أظهرت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في مدينة نيويورك تحوّلًا متزايدًا في مواقف القاعدة الديمقراطية تجاه إسرائيل، بعدما حقق ثلاثة مرشحين تقدميين انتصارات لافتة اعتُبرت ضربة للمؤسسة الحزبية التقليدية وللنفوذ السياسي للجماعات المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك).
فاز براد لاندر في الدائرة العاشرة، وكلير فالديس في الدائرة السابعة، ودارياليزا أفيلا شوفالييه في الدائرة الثالثة عشرة، ما يضعهم على طريق شبه مضمون للوصول إلى الكونغرس في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. وتمكن لاندر وأفيلا شوفالييه من إقصاء نائبين حاليين في مجلس النواب.
رأى مراقبون أن ملف الحرب على قطاع غزة والدعم الأمريكي لإسرائيل لعب دورًا محوريًا في عدد من هذه السباقات، خصوصًا في الدائرة العاشرة، حيث حقق لاندر فوزًا كاسحًا بحصوله على نحو ثلثي الأصوات متقدّمًا على النائب دان غولدمان. وقال الخبير الديمقراطي في استطلاعات الرأي آدم كارلسون إن الفارق الأبرز بين المرشحين كان موقفهما من إسرائيل، معتبرًا أن غولدمان بات بعيدًا عن توجهات القاعدة الديمقراطية بسبب ارتباطه بمواقف مؤيدة لإسرائيل وعلاقاته مع «إيباك».
في الدائرة السابعة، انتقدت فالديس منافسها الرئيسي أنطونيو رينوسو لتأخره في وصف الحرب الإسرائيلية على غزة بأنها «إبادة جماعية»، بينما كانت النائبة المخضرمة نيديا فيلاسكيز قد أعلنت دعمها له قبل الانتخابات.
أما في الدائرة الثالثة عشرة، فقد حققت أفيلا شوفالييه مفاجأة بإطاحتها بالنائب أدريانو إسبايات، رئيس الكتلة اللاتينية في الكونغرس. وجعلت المرشحة من معارضتها للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل محورًا رئيسيًا في حملتها، معلنة دعمها لمشروع «أوقفوا القنابل» الذي يهدف إلى وقف شحنات الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل.
اعتبر ناشطون تقدميون أن فوز أفيلا شوفالييه يحمل دلالة خاصة لأنه تحقق في دائرة أقلّ ثراءً وأقلّ بياضًا من الدوائر التي شهدت سابقًا نجاح مرشحين معارضين لـ«إيباك»، ما يشير إلى اتساع نطاق هذا التوجه داخل الحزب الديمقراطي.
في المقابل، لم تختفِ الأصوات المؤيدة لإسرائيل من المشهد الانتخابي. فقد حقق مرشحون داعمون للعلاقات التقليدية مع إسرائيل نجاحات في سباقات أخرى داخل الولايات المتحدة، كما أن الجماعات المؤيدة لإسرائيل واصلت تقديم الدعم المالي لبعض المرشحين الديمقراطيين.
رغم أن نتائج نيويورك تأثرت أيضًا بعوامل محلية أخرى، من بينها النفوذ السياسي المتزايد للعمدة التقدمي زهران ممداني الذي دعم الفائزين الثلاثة، فإن الرسالة الأبرز التي خرجت من الانتخابات هي أن الدعم غير المشروط لإسرائيل لم يعد يحظى بالإجماع داخل الحزب الديمقراطي، وأن المواقف المنتقدة للحرب على غزة باتت تملك ثقلًا انتخابيًا متزايدًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 والاستحقاق الرئاسي لعام 2028.
في سياق متصل، هاجمت صحيفة «نيويورك بوست» الداعمة لإسرائيل نتائج الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في نيويورك، مقدمة فوز عدد من المرشحين التقدميين بوصفه «اكتساحًا اشتراكيًا» يهدد مستقبل الحزب الديمقراطي والمدينة نفسها. وبدلًا من التركيز على الأسباب التي دفعت الناخبين إلى تأييد هؤلاء المرشحين، كرّست الصحيفة تغطيتها للتحذير من صعود شخصيات وصفتها بأنها «مناهضة لإسرائيل» و«مناهضة للرأسمالية»، في خطاب عكس قلق الأوساط المحافظة ودوائر المال والأعمال من تنامي نفوذ الجناح التقدمي داخل الحزب.
كما أولت الصحيفة اهتمامًا واسعًا لمخاوف قطاع العقارات والمستثمرين من البرامج التي يطرحها الفائزون، ولا سيما ما يتعلق بتوسيع حماية المستأجرين والرقابة على الإيجارات. ورأى منتقدون أن التغطية جاءت منحازة إلى مصالح النخب الاقتصادية، إذ صورت نتائج الانتخابات كتهديد للاستقرار الاقتصادي، متجاهلة أن المرشحين الفائزين حصدوا تأييدًا شعبيًا على خلفية أزمات السكن وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد السخط من مواقف المؤسسة الديمقراطية التقليدية.
في المقابل، تناولت صحف أخرى هذه النتائج باعتبارها مؤشرًا على تحوّل داخل القاعدة الديمقراطية ورغبة متزايدة لدى الناخبين في تبني سياسات أكثر جرأة في ملفات العدالة الاجتماعية والإسكان والسياسة الخارجية، بما في ذلك الموقف من الحرب الإسرائيلية على غزة.