة الشعبية، قائلاً: "الحضور في بئر حسن يوازي ما كان عليه في السنوات السابقة، وربما يفوقه".

بئر حسن... المركز الجديد

مع الإعلان عن إقامة المجالس المركزية في بئر حسن، بدأت المنطقة تكتسب تدريجياً ملامح عاشورائية لم تعهدها بهذا الحجم من قبل.

رايات سوداء وحمراء ترفرف على الطرقات، وتُنقل صورها في مواقع التواصل الإجتماعي. لافتات تحمل شعارات مرتبطة بعاشوراء والحسين، مواكب بشرية تتقاطر يومياً نحو المجالس. أما محيط مرقد السيد حسن نصرالله، فتحوّل إلى نقطة استقطاب لآلاف من المشاركين.

في المكان، لا يبدو الحضور مجرد مشاركة في مناسبة دينية. ثمة بُعد إضافي يفرض نفسه بقوة. فالمجلس المقام قرب ضريح الرجل الذي قاد الحزب لعقود طويلة، يمنح المناسبة حمولة وجدانية وسياسية مضاعفة، خصوصاً في أول عاشوراء تأتي بعد الحرب وما رافقها من تحولات كبرى داخل بيئة المقاومة.

الضاحية تستعيد نبضها

ورغم انتقال المجالس المركزية، لم تغب عاشوراء عن الضاحية الجنوبية. في الشوارع التي عاد إليها سكانها تدريجياً بعد أشهر من النزوح، عادت المضافات إلى العمل. انتشرت الرايات على الشرفات والمباني، وفتحت المجالس المحلية أبوابها أمام الأهالي. في كثير من الأحياء، بدا المشهد وكأنه محاولة جماعية لاستعادة الحياة الطبيعية، ولو جزئياً.

بين أكواب القهوة المرة وأطباق الهريسة وغيرها من أصناف الطعام التي توزع مجاناً على المارة، تختلط الأحاديث عن الحرب بالحديث عن المجالس والشهداء والعودة إلى المنازل. 

مرآة التحولات

في تغيير الأمكنة، تبدو عاشوراء هذا العام مرآة واضحة للتحولات التي فرضتها الحرب على المكان والناس معاً. تبدلت الجغرافيا، وانتقلت المجالس، وتغيرت الساحات التي اعتادت استقبال الحشود. لكن الحشود نفسها ما زالت تتدفق كل مساء، حاملة معها ذاكرة الجنوب والضاحية والحرب والشهداء. ولعل أكثر ما تختصره عاشوراء هذا العام أن الأمكنة قد تتغير، لكن الفعاليات التي تراكمت عبر عقود تبقى قادرة على إيجاد فضائها الجديد. 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد