هل يُمكن للحروب أن تحتلّ الزمن؟
اسمحوا لي أن أبدًا باسئلة بسيطة .. متى تنتصر الحرب؟ هل تنتصر عندما تُدمَّر البيوت؟ أم عندما يُهجَّر الناس؟ أم عندما تُقفل المدارس والجامعات؟ أعتقد أنّ الحرب لا تحقّق انتصارها الكامل إلا عندما تفرض على الإنسان أن يؤجّل حياته. حين يقتنع بأنّ أحلامه يمكن أن تنتظر.. ودراسته يمكن أن تنتظر.. ومشروعه يمكن أن ينتظر.. والمستقبل ليس أولوية. هناك.. تحديدًا.. تبدأ الهزيمة الحقيقية.
الثبات الذي أبى أن يتوقّف
مع انتهاء الامتحانات الجامعية هذا العام، وصدور النتائج التي حملت كثيرًا من علامات التفوّق والتميّز، لم أجد نفسي أتوقف طويلًا عند المعدلات، ولا عند أسماء الأوائل، ولا حتى عند نسب النجاح.. إذ كل ما بقي في ذهني كان سؤالًا واحدًا، ظل يرافقني بعد أن أُغلقت آخر قاعة امتحان: لماذا جاء هؤلاء الطلاب أصلًا؟ كان يمكنهم أن ينتظروا.. وكان انتظارهم سيبدو، في نظر الجميع، منطقيًا.. فالتهجير ليس ظرفًا عابرًا.. والاعتداءات ليست خبرًا في نشرةٍ مسائية.. والقلق على الأهل والبيت والأرض والقرية وعلى الوطن، يكفي ليجعل الإنسان يؤجّل كل شيء.. لكنهم لم ينتظروا.
هذا العام، لم أرَ الجامعة كما عرفتها طوال سنوات عملي، لم أرها مبنى يضم قاعاتٍ وأساتذةً ومقرّرات.. لقد رأيتها واحدةً من المؤسّسات التي تحرس الزمن الاجتماعي. لقد برهن هؤلاء الطلبة تعافيهم حتّى في خضم الحرب. ما جعلني استحضر ما بيّنته الأنثروبولوجية فينا داس (Veena Das)، في دراساتها عن المجتمعات التي عاشت العنف، "أنّ التعافي لا يبدأ عندما تتوقّف الحروب فقط، أيضًا عندما يعود الناس إلى تفاصيل حياتهم اليومية".
لغةٌ تتكرّر عند الشعوب الحرّة
كلما عدتُ إلى ما رأيته هذا العام، ازددت اقتناعًا بأنّ ما جرى لم يكن فقط حدثًا لبنانيًا استثنائيًا.. هو حدث يتكرّر عند الشعوب الحرّة، وإن اختلفت الأمكنة والأسماء، في صفحات التاريخ وفي صور الحاضر. في غزة... حيث لم يعد التعليم مجرّد حقٍّ من حقوق الإنسان، لقد أصبح وسيلةً لحماية الذاكرة وإثبات الوجود، والدفاع عن حق الأجيال أن ترث أكثر من أنقاض المدن. لم يكن الطالب الفلسطيني يحمل حقيبته؛ لأنّه لا يرى الدمار، بل لإدراكه أنّ المجتمع الذي يفقد حقه في التعلّم، يفقد بالتدريج قدرته على كتابة مستقبله بنفسه.
في اليمن... وسط سنواتٍ طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع مؤسّسات الدولة، ظلّ آلاف الشباب يذهبون إلى جامعاتهم ومدارسهم، لأنّهم كانوا يعرفون أنّ خسارة عامٍ دراسي ليست خسارة اثني عشر شهرًا وحسب، قد تكون أيضًا خسارة مسار حياةٍ كامل، لا يمكن تعويضه لاحقًا.
في مدن وبلدات أخرى من هذا العالم .. لم يكن قرار استمرار التعليم، في زمن الحرب، قرارًا إداريًا بحتًا، لقد كان إدراكًا عميقًا بأنّ الدفاع عن المجتمع يتمحور أيضًا بالحفاظ على المؤسّسات التي تُنتج المعرفة، وتُبقي الزمن الاجتماعي حيًا.. قد تختلف المدن إذًا، وتختلف اللغات، وتختلف أشكال الحروب، لكن المشهد يبقى واحدًا.. الجميع يتمحور في المنطلق نفسه: الغد لا يُؤجَّل، والمسار يجب ألاّ ينحرف.
حين يحرس الإنسان غدَه
لا يمكن تفسير هذه المشاهد بالعاطفة وحدها، إنها تحتاج إلى لغةٍ أخرى.. لغة تناولها الأنثروبولوجي أرجون أبادوراي؛ عندما تحدّث عن القدرة على التطلّع إلى المستقبل، كونها ليست مجرد أمنية، هي قدرة ثقافي؛ لأنّ المجتمعات التي تستطيع المحافظة على خيالها للغد، حتى في أكثر الظروف قسوة، بحسب قوله، تمتلك موردًا لا يقلّ أهمية عن مواردها الاقتصادية أو السياسية.. بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، لم يكن هذا المعنى فكرةً مجرّدة، كان حاضرًا في قاعة الدرس، في الكتاب، في الامتحان، في المهنة التي يحلمون بها، في المصير الذي رفضوا أن يخضعوا له رغمًا عن إرادتهم وعزمهم ورؤيتهم.
أستحضر، في هذا السياق، المفكّر باولو فريري، والذي رأى أنّ التعليم فعلًا لاستعادة الإنسان قدرته على صناعة تاريخه.. ربما لهذا السبب، كان إصرار هؤلاء الشباب على دخول قاعات الدرس وخوض الامتحانات، للدفاع عن حقّهم في أن يبقوا فاعلين في كتابة مستقبلهم، رافضين وغير آبهين ما ستقرّره الحرب، لأنّهم هم صنّاع هذا المستقبل.
العلامة التي لم تظهر في كشف العلامات
بعد انتهاء الامتحانات، قرأت النتائج كما يفعل كل أستاذ جامعي، ثم أغلقت كشف العلامات. لكن شيئًا بقي مفتوحًا في ذهني، شعرت أنّ هناك علامةً لم تُكتب، علامةً لم يمنحها أستاذ، ولم ترصدها جامعة.. كانت علامة الإنسان..علامة من رفض أن تسمح الظروف بإعادة تعريفه، فلم يقبل أن يكون مجرّد مهجّر، ولا مجرّد متضرّر، ولا مجرّد رقم في نشرات الأخبار.. لقد أصرّ أن يبقى طالبًا وباحثًا وحالمًا وصاحب مشروع حياة.
هذا العام، اكتشفت أننّي كنت أتعلم من الطلاّب أكثر ممّا كانوا يتعلّمون مني.. كان بعضهم يأتي من قريةٍ هجّر منها.. وبعضهم يترك خلفه بيتًا لا يعرف متى يعود إليه.. وبعضهم يدخل قاعة الدرس بعد ليلةٍ طويلة من القلق على أهله وأحبته.. مع ذلك.. حضروا بعزيمتهم وإصرارهم على كسر إرادة المعتدي.. وهنا سألت نفسي: من أين يأتي هذا الإنسان بكل هذه القدرة؟ .. أهو عناد؟ أم شجاعة؟ أم محاولة للهروب من الواقع؟ أعتقد أن الجواب أعمق من ذلك كله.. في تلك اللحظة، تيقّنت أنّ الجامعة لم تكن تمتحن معلوماتهم .. كانت تمتحن حياتهم بصمت، وكانت تمتحن علاقتهم بالغد..
لقد اختار هؤلاء الشباب أن يكتبوا إجاباتهم بشكل مغاير، فلم يرفعوا شعارات.. ولم يعلنوا بطولات.. لكنّهم فعلوا شيئًا أعمق أثرًا.. لقد كانت إجاباتهم واضحة، لم يكتبوها بالحبر.. بعضهم كتبها بدمائه، أو بجراحه، وبعضهم كتبها بالحضور والإصرار والثبات والاستمرار.. كأنهم يقولون، من دون النطق بكلمة واحدة: لن نسمح لأحد، إيًا كان، أن يحدّد مصيرنا، أو أن يهزم إرادتنا.. لقد كانوا يدافعون عن شيء لا يُرى.. عن الكرامة وعزّة النفس وصون الأرض والوطن .. .. لقد أثبتوا بأنّ المستقبل لا يُمنح... بل يُصنع.. فخطّوا وسطّروا مصير أمّة.
-
المصادر والمراجع
- Appadurai, A. (2004). The Capacity to Aspire: Culture and the Terms of Recognition.
- Arendt, H. (1958). The Human Condition.
- Bourdieu, P. (1986). "The Forms of Capital." In Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education.
- Das, V. (2007). Life and Words: Violence and the Descent into the Ordinary.
- Frankl, V. E. (2006). Man's Search for Meaning.
- Freire, P. (1994). Pedagogy of Hope: Reliving Pedagogy of the Oppressed.
- Galtung, J. (1969). "Violence, Peace, and Peace Research." Journal of Peace Research, 6(3), 167–191.
- Masten, A. S. (2014). Ordinary Magic: Resilience in Development.
- UNESCO. (2024). Global Education Monitoring Report.
- Global Coalition to Protect Education from Attack (GCPEA). (2024). Education Under Attack 2024.
- Education Cannot Wait. (2024). Global Results Report.