ليست المشكلة في دونالد ترامب أنه يبدل مواقفه، فكل السياسيين يفعلون ذلك بدرجات متفاوتة تبعًا لتغير الوقائع. المشكلة الحقيقية أن تبدل المواقف لديه لم يعد استجابة للواقع، لقد أصبح جزءًا من صناعة الواقع نفسه. هنا يكمن التحول الأخطر، لأن السياسة عندما تفقد ثباتها، لا تصبح أكثر مرونة، بل أكثر هشاشة، خصوصًا عندما تصدر عن الدولة التي ما تزال تقدم نفسها الضامن الأول للنظام الدولي.
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض لم تعد السياسة الأميركية تُقرأ فقط من خلال الوثائق الاستراتيجية أو توجهات المؤسسات، إنما من خلال إيقاع الرئيس الشخصي. تصريح صباحي قادر على قلب اتجاهات النقاش السياسي وتهديد قد يتحول، بعد ساعات، إلى دعوة للتفاوض، ثم يعود في اليوم التالي إلى لغة التصعيد وكأن المسار السابق لم يكن موجودًا. هذه ليست مجرد حيوية سياسية، هي تعبير عن انتقال تدريجي من منطق الدولة إلى منطق الشخصية.
في العلاقات الدولية، لا تكمن قيمة القوة في امتلاكها فقط، إنما في قدرة الآخرين على توقع كيفية استخدامها. إذ ن الردع لا يقوم على الغموض المطلق، بل على وضوح الحدود التي تجعل الخصم يدرك كلفة تجاوزها. أما عندما يصبح كل شيء قابلًا للتبدل، فالرسائل الاستراتيجية تفقد جزءًا من تأثيرها، ويتحول الغموض من أداة ضغط إلى مصدر ارتباك.
لعل المفارقة أن الإدارة التي ترفع شعار استعادة الهيبة الأميركية تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في استنزاف أحد أهم عناصر هذه الهيبة، وهو الثقة. الحليف لا يحتاج فقط إلى دولة قوية، أيضًا إلى دولة يمكن بناء الحسابات على استقرارها. والخصم لا يخشى القوة وحدها، هو يخشى انتظامها وقدرتها على تحويل القوة إلى قرار. وحين يغيب هذا الانتظام، تبدأ الحسابات الدولية في التغير.
لقد اعتادت الولايات المتحدة أن تقدم نفسها دولة مؤسسات، حيث يبقى القرار الاستراتيجي أكبر من الأشخاص، وأكثر دوامًا من نتائج الانتخابات. غير أن حضور ترامب الطاغي أعاد رسم صورة مختلفة، حتى بدا أن السياسة الخارجية الأميركية أصبحت تتحرك بدرجة كبيرة وفقًا لردود الفعل الرئاسية أكثر مما تتحرك وفقًا لمسار استراتيجي ثابت. هذا لا يضعف صورة الرئيس فقط، أيَا يضرب إحدى الركائز التي قامت عليها مكانة واشنطن لعقود، وهي الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قادرة على إنتاج سياسة مستقرة حتى مع تغير الإدارات.
لا يتعلق الأمر هنا بتناقض التصريحات وحده، أيَا بطريقة إنتاج القرار. إذ عندما يصبح التصعيد وسيلة متكررة، ثم يتحول التراجع إلى مخرج متكرر، فالنتيجة لا تكون تعزيز الردع، بل إنهاك صدقيته. مع مرور الوقت، يتعلم الخصوم أن كثيرًا من السقوف المعلنة قابلة لإعادة التفاوض، وبعض الخطوط الحمراء قد تكون أدوات ضغط أكثر منها حدودًا استراتيجية غير قابلة للاختبار.
في هذا السياق؛ يظهر البعد الأوسع للأزمة. ترامب لم يصنع وحده التراجع في النفوذ الأميركي، لكنه جاء في لحظة كانت فيها الهيمنة الأميركية تواجه تحديات متراكمة. إذ إن النظام الدولي لم يعد أحادي القطبية كما كان بعد نهاية الحرب الباردة، والصعود الصيني، واستعادة روسيا جزءًا من قدرتها على المناورة، وتزايد استقلالية قوى إقليمية عدة، كلها عوامل أظهرت أن قدرة واشنطن على فرض إيقاعها لم تعد كما كانت.
في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط) تحديدًا، كشفت السنوات الأخيرة أن الاحتكار الأميركي لصناعة التوازنات لم يعد مطلقًا. القوى المناهضة للنفوذ الأميركي، وفي مقدمتها محور المقاومة، استطاعت تطوير أدوات سياسية وعسكرية وإعلامية جعلت إدارة الصراع أكثر تعقيدًا بالنسبة لواشنطن وحلفائها. وبصرف النظر عن تقييم هذه القوى أو مواقفها، فالحقيقة الاستراتيجية هي أن البيئة التي كانت تتحرك فيها الولايات المتحدة بحرية أكبر لم تعد كما كانت.
لذلك، يصبح ترامب جزءًا من مشهد أكبر؛ فالشخصية المتقلبة لا تظهر في فراغ، بل داخل مرحلة انتقالية تتراجع فيها قدرة القوة الأميركية على تحويل تفوقها العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة. حين تعجز القوة الكبرى عن تحقيق أهدافها بالسهولة التي اعتادت عليها، تميل أحيانًا إلى تعويض هذا العجز بتصعيد الخطاب، أو زيادة الضغط، أو محاولة إعادة فرض صورة الهيبة من خلال الصدمة والمفاجأة.
لكن المشكلة أن الهيبة لا تُستعاد بالخطاب وحده. القوة التي تحتاج باستمرار إلى إثبات نفسها تكون قد بدأت تفقد جزءًا من قدرتها على الردع. والنفوذ لا يُقاس بعدد القواعد العسكرية أو حجم الإنفاق الدفاعي فقط، بل بقدرة الدولة على جعل الآخرين يصدقون أنها قادرة على ترجمة قوتها إلى نتائج.
لعل أخطر ما تكشفه تجربة ترامب أنها ليست أزمة رجل فقط، بل أزمة نموذج قيادة. الدولة التي كانت تصدر للعالم صورة المؤسسة القادرة على ضبط القرار، أصبحت تعاني تصاعدًا في شخصنة السياسة، حتى غدا الرئيس أحد محددات صورة الدولة نفسها. هذا ليس تعبيرًا عن قوة الفرد، بل عن ضعف قدرة النظام على إنتاج توازن بين شخصية القائد واستمرارية المؤسسة.
لهذا، فإن قراءة ترامب بوصفه شخصية استثنائية قد تكون مضللة. فهو ليس أصل الأزمة، بل أحد تجلياتها. إنه الوجه الأكثر وضوحًا لتحول أميركي أوسع، انتقلت فيه السياسة من استقرار الاستراتيجية إلى تقلب التكتيك، ومن بناء الثقة إلى استهلاكها، ومن القدرة على فرض المسار إلى محاولة التأثير في مسار لم تعد واشنطن تتحكم به وحدها.
لهذا أيضًا، السؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم لم يعد ما إذا كان ترامب سيمضي في تهديده المقبل أو سيتراجع عنه: لأن هذا السؤال يتعلق بالرجل. أما السؤال الأهم، فيتعلق بالدولة نفسها: هل ما تزال الولايات المتحدة قادرة على إنتاج قيادة استراتيجية مستقرة في عالم يتغير بسرعة، أم أنها دخلت مرحلة أصبح فيها اضطراب القيادة أحد مظاهر التحول الأكبر في النظام الدولي؟
عندما تصل دولة عظمى إلى هذه المرحلة، لا يكون الخطر في خطأ قرار بعينه، بل في أن يتحول الاضطراب إلى منهج، والتقلب إلى هوية، والشخص إلى مرآة تعكس أزمة بنيوية تتجاوز حضوره، وقد تستمر حتى بعد خروجه من المشهد.