يؤمن الباحث والكاتب الهندي بانكاج ميشرا أنّ الرواية الغربية حول انتصارها على الشمولية النازية بعد الحرب العالمية الثانية وترويجها للديمقراطية والمساواة فقدت مصداقيتها وتأثيرها منذ زمن طويل. وذلك في كتابه "العالم بعد غزة" (ترجمة علاء عودة، الدار الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2026)، الذي يُقدم قراءة نقدية جادة للأحداث في قطاع غزة، متناولًا ما يعتبره انهيارًا للمنظومة الأخلاقية الدولية وازدواجية صريحة في معايير الدول الغربية تجاه القضية الفلسطينية.
ينطلق بانكاج ميشرا من أطروحة مركزية تُفكك أسباب استبعاد الفلسطينيين من دائرة الواجب الإنساني، رابطًا العنف الجاري بجذور تاريخية ممتدة تشمل الاستعمار والعنصرية وبُنى التفوق الأبيض، ويرى أنّ ما جرى ويجري في غزة يشكل حسمًا بين مرحلتَين، لتصبح هذه الرقعة الجغرافية المحاصرة مرآة كاشفة لهشاشة النظام الأخلاقي الذي جرى التغني به منذ منتصف القرن العشرين.
يتتبع المؤلف تحوّلات الذاكرة الغربية تجاه الهولوكوست، مستعينًا بقراءات مفكرين ومؤرخين من بينهم حنا أرندت وإيميه سيزير وبواز إيفرون، لبحث الطريقة التي انتقلت بها المحرقة من حدث تاريخي إلى سردية سياسية مؤثرة. ويشير إلى أن هذه الذاكرة لم تتشكل مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، إذ واجه الناجون اليهود آنذاك رفضًا غربيًا لاستقبالهم، قبل أن تبدأ المحرقة في التحول، خصوصًا منذ محاكمة النازي أدولف أيخمان عام 1961 في إسرائيل وإعدامه، إلى عنصر مركزي في الوعي السياسي الإسرائيلي والغربي.
يرى ميشرا أن استدعاء المحرقة جرى توظيفه تدريجيًا لتقديم إسرائيل بوصفها الملاذ الضروري لليهود، ومن ثم منح المشروع الاستيطاني حصانة أخلاقية وسياسية تحدّ من انتقاده. وفي المقابل، يكشف المؤلف عن تهميش الذاكرة الفلسطينية ومعاناتها، وعن حضور نزعة عرقية في الخطاب السياسي الغربي تقسم الضحايا وفق هوياتهم وانتماءاتهم. وبذلك، يناقش كيف تحولت ذكرى جريمة تاريخية كبرى من إدانة الفاشية والاستعمار إلى أداة أيديولوجية تُستخدم لتبرير سياسات الإقصاء والعنف ومحو الآخر.
لا يكتفي بانكاج ميشرا بالتحليل السياسي، بل يسبر أغوار التواطؤ الفكري متناولًا دور نخبة من الكتاب والمثقفين الذين أسهموا تاريخيًا في شرعنة الخطاب الصهيوني وتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم. وفي المقابل، يستحضر أصواتًا كتابية وأخلاقية امتلكت شجاعة الانحياز للإنسان بغض النظر عن عرقه أو دينه، مؤكدًا أن غزة اليوم تمثل لحظة فارقة أُسقطت فيها الأقنعة عن الشعارات الليبرالية ومؤسسات القانون الدولي.
لا يغفل ميشرا عن رصد التحولات السلوكية التي رافقت المأساة، مشيرًا إلى ما أطلق عليه مظاهر "صبيانية الشر" وتجريد الإنسانية التي تجلّت في سلوكيات جنود الاحتلال وتوثيقهم لانتهاكاتهم بأنفسهم احتفاءً بالدمار. يرى المؤلف أن هذا النمط من العنف، المدعوم بالذكاء الاصطناعي وخوارزميات القصف وتقنيات الحصار الحديثة، حوّل الفعل العسكري إلى روتين إداري وبرود رقمي، مما يجعل من تجربة غزة استمرارًا مُحدّثًا للأنظمة الاستعمارية التي سبق أن مارست محو الشعوب الأصيلة تحت غطاء الفضيلة وتفوق القوة.