اختبارات الساحة اللبنانية في التفاهم الأميركي الإيراني

post-img

هادي تقي (صحيفة الأخبار)

بينما انشغلت معظم القراءات بمصير البرنامج النووي الإيراني أو بمستقبل العقوبات والتوازنات الإقليمية الكبرى، برز البند اللبناني بوصفه أحد أكثر جوانب مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية إثارة للاهتمام. تكمن أهمية الإنجاز الإيراني في أنه رفض منذ البداية مقاربة فصل الجبهات أو معالجة كل ساحة على حدة. فبالنسبة إلى طهران، لم تكن الحرب مجموعة ملفات منفصلة يمكن تسويتها تباعاً، بل مواجهة مترابطة يجب أن تنتهي بصورة شاملة.

ومن هذا المنطلق، أصرت إيران على إدراج لبنان في صلب المذكرة، وربطت ، وفق تفسيرها المعلن للمذكرة، نجاح الاتفاق النهائي بمسائل السيادة اللبنانية وسلامة الأراضي ووقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، لتصبح الساحة اللبنانية أحد معايير نجاح التفاهم النهائي أو فشله. وبذلك انتقل الملف اللبناني من مستوى المطالب السياسية إلى مستوى الالتزامات المعلنة. لكن ذلك لا يعني انتهاء الصراع على الساحة اللبنانية، بل انتقاله إلى مرحلة مختلفة. فالمذكرة لم تنه هذا الصراع بقدر ما أعادت تعريف حدوده. بالتالي، يبدأ الاختبار الحقيقي من سؤال واحد: هل يستطيع البند اللبناني أن ينتج ما وُضع من أجله؟

هنا تبدأ اختبارات الساحة اللبنانية.

أولاً: من التفاوض إلى التنفيذ

إن إدراج لبنان في المذكرة يستحضر السؤال الأهم: من سيحوّل هذا البند إلى واقع ميداني؟ فالسيادة والانسحاب ليسا مجرد مفاهيم تفاوضية، بل نتائج يفترض أن تُنتجها موازين القوى. ومن هذه الزاوية، ظهر البند اللبناني بوصفه انعكاساً لتوازن لم يتمكن أي طرف من حسمه بالكامل.

لقد نقلت إيران الملف اللبناني إلى طاولة التفاوض، وربطت ما يجري في الجنوب بمفهومها لإنهاء الحرب. أما حزب الله، فساهم في إبقاء الجبهة اللبنانية فاعلة ومنع تحويل الوجود العسكري الإسرائيلي إلى واقع منخفض الكلفة. وفي المقابل، ورغم ما حققته إسرائيل من مكاسب ميدانية مهمة، فإنها لم تنجح في إنتاج نهاية سياسية للجبهة اللبنانية أو في تحويل إنجازاتها العسكرية إلى استقرار دائم. أما الولايات المتحدة، فانتقلت إلى مقاربة تقوم على منع تحول لبنان إلى شرارة لانفجار إقليمي أوسع، من دون التخلي عن التزاماتها الأساسية تجاه إسرائيل.

لذلك ظهر البند اللبناني كتسجيل دبلوماسي لحقيقة ميدانية: الجبهة اللبنانية بقيت مفتوحة بما يكفي لعدم تجاهلها، ومضبوطة بما يكفي لعدم تفجير الاتفاق كله. لكن نجاح توازن القوى في فرض حضور لبنان داخل المذكرة لا يعني بالضرورة قدرته على فرض تنفيذ ما ورد فيها، إذ إن المذكرة لا تفرض الانسحاب بذاتها، بل تربط استمرار المسار التفاوضي بنتيجة تعتبرها طهران شرطاً لنجاحه، فيما يبقى الضغط الميداني قائماً ضمن حدود تحول دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ومن هنا تنبع الفرضية الأساسية للمذكرة: أن الجمع بين الضغط الدبلوماسي والضغط الميداني المحسوب قد يدفع في النهاية نحو إعادة حساب كلفة استمرار الوجود الإسرائيلي داخل لبنان.

فحتى الآن، لا يبدو أن أياً من الأطراف يمتلك القدرة على حسم هذه المرحلة منفرداً، وهنا تكمن السمة الأبرز للمرحلة الراهنة: إذ انتقل التنافس من معركة تثبيت البنود إلى معركة تفسيرها وفرض شروط تنفيذها. وفي كثير من النزاعات، لا تكون الاتفاقات نهاية الصراع بقدر ما تكون بداية مرحلة جديدة يدور فيها التنافس حول معنى الاتفاق وآليات تطبيقه وحدود الالتزام به، وهي معضلة رافقت العديد من اتفاقات إنهاء النزاعات عبر التاريخ.

ثانياً: بين النص والتنفيذ

إذا كانت المذكرة قد نجحت في إدراج لبنان ضمن معايير نجاح الاتفاق النهائي، فإن ذلك لا يعني وجود توافق بين الأطراف المعنية حول كيفية تنفيذ هذا البند أو حتى حول مضمونه العملي.

فعلى المستوى الخارجي، تبدو الولايات المتحدة معنية قبل كل شيء بمنع انهيار التفاهم ومنع عودة الحرب الشاملة إلى لبنان، حيث أوحت بعض المواقف الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة بوجود رغبة في احتواء مستويات معينة من التصعيد الإسرائيلي. لكن هذا لا يعني أن واشنطن تتبنى بالكامل القراءة الإيرانية للبند اللبناني، أو أنها مستعدة لمنع جميع أشكال النشاط العسكري الإسرائيلي. فمفهوم «الدفاع عن النفس» لطالما وفر لإسرائيل هامشاً واسعاً من حرية الحركة، ومن غير الواضح أن المرحلة الحالية تشكل استثناءً كاملاً لهذه القاعدة. بالمقابل، أظهرت التجربة أن أدوات الضغط الإيرانية لا تقتصر على المسار الدبلوماسي وحده. فقد تعاملت طهران مع بعض التطورات على الساحة اللبنانية باعتبارها جزءاً من معادلة الردع الإقليمية الأوسع، ما يعني أن حسابات تنفيذ البند اللبناني لا تنفصل بالكامل عن ميزان الردع القائم بين إيران وإسرائيل، وهو ميزان لم تُلغِه المذكرة بل أصبح جزءاً من البيئة الاستراتيجية التي ستتحدد ضمنها فرص تنفيذها.

أما داخلياً، فتواجه المذكرة إشكالية مختلفة. فالدولة اللبنانية تُعدّ المستفيد المباشر من أي انسحاب إسرائيلي محتمل، لكنها لا تتبنى بالضرورة المنطق الذي أنتج البند اللبناني نفسه. وهذا لا يلغي أن جزءاً من اللبنانيين ينظر إلى إدراج لبنان في تفاوض أميركي – إيراني بوصفه دليلاً إضافياً على غياب الدولة عن تقرير مصيرها، وعلى استمرار معالجة الملفات اللبنانية الكبرى خارج المؤسسات الرسمية اللبنانية. وبينما تركز أجزاء أساسية من السلطة على ملف سلاح حزب الله بوصفه أولوية سياسية وأمنية، تنطلق المقاربة الإيرانية ومقاربة المقاومة من اعتبار أن استمرار عناصر الضغط على إسرائيل هو الذي منح لبنان موقعه الحالي داخل التفاوض. في المقابل، تبرر إسرائيل استمرار عملياتها ووجودها العسكري باعتبارات أمنية، وبمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله عبر الحفاظ على منطقة عازلة تحول دون اقتراب التهديد من حدودها.

وهنا تبرز معضلة ترتيب الأولويات. فبينما تنظر الدولة إلى استعادة احتكارها للقوة بوصفها مدخلاً لاستعادة السيادة الكاملة، في المقابل، تقدم المقاومة الانسحاب الإسرائيلي بوصفه الاختبار الذي يجب، من وجهة نظرها، أن يسبق أي نقاش آخر. وبذلك، لا يتركز الخلاف على الهدف النهائي، بقدر ما يتركز على الطريق المؤدي إليه.

من هذه الزاوية، تبدو العقبة الأساسية أمام البند اللبناني في تعدد القراءات بين الأطراف المعنية بتنفيذه. فالولايات المتحدة تريد منع الحرب من دون تقييد إسرائيل بالكامل، والدولة اللبنانية تريد استعادة السيادة من خلال إعادة ترتيب التوازنات الداخلية، فيما ترى إيران والمقاومة أن هذه التوازنات نفسها هي التي منحت لبنان موقعه التفاوضي الحالي. وبين هذه المقاربات المختلفة تبدأ المرحلة الأصعب: مرحلة الانتقال من التفاهم السياسي إلى النتائج العملية.

ثالثاً: الاختبار الحقيقي

في نهاية المطاف، يمكن اختزال نجاح أو فشل البند اللبناني بسؤال واحد: هل ستنسحب إسرائيل؟

فمهما تعددت القراءات والتفسيرات، يبقى الانسحاب الإسرائيلي المعيار الأكثر وضوحاً والأقل قابلية للتأويل. والمقصود هنا ليس مجرد إعادة انتشار أو تخفيض لمستوى العمليات العسكرية، بل إنهاء الواقع الذي يُنظر إليه بوصفه خرقاً مستمراً للسيادة اللبنانية: الوجود العسكري داخل الأراضي اللبنانية، ومحاولات فرض مناطق أمنية بحكم الأمر الواقع، والتوغلات والاعتداءات التي تتحول إلى جزء دائم من المشهد الأمني. وهذا المعيار هو أيضاً الذي تبناه المسؤولون الإيرانيون عند تفسيرهم للبند اللبناني وربط نجاح الاتفاق النهائي به.

وفي هذا السياق، لا يبدو حزب الله متعاملاً مع الانسحاب الإسرائيلي بوصفه نتيجة يفترض انتظارها من المفاوضات وحدها. فالحزب يواصل، وفق ما يعلنه، استهداف القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية، انطلاقاً من مقاربة تقوم على رفع كلفة الوجود العسكري الإسرائيلي انطلاقاً من فرضية أن رفع الكلفة قد يدفع إسرائيل إلى إعادة حساب جدوى استمرار هذا الوجود. ولا يقتصر هذا الضغط على الساحة اللبنانية وحدها، بل تتأثر أيضاً بميزان الردع الأوسع بين إيران وإسرائيل، وهو ميزان لم تُلغِه المذكرة بقدر ما نقلت الجزء الأكبر من التنافس إلى المجال التفاوضي. وبذلك يصبح الضغط الميداني جزءاً من محاولة التأثير في شروط تنفيذ المذكرة، لا مجرد امتداد للمواجهة السابقة. وفي الوقت نفسه، يسعى الحزب سياسياً إلى تثبيت أولوية ملف الانسحاب في النقاش الداخلي اللبناني، انطلاقاً من اعتبار أن حسم مسألة الاحتلال يجب أن يسبق الانتقال إلى الملفات الخلافية الأخرى.

من هنا، لا يبدو أن الساحة اللبنانية وصلت إلى مرحلة النتائج بعد، بل إلى مرحلة الاختبار. فالاختبار الحقيقي ليس ما إذا كان لبنان قد أُدرج في المذكرة، بل ما إذا كان هذا الإدراج قادراً على إنتاج النتيجة التي وُضع من أجلها أساساً: انسحاب إسرائيلي فعلي ووقف الحرب.

خاتمة

لكن حتى لو تحقق الانسحاب، فإن ذلك لن يعني نهاية الملف اللبناني، بل بداية مرحلة جديدة.

فأول الأسئلة يتعلق بإعادة الإعمار. فمن سيمولها؟ وما هو الدور الإيراني الفعلي فيها؟ حتى الآن، لا تكشف التصريحات الإيرانية العلنية عن التزام مالي واضح. فقد اكتفى الناطق باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مقابلة مع جريدة «الأخبار» بتاريخ 18 حزيران 2026، بالحديث عن دعم الاستثمار وعودة لبنان إلى موقعه الاقتصادي الطبيعي بعد استعادة الاستقرار، من دون الإعلان عن برنامج تمويل مباشر لإعادة الإعمار. وفي المقابل، أكد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في أكثر من مناسبة بعد الحرب أن إعادة الإعمار هي مسؤولية الدولة اللبنانية بالدرجة الأولى، وأن دور الحزب يقتصر على المساندة والمساهمة ضمن إمكاناته. وهذا يعني أن نجاح المذكرة في إنهاء الاحتلال لا يجيب تلقائياً عن سؤال معالجة آثار الحرب.

وإلى جانب إعادة الإعمار، يبرز ملف آخر لم تُحسم ملامحه بعد، وهو ملف الأسرى والمعتقلين. فإذا كانت المذكرة قد نقلت الصراع من الحرب المفتوحة إلى التفاوض على شروط إنهائها، فهل يصبح هذا الملف جزءاً من استكمال التنفيذ؟ أم يبقى مؤجلاً إلى مرحلة لاحقة؟

لذلك، قد يكون الإنجاز الدبلوماسي الإيراني حقيقياً، وقد يكون إدراج لبنان في المذكرة مكسباً سياسياً مهماً. لكن قيمته النهائية لن تُقاس بما كُتب في النص، بل بما سينتجه على الأرض. فالساحة اللبنانية لم تنتقل من الحرب إلى النتائج، بل من الحرب إلى الاختبار. ويبقى الانسحاب الإسرائيلي الاختبار الأول للبند اللبناني. أما ما بعده، من إعادة إعمار وأسرى وترتيبات سياسية وأمنية، فاختبارات أخرى ستحدد ما إذا كانت المذكرة قد أنهت الحرب فعلاً، أم أنها اكتفت بتغيير شكلها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد