رحلات أبو مرعي وافرام إلى لارنكا... لا تنطلق! لا ترخيص من قبرص ومخالفات قانونية فاضحة

post-img

رلى إبراهيم (صحيفة الأخبار)

كان من المفترض أن يشهد مرفأ جونية حدثاً استثنائياً الأسبوع الماضي، هو انطلاق أول رحلة سياحية إلى قبرص عبر البحر. وعلى هذا الأساس، وُزعت دعوات لمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي وعدد من وكالات السفر وشخصيات اجتماعية وسياسية، للمشاركة في الرحلة الموعودة. وقبل يومين من الموعد، حاول بعض المدعوين الاتصال برجل الأعمال مرعي أبو مرعي (صاحب الشركة) للحصول على مزيد من التفاصيل، من دون أن يجيبهم.

وبتاريخ 18 من الشهر الجاري، قبل الموعد بيوم واحد، اجتمع مسؤولو الدولة اللبنانية، وعلى رأسهم وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني والنائب نعمت افرام - عرّاب المشروع - إلى جانب أبو مرعي وبلدية جونية برئاسة شقيق افرام وآخرين، للاحتفال بإطلاق رحلات سياحية إلى ثلاث وجهات: لارنكا في قبرص، مرسين في تركيا، واللاذقية في سوريا. غير أن الشركة، لأسباب غامضة لم تكلف نفسها عناء توضيحها، ومن دون الاعتذار ممن تمّت دعوتهم، أبلغت ركاب رحلة لارنكا على متن باخرة «Cedar Waves» بإلغاء رحلتهم، من دون تحديد موعد آخر.

فضيحة ثانية حصلت أيضاً، ففي الرحلة الأولى إلى مرفأ مرسين التركي، تفاجأ المسافرون وهم على متن السفينة بإبلاغهم بتغيير الوجهة من مرفأ مرسين إلى مرفأ تاسوكو، علماً أنه يَبعُد ساعتين بالسيارة عن وجهتهم الأساسية. وعليه، اضطروا بعد ثماني ساعات من السفر بحراً، إلى النزول من السفينة واستخدام خدمة التاكسي بكلفة تفوق 100 دولار للوصول إلى الفنادق التي حجزوا فيها! اللافت أن أحدا من المسؤولين لم يبرر ما حصل أو اعتذر عن الأمر، بل تم إنزالهم بطريقة عادية وكأن شيئاً لم يكن.

وتفيد مصادر مطلعة لـ«الأخبار» أن تركيا أبلغت الشركة منذ ايام وقف استقبال السفينة القادمة من بيروت، لأسباب وصفتها بـ«الأمنية، وأخرى تتعلق بعدم استيفاء السفينة لأبسط شروط السلامة. وعند الدخول الى موقع الشركة أمس، يبدو حجز أي رحلة الى تركيا أو حتى اللاذقية متعذراً قبل موعد 6 تموز، مما يشير الى أن تسرع افرام وبو مرعي ووزير الاشغال والقيمين على مرفأ جونية لم يأت سوى بالمشكلات. وسط التداول على وسائل التواصل الاجتماعي أن ثمة مسافرين عالقين في تركيا بسبب عدم قدرة السفينة على اعادتهم.

ومنذ اللحظة الاولى للاعلان عن تلك الرحلات، بدا أن المسألة تتسم بالطابع التسويفي الشعبوي أكثر من الطابع السياحي. فقد أوردت عدة تقارير في الصحافة القبرصية أن إطلاق شركة شحن لبنانية حملة دعائية حول تسييرها رحلات سياحية بحرية إلى لارنكا ابتداء من 9 حزيران (موعد الإطلاق المفترض الأول)، جرى من دون علم السلطات القبرصية بذلك، أو الحصول على الموافقات المطلوبة منها، ولا حتى حجز مواعيد رحلات ذهاب وإياب إلى مرفأ لارنكا. ولفتت إحدى الصحف إلى أنها ليست المرة الأولى التي تعمد فيها الشركة إلى إطلاق إعلان مماثل، وإنما الثالثة خلال ثلاث سنوات، مشددةً على الحاجة إلى التنسيق بين مختلف الإدارات المعنية ومجموعة من التراخيص والموافقات المتعلقة بالأمان والصيانة ومطابقة الباخرة لمعايير الملاحة البحرية الأوروبية.

«الأخبار» اتصلت على رقم الهاتف الموجود على موقع «Cedar Waves» للسؤال عن الرحلات إلى قبرص، لترد عاملة الهاتف بأن الرحلات معلقة إلى أمد غير محدد بسبب «عطل في السيستم». هذا «العطل» أدّى، بحسب المصادر، إلى إرسال من صدقوا الإعلان وعمدوا إلى الحجز، جواً إلى قبرص، بسعر البطاقة نفسه.

في المقابل، أفادت مصادر وزارية مطلعة أن الباخرة لم تحصل على ترخيص من السلطات القبرصية لأسباب عدة، أولها: الإعلان عن تسيير رحلات قبل مشاورة القبارصة. وتقع المسؤولية الأولى هنا على الدولة اللبنانية بشخص وزير الأشغال العامة والنقل الذي سمح باستخدام مرفأ جونية من دون المرور بالإجراءات اللازمة.

وتقع المسؤولية أيضاً على افرام الذي باع اللبنانيين وهماً، عبر إعلانه مراراً افتتاح خط بحري من مرفأ جونية إلى قبرص، وإقامته احتفالاً كبيراً بذلك، قبل أن يتبين أنه مجرد عمل دعائي يكرّره النائب الكسرواني كل عام أمام ناخبيه. وهنا تبرز إشكالية أخرى تتعلق بتعامل افرام مع مرفأ جونية كملك خاص، إذ عمد إلى استقدام أبو مرعي ولزّمه الرحلات البحرية حصراً. فنشر الأخير موظفيه في قاعة المسافرين في المرفأ، وسمح لنفسه باستخدامها على مرأى الوزارة والوزير، في حين أن القانون واضح في ما خص استخدام المرافق العامة، بما فيها مرفأ جونية، الذي يقع تحت وصاية وزارة الأشغال العامة المجبرة على التزام قانون الشراء العام.

ويقول رئيس هيئة الشراء العام لـ«الأخبار» إن كل ما يتعلق بالإنفاق يخضع للمادة 3 من قانون الشراء العام. وبحسب تلك المادة، «تخضع لأحكام هذا القانون جميع عمليات الشراء العام من لوازم وأشغال وخدمات، التي تقوم بها الجهات الشارية، سواء كان تمويل العقد من أموال الموازنة أو الخزينة أو من قروض داخلية أو خارجية أو هبات غير مقيَّدة بشروط الواهب (...) ولا يجوز لأي جهة شارية، في غير الحالات المنصوص عليها في هذا القانون، القيام بأي عملية شراء إلا طبقاً لأحكامه».

وتضيف المادة أن ما سبق يطلق على عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، على أن يستثنى من أحكام هذا القانون الشراء الذي يهدف إلى منح أيّ التزام أو امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية أو مصلحة ذات منفعة عامة أو أي احتكار. وفي هذه الحال، يحتاج الاحتكار أو الامتياز إلى قانون، وهو ما لم يحصل. وبالتالي، لُزمت الرحلات البحرية في مرفأ جونية بطريقة مخالفة للقانون وعلى قاعدة أن الغاية التي أعلن عنها افرام، وهي إنعاش المنطقة اقتصادياً، تبرر التعامل مع مرفق عام وكأنه دكانة مفتوحة لـ«البيزنس».

والواقع أن الدولة التي ترفع شعار الإصلاح هي نفسها التي استهترت بالقوانين وبديهيات الأصول التنظيمية، فنتج عن ذلك «فضيحة» قبرص وتركيا الى جانب وَهِب مرفأ عام لنائب ورجل أعمال. والأنكى أن حفل الافتتاح حصل بحضور رسامني وزميلته وزيرة السياحة لورا الخازن، وبرعاية رئيس الجمهورية جوزيف عون.

في المقابل، يصنّف ميناء جونية وفقاً للقرار 1/31 الصادر في العام 1966 كميناء من الدرجة الثانية، أي معدّ للصيد وزوارق النزهة، وليس مرفأً سياحياً. وتصنيفه يحتاج إلى تعديل وزاري. وربما شكلت هذه المسألة عائقاً إضافياً أمام الحصول على ترخيص من قبرص، يضاف إلى العوائق الأخرى. يذكر أن قيمة التذكرة مرتفعة، إذ تبدأ من 200 دولار إلى سوريا و300 دولار إلى تركيا، تشمل السفر فقط، من دون أي تقديمات أخرى. وللحصول على خدمات إضافية، يتوجب تسديد 100 دولار على الأقل، فوق السعر الأساسي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد