صحيفة الأخبار
لم يعد استهداف القطاع الصحي في لبنان حادثة عابرة على هامش العدوان، بل تحوّل، وفق ما خلصت إليه رسالة منشورة في مجلة «The Lancet» الطبية، إلى نمط يهدّد قدرة النظام الصحي على الصمود، من لحظة وصول المسعف إلى مكان الاستهداف، وصولاً إلى المستشفى ومراكز الرعاية الأولية وخدمات المتابعة والعلاج الطويل الأمد.
الرسالة، التي أعدّها كلّ من الباحثة في الجامعة الأميركية في بيروت سمر الحاج، ووزير الصحة العامة ركان ناصر الدين، تضع ما يتعرّض له العاملون الصحيون وسيارات الإسعاف والمنشآت الطبية في لبنان ضمن سياق أوسع من انتهاك مبدأ الحياد الطبي وقواعد القانون الدولي الإنساني، التي تفترض حماية الطواقم والمرافق الصحية في النزاعات المسلحة. إلا أنّ الوقائع المسجّلة منذ بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان في 2 آذار 2026 تكشف، بحسب الأرقام الواردة في الرسالة، حجم الاستهداف المباشر وغير المباشر لهذا القطاع.
حتى 14 حزيران 2026، سُجّل 172 اعتداءً على خدمات الإسعاف والطوارئ في لبنان، أدّت إلى:
- استشهاد 133 عاملاً صحياً
- إصابة 402 آخرين
- تضرّر 173 آلية طوارئ و38 مرفقاً صحياً.
وفي الفترة نفسها، تخطّى عدد الضحايا والجرحى الإجمالي 14190، فيما قُدّر عدد النازحين بنحو 1.2 مليون شخص، ما ضاعف الضغط على نظام صحي كان يعاني أصلاً من إنهاك مزمن بفعل الأزمات المتراكمة.
ولا تقف الخسائر عند مستوى الطواقم والآليات. فالبنية الاستشفائية نفسها تعرّضت لضربات قاسية، إذ وثّقت الرسالة 79 اعتداءً طاولت الرعاية الصحية، وأثّرت في 20 مستشفى من أصل 153، أي نحو 11% من مستشفيات البلاد، ما أدّى إلى إقفال بعضها كلياً أو جزئياً، وإلى تراجع قدرة المستشفيات المرجعية على استقبال الحالات الحرجة. كذلك، تضرّر قطاع الرعاية الصحية الأولية بشدة، مع تأثّر 63 مركزاً وإقفال 51 منها، وخصوصاً في الجنوب والبقاع، حيث تتركّز الحاجة إلى خدمات الطوارئ والرعاية الأساسية.
رابط المقال في «ذا لانست»:
When health-care workers become the target in Lebanon
وتشير الرسالة إلى أنّ هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أضرار مادية أو بشرية منفصلة، بل عن تعطيل لسلسلة الرعاية الصحية كاملة. فالاستهداف يبدأ بتأخير وصول سيارات الإسعاف إلى المناطق المقصوفة، ثم يمتدّ إلى صعوبة نقل الجرحى، وتعطّل الإحالات بين المراكز والمستشفيات، وانخفاض القدرة على تقديم العلاج داخل المستشفيات، وصولاً إلى تضرّر برامج المتابعة والتأهيل والعلاج المزمن. وفي المناطق الأكثر تعرّضاً للقصف، حيث تكون الحاجة إلى التدخل السريع أكبر، يصبح المسعفون أنفسهم هدفاً أو عاجزين عن الوصول، ما يرفع خطر الوفيات والإعاقات التي كان يمكن تفاديها.
وتربط «لانست» ما يجري اليوم بسياق سابق من الاستهدافات التي طاولت القطاع الصحي خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية بين عامي 2023 و2024، حين سُجّلت مئات الإصابات في صفوف العاملين في الطوارئ وأضرار واسعة في البنية الصحية. وبين تشرين الأول 2023 وكانون الثاني 2025، أدّت الاعتداءات على خدمات الطوارئ إلى أكثر من 270 شهيداً من العاملين الصحيين والمسعفين، و253 جريحاً، وتضرّر 177 سيارة إسعاف، و59 آلية إطفاء، و18 آلية إنقاذ، و67 مركزاً لخدمات الطوارئ الطبية.
وتحذّر الرسالة من أنّ خسارة العاملين الصحيين وتدمير المرافق لا ينعكسان فقط على علاج جرحى العدوان، بل يضربان الخدمات اليومية التي يحتاج إليها السكان: صحة الأم والطفل، برامج التلقيح، غسيل الكلى، التأهيل، الصحة النفسية، وإدارة الأمراض المزمنة. ومع نزوح السكان من مناطق واسعة، وهجرة عدد من العاملين الصحيين بحثاً عن الأمان، يصبح العبء على من تبقّى من أطباء وممرضين ومسعفين مضاعفاً، في وقت تعمل فيه المؤسسات الصحية ضمن ظروف ميدانية ولوجستية شديدة القسوة.
وتستعيد الرسالة مشروع القرار الذي قدّمه لبنان إلى جمعية الصحة العالمية في 20 آذار 2026، والذي لفت إلى تعطّل خدمات الطوارئ والرعاية الجراحية، وإقفال مراكز الرعاية الأولية والمستشفيات، والنقص في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. وقد وُضعت هذه الوقائع، بحسب النص، في إطار انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما يستدعي آليات أكثر صرامة للمحاسبة وضمان احترام الحماية المفترضة للعاملين الصحيين والمرضى والمنشآت الطبية.
وتنقل الرسالة عن منظمة الصحة العالمية وصفها للنزاع في لبنان بأنه «مدمّر بشكل خاص للرعاية الصحية»، مشيرة إلى أنّ نحو نصف الاعتداءات على القطاع الصحي أدّى إلى استشهاد عامل صحي أو مريض واحد على الأقل. وهذه الخلاصة، بحسب الرسالة، لا تخص لبنان وحده، بل تعكس اتجاهاً عالمياً متزايداً في النزاعات المعاصرة، حيث بات استهداف الصحة أحد أخطر مؤشرات انهيار قواعد الحماية الإنسانية.
وفي خاتمتها، تدعو الرسالة إلى تحرّك مالي وتقني وقانوني ودبلوماسي عاجل، لضمان الوصول الآمن وغير المعرقل إلى الرعاية الصحية، وحماية النقل الطبي والمنشآت الصحية، وإعادة تأهيل الخدمات المتضررة، ودعم العاملين الصحيين الذين تعرّضوا لصدمات مباشرة ومتراكمة، إضافة إلى إنشاء آليات مستقلة وذات صدقية للتحقيق والمساءلة.
فالخطر، كما تخلص الرسالة، لا يقتصر على انهيار قطاع صحي في بلد مأزوم، بل يتعدّاه إلى تكريس سابقة عالمية خطيرة: أن يصبح المسعف والطبيب والمريض جزءاً من بنك الأهداف، وأن يتحوّل تآكل الحياد الطبي إلى «طبيعي» جديد في الحروب. بالنسبة إلى لبنان، يعني ذلك مزيداً من الأرواح التي يمكن أن تُفقد لا بسبب الإصابة وحدها، بل بسبب انهيار القدرة على إنقاذ المصابين في الوقت المناسب.