حربٌ بلا مكاسب: بين الميدان والسياسة تعثّر الأهداف «الإسرائيلية» في لبنان

post-img

ملاك عطوي (صحيفة البناء)

مرةً جديدة، تعود الحرب إلى الواجهة في لبنان، حاملةً معها مشهداً مألوفاً من التصعيد العسكري، والدمار، والتوتر الإقليمي. غير أنّ اللافت في هذا المشهد المتكرر، هو عجز “إسرائيل” المستمرّ عن تحقيق أهدافها المعلنة، رغم مرور سنوات على محاولاتها المتعددة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.

على الصعيد العسكري، تشير الوقائع إلى أنّ ما يقارب ثلاث سنوات من المواجهة لم تُفضِ إلى أيّ إنجاز استراتيجي حاسم. فباستثناء الدمار الذي خلّفته العمليات العسكرية، لم تتمكّن “إسرائيل” من فرض واقع جديد أو كسر معادلة الردع القائمة. بل على العكس، أظهرت التطورات الميدانية قدرة الأطراف المقابلة على الصمود، وإعادة تنظيم صفوفها، والاستمرار في فرض توازن يحدّ من اندفاعة القوة العسكرية الإسرائيلية.

هذا التعثّر العسكري ينعكس بدوره على المشهد السياسي، حيث تروّج “إسرائيل” منذ سنوات لفكرة “شرق أوسط جديد”، قائم على تحوّلات جيوسياسية واسعة، من ضمنها توسيع نفوذها وترسيخ واقع استيطاني أكثر عمقاً. إلا أنّ هذه الطموحات تبدو حتى الآن أقرب إلى مشروع متعثر، يواجه تحديات داخلية وخارجية، ويصطدم بواقع ميداني لا يسمح بفرض حلول أحادية الجانب. ففكرة “الولادة الجديدة” للمنطقة لا تزال، حتى اللحظة، ولادةً معسّرة لم تتوافر لها شروط النجاح.

وفي سياق متصل، يبرز التوتر المرتبط بالاتفاقات الدولية، لا سيما تلك المتعلقة بإيران والولايات المتحدة، كعامل إضافي يزيد من تعقيد المشهد. فقد أظهرت المواقف الإسرائيلية الأخيرة حالة من الانزعاج الواضح تجاه أيّ تقارب أو تفاهم قد يعيد ترتيب الأولويات في المنطقة، بما لا يتوافق مع حساباتها الاستراتيجية. ويعكس هذا الانزعاج خشية من تغيّر موازين القوى، أو من تقليص هامش المناورة السياسية والعسكرية الذي سعت “إسرائيل” إلى توسيعه في السنوات الأخيرة.

أما على الأرض اللبنانية، فلا يزال ملف الانسحاب من الجنوب يشكّل نقطة توتر أساسية. إذ تتمسك “إسرائيل” بمواقفها، رافضةً أيّ انسحاب كامل، في ظلّ حسابات أمنية معقّدة، ورغبة في الاحتفاظ بأوراق ضغط ميدانية. في المقابل، يظلّ هذا الوجود موضع رفض داخلي، ويُنظر إليه كعامل إضافي يهدّد الاستقرار، ويُبقي احتمالات التصعيد قائمة في أيّ لحظة.

في المحصلة، تبدو الصورة العامة لصراعٍ مفتوح، تتكرّر فيه جولات المواجهة دون حسم، وتتراكم فيه الخسائر من دون تحقيق مكاسب واضحة. وبين الميدان والسياسة، يبرز عامل أساسي يعيد تشكيل هذا المشهد، يتمثل في وجود قوى مقاومة قادرة على الصمود والتأثير في مجريات الصراع، ما يجعل أيّ حديث عن حسم نهائي أو فرض وقائع جديدة أمراً بالغ التعقيد، ويؤكد أنّ مسار هذا النزاع سيبقى مفتوحاً على احتمالات متعدّدة…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد