سلوى بعلبكي صحيفة (النهار)
لم يكن "أبو ربيع" يبحث عن الثراء السريع. بعد سنوات من الأزمة المالية وخسارة جزء كبير من مدّخراته، كان يبحث فقط عن فرصة تعوض بعض ما فقده.
أثناء تصفحه مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر أمامه إعلان يعد بتحقيق أرباح شهرية مرتفعة من خلال منصة تداول عالمية "مرخصة"، مع استثمار أولي لا يتجاوز الـ250 دولارا.
ملأ بياناته، وبعد ساعات تلقى اتصالا من شخص قدم نفسه على أنه مستشار مالي في شركة دولية. تحدث بثقة واحترافية، وأرسل له صوراً لمكاتب وشهادات ترخيص وموقعاً إلكترونيّاً يبدو متقناً. لم يتردد كثيراً، وحوّل المبلغ المطلوب.
أيام قليلة، وظهر في حسابه الإلكتروني أن استثماره بدأ يحقق أرباحا سريعة. ارتفع الرصيد من 250 دولارا إلى أكثر من 400 دولار، ثم تلقى اتصالا جديدا يشجعه على الاستثمار في مبالغ أكبر للاستفادة من "فرصة استثنائية". اقتنع الرجل بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، فحوّل آلاف الدولارات الإضافية.
لكن المشهد تبدل فور طلبه سحب الأرباح. بدأت المطالبات بدفع رسوم وضرائب وتكاليف تحويل وأموال إضافية تحت عناوين مختلفة. ومع كل دفعة جديدة كان يبلغ بأن السحب أصبح قريبا. إلى أن انقطعت الاتصالات نهائيا، واختفى الموقع الإلكتروني، واكتشف أن الأموال التي ظن أنها تنمو لم تكن سوى أرقام على شاشة وهمية.
هذه القصة ليست استثناء، بل نموذج يتكرر مع عدد كبير من الضحايا في لبنان والعالم.
خسائر بملايين الدولارات
بحسب رئيس شعبة العلاقات العامة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي العميد جوزف مسلم، فإن لبنان يشهد سقوط أعداد كبيرة من المواطنين ضحايا لعمليات احتيال استثماري وإلكتروني، فيما تقدر الخسائر بملايين الدولارات. ويشير إلى أن بعض الضحايا خسروا مدخراتهم بالكامل، فيما اضطر آخرون إلى بيع أراض أو شقق سكنية أملا في تعويض خسائر سابقة، لينتهي بهم الأمر إلى خسائر أكبر.
عملية احتيال متكاملة
تتطابق روايات الضحايا مع الآلية المعتمدة عالميّاً في عمليات الاحتيال الاستثماري. فالعملية تبدأ بإعلان جذاب يعد بأرباح مرتفعة وسريعة، غالبا عبر تداول العملات الرقمية أو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبعد تسجيل البيانات، يتولى فريق متخصص التواصل مع الضحية وبناء الثقة تدريجاً.
يؤكد مسلم أن "هذه الشبكات لا تعمل عشوائيا، بل تمتلك مراكز اتصال وفرقا متخصصة، حيث يتولى بعض الموظفين استقطاب الضحايا، بينما يتخصص آخرون في إقناعهم بجدوى الاستثمار ومتابعتهم خطوة بخطوة حتى تحويل الأموال.
وتزداد خطورة هذه العمليات لأن الشركات تبدو حقيقية تماما. فهي تعرض أرقاما ضخمة عن حجم استثماراتها، وتستخدم مواقع إلكترونية احترافية وشهادات ووثائق تبدو رسمية، رغم أنها في الواقع شركات وهمية".
الأرباح الوهمية
أحد أكثر الأساليب استخداما يتمثل في إظهار أرباح غير حقيقية على منصات التداول. فالضحية يرى رصيده يرتفع خلال أيام أو أسابيع، ما يدفعه إلى ضخ مزيد من الأموال.
ويتقاطع ذلك مع ما يرصده المحققون في قضايا الاحتيال، حيث لا تكون الأموال الظاهرة على الشاشة موجودة فعليا، بل مجرد بيانات مصممة لإقناع المستثمر بأن مشروعه ناجح.
ويقول مسلم إن "المحتالين يستهدفون خصوصا الأشخاص الذين تعرضوا لخسائر مالية سابقة أو الذين يبحثون عن فرصة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية الصعبة، مستفيدين من الظروف المعيشية الضاغطة.
العملات الرقمية مسار مفضّل للاحتيال
في معظم الحالات، يطلب من الضحية تحويل الأموال عبر العملات الرقمية، ولا سيما USDT (عملة رقمية مشفرة )، أو عبر وسائل يصعب تتبعها.
يحذر مسلم من أن طلب التحويل بهذه الطريقة يجب أن يثير الشكوك فورا، لأن العملات الرقمية تجعل ملاحقة الأموال واستردادها أكثر تعقيدا، خصوصا عندما تكون الجهة المستفيدة مجهولة أو تعمل من خارج لبنان.
ويضيف أن بعض الوسطاء الموجودين في لبنان قد لا يكونون على علم بأنهم جزء من عملية احتيالية، إذ يعتقدون أنهم يتعاملون مع شركات استثمارية شرعية، ما يجعلهم بدورهم ضحايا للشبكة نفسها.
الذكاء الاصطناعي على الخط
لم تعد الإعلانات الاحتيالية تعتمد الرسائل البدائية أو المواقع الرديئة كما في السابق. فبعض الشبكات تستخدم اليوم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقاطع فيديو مزيفة لشخصيات إعلامية أو اقتصادية أو رياضية معروفة، توحي بأنها تؤيد المنصة أو تستثمر فيها. ولم تتردد شبكات احتيال في استغلال أسماء شخصيات لبنانية معروفة لتعزيز صدقيتها.
فقد ظهرت إعلانات ومحتويات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن مقابلات أو تصريحات منسوبة زورا إلى رئيس الجمهورية جوزف عون، وإلى الرئيس السابق ميشال سليمان، والنائب نعمت افرام بهدف إيهام الجمهور بتحقيق الأرباح. وتندرج هذه الأساليب ضمن تقنيات التضليل الرقمي التي تعتمد على التلاعب بالمحتوى أو استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء مواد مزيفة تستغل ثقة الجمهور بالشخصيات العامة.
ويشير مسلم إلى أن هذه المواد المضللة أصبحت جزءا أساسيا من أدوات الاستدراج، إلى جانب استخدام أسماء شركات حقيقية أو تقليد مواقعها الإلكترونية بطريقة يصعب على المستخدم العادي اكتشافها.
شركات مستنسخة ومواقع مزورة
من أخطر الأساليب التي يلفت إليها مسلم انتحال أسماء شركات مالية مرخصة ومعروفة أو إنشاء مواقع إلكترونية تكاد تكون مطابقة للمواقع الأصلية، مع تعديلات طفيفة في العنوان الإلكتروني أو بيانات الاتصال.
لذلك يشدد على ضرورة عدم الاعتماد على المعلومات الواردة في الإعلانات الممولة، بل التحقق مباشرة من الجهات الرقابية الرسمية أو من المواقع الأصلية للشركات المعنية.
ويحدد مجموعة من العلامات التي تستوجب التوقف فورا قبل الاستثمار، أبرزها:
• الوعود بأرباح مرتفعة ومضمونة.
• غياب الترخيص الواضح أو صعوبة التحقق منه.
• طلب تحويل الأموال عبر العملات الرقمية.
• الضغط لاتخاذ قرار سريع.
• استخدام صور أو فيديوات لمشاهير وشخصيات عامة.
• غياب عنوان فعلي واضح للشركة.
• طلب دفع رسوم أو ضرائب مسبقة لسحب الأموال.
في ظل الانتشار المتزايد لهذه العمليات، يشدد مسلم على أن التحقق من الترخيص القانوني للشركة وهويتها الحقيقية يجب أن يسبق أي استثمار. وينصح بالاستعانة بمستشارين ماليين موثوق بهم والعودة إلى الجهات الرقابية الرسمية، مثل مصرف لبنان أو الهيئات الناظمة للأسواق المالية في الدول التي تدعي الشركات أنها تعمل منها.
فالقاعدة التي تتكرر في معظم ملفات الاحتيال تبقى واحدة. وكلما بدت الفرصة أفضل من أن تصدق، زادت احتمالات الاحتيال.