زينة فخري (صحيفة الأخبار)
لا يبدو تمسّك الخطاب التربوي الرسمي بإجراء الامتحانات الرسمية في ظل النزوح والانهيار البنيوي مجرد حرص على استمرارية المرفق العام، بل يعكس تمسكاً بنموذج تقليدي للشرعية التربوية يقوم على الامتحان الموحد والحضور المدرسي بوصفهما المرجع الأساسي للاعتراف بالتعلم. فبينما يواجه آلاف التلامذة واقع التهجير وفقدان الحيز المكاني (المدرسة)، تصرّ وزارة التربية على أن «الشرعية» الوحيدة للتعلم تمر عبر بوابة الامتحان الخطي الموحد. هذا الإصرار يطرح إشكالية حول وظيفة الدولة التربوية: هل هي حماية حق التعلّم كقيمة إنسانية ومعرفية، أم حماية «الشكل» البيروقراطي للامتحان كأداة للضبط والسيطرة؟
إن هذا التصلب المؤسساتي يتناقض مع منظومة حقوق الإنسان الدولية ومع مبدأ الحرية التعليمية. فالمواثيق الدولية، وعلى رأسها «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، المادة 26، الجزء 3، تنص على أن «للآباء الحق الأول في اختيار نوع التعليم الذي يجب أن يحصلوا عليه لأطفالهم»، ما يفتح المجال أمام التفكير في صيغ تعليمية متنوعة تخضع لأطر تنظيمية تضمن الجودة والمساءلة. إن إجبار النازحين والقابعين تحت القصف على الخضوع لنموذج امتحاني واحد، دون توفير بدائل أو اعتراف بمسارات التعلم الذاتي، يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة الدولة على ضمان الحق في التعليم بصورة عادلة وآمنة. علاوة على ذلك، فإن حصر الاعتراف الرسمي بالتعلم ضمن مسار واحد وحصره في جغرافيا معينة يتناقض مع مبدأ الحرية الفردية والأكاديمية؛ إذ تتحول التربية من حق إنساني إلى أداة قسرية تلغي التنوع المعرفي وتصادر قدرة المجتمع على ابتكار حلول تعليمية تتجاوز عجز السلطة.
التعليم المنزلي بين الضرورة والاعتراف القانوني
بعيداً عن منطق «الطوارئ» الذي يفرضه النزوح، تشير دراسات عديدة إلى أن بعض نماذج التعليم المنزلي قادرة على تحقيق نتائج أكاديمية ومهارية جيدة عندما تتوافر موارد تعليمية مناسبة وإشراف تربوي فعّال. وتشير أبحاث التعلم المتمركز حول المتعلم والتعلم الذاتي إلى أن البيئات التعليمية المرنة قد تتيح فرصاً أوسع لتنمية الاستقلالية الفكرية ومهارات البحث والتفكير النقدي.
وفي السياق اللبناني، فرضت الأزمات المتلاحقة في لبنان — من جائحة كورونا إلى الإضرابات الطويلة والنزوح القسري بسبب الحروب — واقعاً تعليمياً دفع الكثير من العائلات لابتكار مسارات بديلة لضمان استمرارية تعلم أبنائهم. ومن أبرز الأمثلة على هذه الأنماط تنظيم برامج تعليمية منزلية، اللجوء إلى المنصات الرقمية، الاستعانة بمعلمين مستقلين وتشكيل مجموعات تعليمية مصغرة. ورغم فعالية هذه الأنماط في سد الفجوة المعرفية خلال الأزمات، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى الاعتراف القانوني في لبنان، حيث يستمر الاعتراف الرسمي بالتعلم في الارتباط بالحضور الفيزيائي للمدرسة والامتحان الرسمي الخطي.
وتكمن العقدة الجوهرية في رفض الوزارة تشريع التعليم المنزلي أو البحث عن آليات مرنة في أوقات الطوارئ، في تقديس «الامتحان الرسمي» كآلية تقييم وحيدة. الأبحاث في «هندسة التقويم التربوي» تنتقد اختزال مسارات معرفية ممتدة لسنوات في ساعات قليلة من الاختبار الخطي، معتبرة أن هذا النموذج يقيس «الذاكرة الاسترجاعية» ويهمش مهارات القرن الحادي والعشرين كالإبداع وحل المشكلات.
اعتمدت دول عديدة، بدرجات متفاوتة، أطرًا قانونية لتنظيم التعليم المنزلي، من بينها الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وإيطاليا والإمارات. وقد قامت هذه الأخيرة بوضع أطر تنظيمية واضحة للتعليم المنزلي (Home Study)، تتيح من خلالها للمواطنين والمقيمين خيارات تعليمية مرنة تتوافق مع التوجهات الحديثة ومتطلبات سوق العمل من دون إخراج التلميذ من النظام التعليمي. ولا يعني ذلك أن التعليم المنزلي يخلو من التحديات. فنجاحه يتطلب أطر متابعة وتقييم تضمن جودة التعلم وتحول دون اتساع الفوارق الاجتماعية أو حرمان الأطفال من فرص التفاعل الاجتماعي. غير أن وجود هذه التحديات لا يبرر غياب أي إطار قانوني ينظم هذا النمط من التعليم، بل يدعو إلى تطوير تشريعات وآليات رقابية تضمن جودته وعدالته.
إن غياب تشريعات تنظم التعليم المنزلي في لبنان جعل الدولة عاجزة عن تقديم بدائل تعليمية للمهجرين والقابعين في مناطق النزاع. فبدلاً من تبني أدوات تقييم «تراكمية» علمية، مثل «ملف إنجاز الطالب، أو «Portfolio» الذي يوثق التطور المهاري عبر الزمن، أو «التقويم القائم على المشاريع» الذي يضمن استمرارية التعلم في ظروف النزوح، تصرّ المنظومة على منطق «التقييم الموحد» الذي يفترض مساواة وهمية في ظروف التعلم بين تلميذ آمن وتلميذ نازح.
نحو فك الارتباط بين «الحق في التعلم» و«الحيز المكاني»
في المحصلة، يواجه النظام التربوي اللبناني حالة من التباعد الهيكلي بين نموذج تقليدي يرتكز على الحضور الفيزيائي والامتحانات الموحّدة، وبين واقع ميداني يفرض تعددية في مسارات التعلم. إن التمسك بمفهوم «الشرعية المكانية» للمدرسة كشرط وحيد للاعتراف بالتعلم يُظهر فجوة متزايدة بين الأطر التشريعية والممارسات التربوية القائمة على الأرض. ومن منظور تربوي، فإن استمرار القصور التشريعي في استيعاب أنماط التعلم البديلة (الرقمية والمنزلية) يؤدي إلى تآكل «المشروعية المؤسساتية» للمنظومة، دون أن ينفي ذلك القيمة المعرفية والجهد الأكاديمي الذي يحصله المتعلمون خارج الأطر التقليدية.
بعد سنوات من الحروب والأزمات والانهيارات، لم يعد السؤال ما إذا كان التعليم المنزلي خياراً مثالياً، بل ما إذا كان من المقبول الاستمرار في عدم الاعتراف به، وبالتالي عدم الاعتراف بحرية التعلّم وتعدد مساراته. فإذا كان الحق في التعلّم حقاً أساسياً، فلماذا يبقى الاعتراف به مشروطاً بمكان واحد ومسار واحد، في عالم باتت فيه المعرفة تتجاوز الجدران؟