حين تدخل القوى الكبرى الحروب، وهي تتحدث عن "شرق أوسط جديد"، فهي لا تخوض معارك تكتيكية محدودة، إنما تدخل وهي تحمل مشروعًا لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة بها. غير أن التاريخ يُظهر أن الفارق بين إعلان الأهداف وتحقيقها شيء آخر تمامًا. الحروب لا تُقاس بحجم القوة المستخدمة، إنما بمقدار التحول الذي تنجح في فرضه على الواقع. من هذه الزاوية تحديدًا، تبدو التطورات الأخيرة دالة على أن المنطقة تتجه نحو نتيجة تختلف جذريًا عن الأهداف التي رُسمت لها عند البداية.
الولايات المتحدة وإسرائيل لم تدخلا المواجهة تحت عنوان إدارة التوازن، بل تحت عنوان تغييره. الحديث كان يدور عن تفكيك بنية الردع التي تشكلت، خلال العقود الماضية، وعن إنهاء دور حزب الله وتقليم أظافر إيران وإعادة إنتاج مشهد إقليمي جديد تكون فيه الكلمة العليا للقوة العسكرية والتفوق التكنولوجي. غير أن المشكلة التي تواجه المشاريع الكبرى دائمًا، أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي لصناعة الوقائع إذا اصطدمت بقدرة الخصم على امتصاص الضربات ومنع ترجمة التفوق العسكري إلى نتائج سياسية نهائية.
تحديدًا، هنا، تكمن المفارقة؛ فالحروب لا تُهزم دائمًا عندما يخسر أحد الأطراف قدرته على القتال، بل قد تُهزم عندما يفقد الطرف الأقوى قدرته على تحويل قوته إلى إنجاز سياسي. هذه هي اللحظة التي تنتقل فيها الأولوية من صناعة النصر إلى منع الخسارة، ومن تغيير المعادلات إلى إدارة تداعياتها، ومن السعي إلى الحسم إلى البحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه.
في هذا السياق، لا تبدو أهمية الميدان في عدد الضربات أو حجم الخسائر البشرية بقدر ما تكمن في قدرته على فرض سقف سياسي جديد. حين تبدأ الكلفة العسكرية بإنتاج قيود على حرية القرار العملياتي، وعندما تتحول كل خطوة هجومية إلى عبء يحتاج إلى حسابات سياسية واستراتيجية معقدة، يصبح واضحًا أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة. فالقوة التي كانت تُستخدم لفرض الوقائع، تصبح أداة لمنع انهيار الوقائع القائمة.
هذا ما يفسر عودة الدبلوماسية إلى الواجهة. التفاوض لا يظهر عادةً عندما ينجح طرف في سحق خصمه، بل عندما يصل الجميع إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار أكبر من العائد المتوقع. لذلك؛ فإن الفنادق وقاعات التفاوض لا تصنع التوازنات، بل تعكسها. وما يقوله المفاوضون ليس سوى الصدى السياسي لما ترسمه الجبهات.
كذلك؛ من هنا تحديدًا، يمكن فهم التحول في الدور الأمريكي. القوة العظمى لا تتراجع بالضرورة حين تخسر حربًا، وإنما حين تتحول وظيفتها من هندسة المشهد إلى احتواء نتائجه. حين يصبح همها الأول منع انفجار شامل يهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحلفاءها الإقليميين، تكون قد انتقلت موضوعيًا من موقع القوة التي تصنع الإيقاع إلى موقع القوة التي تمنع انهياره.
الأهم من ذلك أن الصراع كشف مرة جديدة حدود القوة العسكرية ذاتها. التفوق العسكري قادر على التدمير، لكنه ليس بالضرورة قادرًا على إنتاج واقع سياسي بديل. إذ إن إزالة الخصوم شيء، وإزالة البيئة التي تنتجهم شيء آخر. لهذا كثيرًا ما تنتهي الحروب الكبرى إلى إعادة إنتاج الوقائع التي قامت من أجل تغييرها، ولو بأشكال مختلفة.
أما في لبنان، فإن السجال الداخلي يبدو أحيانًا وكأنه يدور حول السلاح، بينما جوهره الحقيقي يتعلق بقراءة نتائج الحرب نفسها. هناك من يفترض أن البيئة الاستراتيجية تبدلت؛ وأن ما لم يتحقق بالقوة يمكن انتزاعه بالسياسة. هناك من ينطلق من فرضية معاكسة ترى أن السياسة لا تستطيع أن تحصل على ما عجزت الحرب عن فرضه. وبين القراءتين تتحدد طبيعة الأزمة اللبنانية المقبلة.
في الخلفية، يتبين أن الجغرافيا الاقتصادية أصبحت جزءًا من معادلات الردع الحديثة. الممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد لم تعد مجرد ملفات اقتصادية، بل تحولت إلى عناصر ضغط استراتيجية لا تقل أهمية عن الصواريخ والطائرات. هذا ما يجعل أي مواجهة إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود ساحات القتال لتطال الاقتصاد العالمي برمته، الأمر الذي يفسر حجم الحرص الدولي على منع الانزلاق نحو انفجار شامل.
في النهاية، قد تكون المفارقة الأهم أن القوى التي دخلت الحرب تحت عناوين "إعادة صياغة الشرق الأوسط"، وإنهاء دور إيران وحلفائها وتفكيك منظومة الردع التي تشكلت خلال العقود الماضية، تجد نفسها أمام واقع مختلف تمامًا. الحرب التي أُريد لها أن تنتهي بإخراج طهران من معادلات الإقليم، انتهت إلى تكريس حضورها بوصفها رقمًا لا يمكن تجاوزه، وإلى تثبيت حقيقة أن حلفاءها، مع الأكلاف الهائلة التي تكبدوها، لم يسقطوا ولم يُنتزعوا من المعادلة بالقوة.
صحيح أن المنطقة لم تشهد انتصارًا عسكريًا ساحقًا بالمعنى التقليدي، لكن السياسة لا تقاس دائمًا بحجم الدمار الذي أُنزل بالخصم، بل بمقدار النجاح في منع الخصم من تحقيق أهدافه.
من هذه الزاوية تحديدًا، تبدو النتيجة أكثر وضوحًا. الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا الحرب سعيًا إلى تغيير التوازنات القائمة، بينما خرجت إيران وحلفاؤها وقد نجحوا في منع هذا التغيير، بل وفرضوا العودة إلى منطق التفاوض وإدارة التوازنات بدلًا من منطق الإملاءات والحسم.