يقول المؤرخ والمحاضر في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة، الدكتور لي مردخاي، ضمن مقال في صحيفة “هآرتس”، إنه قد مضى 33 شهرًا على السابع من أكتوبر، ويبدو كأن الحياة عادت إلى مجراها الطبيعي، في ظل انشغالات بقضايا داخلية. أما غزة وما ارتُكب فيها من جرائم عديدة، ومَن يتحملون المسؤولية عنها، فلا تكاد تحظى بحضور في النقاش العام.
يضيف محذرًا: “هذا ليس خللًا عارضًا، بل سِمة متكررة على غرار ما حدث بعد كل جولة من جولات القتال خلال العقدين الماضيين. ينسى الإسرائيليون بسرعة، وهذا النسيان هو الذي أدى إلى هجوم 7 أكتوبر، واستمراره سيقود، في المستقبل القريب، إلى انهيار ما تبقى من إسرائيل الليبرالية، وفي المستقبل الأبعد سيؤدي إلى تكرار حدث مشابه لما وقع في السابع من أكتوبر”.
طبقًا لمردخاي، تساهم المؤسسات الإسرائيلية المسؤولة عن إنتاج المعرفة في هذا النسيان، وفي مقدمتها وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية، عبر تهميش ما يجري في غزة. يقول إن كونه مؤرخًا إسرائيليًا اختار توثيق الأحداث في غزة، فإنه يعرض هنا تذكيرًا بمجموعة من المسائل:
محاكم دولية
تواجه إسرائيل دعوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة، وفي موازاة ذلك، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الحكومة الإسرائيلي الحالي ووزير الأمن السابق بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. كذلك طلبت المحكمة أيضًا إصدار مذكرات توقيف سرية، يُرجح أنها تتعلق بالتهمة نفسها، بحق كل من وزير المال ووزير الأمن القومي ووزيرة الاستيطان، فضلًا عن اثنين من العسكريين. يستعرض المؤرخ الإسرائيلي ملامح الإبادة بالإشارة إلى مقتل أكثر من 73 ألف شخص في قطاع غزة وإصابة أكثر من 173 ألفًا، منوهًا إلى أن هذه الأرقام اعترف بها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق هرتسي هليفي، الذي صرح بأن أكثر من 10% من سكان القطاع قُتلوا أو أُصيبوا.
ينبه مردخاي إلى أن هذه الأرقام تشمل ما لا يقل عن 20 ألف طفل، ويرى أنها تمثل تقديرًا أقل من الواقع، وأن العدد الحقيقي للوفيات ربما يكون أعلى. يشير إلى أنه قبل عام، قدّرت صحيفة “هآرتس” عدد القتلى بنحو 100 ألف، قُتل أكثر من ألف منهم خلال فترة “وقف إطلاق النار” الحالية.
سياسات تجويع
يؤكد المؤرخ الإسرائيلي أن إسرائيل منعت إدخال المواد الغذائية إلى القطاع مدة شهرين ونصف الشهر، الأمر الذي أدى إلى وفاة مئات الفلسطينيين جوعًا. يضيف عن هذه الجريمة: “عندما سمحت باستئناف دخول المساعدات، جرى ذلك عبر “مؤسسة غزة”، وهي مبادرة إسرائيلية – أمريكية أسفرت عن مقتل نحو 2600 فلسطيني وإصابة نحو 20 ألفًا في أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء لعائلاتهم”.
عن ذلك يضيف: “تشير دراسة أكاديمية إلى أن متوسط العمر المتوقع في القطاع انخفض إلى نحو نصف ما كان عليه قبل السابع من أكتوبر. وتعرضت غزة لدمار واسع؛ فبعد عامين على اندلاع الحرب، يتضح أنه تضرر أو دُمر 81% من مباني القطاع، و90% من منشآت الطاقة، و74% من شبكة الطرقات، و88% من البنية التحتية للمياه، وهذه مجرد أمثلة، وليست قائمة شاملة”.
منع الصحافيين
يذكر بأن سلطات الاحتلال تسيطر على المعلومات الخارجة من قطاع غزة، إذ لم تسمح منذ 33 شهرًا للصحافيين بدخول القطاع بصورة مستقلة، منوهًا إلى أن السبيل الوحيد للدخول هو عبر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الذي يحدد ما يمكن للصحافيين مشاهدته، ويفرض عليهم عرض الصور التي يلتقطونها على الجيش. كما يذكر أن الرقابة العسكرية، إلى جانب ميل وسائل الإعلام إلى الرقابة الذاتية، تمنع حصول الإسرائيليين على صورة كاملة للواقع الذي يشكل حياتهم. موضحًا أنه في هذه الأثناء، تُظهر استطلاعات الرأي، تبني الجمهور الإسرائيلي مواقف متشددة، إذ أظهر استطلاع أجراه معهد “أكورد” أن 62% من الجمهور يعتقدون أنه لا يوجد أبرياء في غزة.
يمضي في توصيف جرائم الاحتلال في غزة: “نفذ الجيش الإسرائيلي، خلافًا للقانون، حملة تأثير استهدفت المواطنين الإسرائيليين. فنشر عبر قناة في منصة تلغرام كان يديرها سرًا، مقاطع فيديو تتضمن مشاهد عنف شديد وإساءة معاملة بحق فلسطينيين. ومؤخرًا، رُقي القائد المسؤول عن هذه الحملة إلى منصب مدير هيئة الإعلام الوطنية في إسرائيل، فضلًا عن أن القاضي الحاخام أبراهام زربيب، الذي تفاخر بتسوية غزة بالجرافات، اختير لإشعال أحد المشاعل في احتفالات يوم الاستقلال”.
نظام السجون.. ثقب أسود
يقول إن نظام السجون الإسرائيلي هو أشبه بـ”ثقب أسود” يبتلع حياة مَن يدخله: هناك أكثر من 4500 فلسطيني محتجزين ضمن إطار الاعتقال الإداري أو بموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين”، وهما الإطاران القانونيان اللذان يسمحان باحتجاز أشخاص من دون توجيه اتهامات إليهم، ومن دون منحهم حقوقًا أساسية. منذ السابع من أكتوبر، توفي أكثر من مئة فلسطيني داخل أماكن الاحتجاز، ومقارنةً بمعتقل غوانتانامو، توفي تسعة معتقلين خلال 21 عامًا. يشير إلى توقف زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين بصورة كاملة منذ أكثر من عامين ونصف العام، بموافقة من المحكمة الإسرائيلية العليا.
طبقًا لمردخاي، يتحدث محامون يمثلون معتقلين فلسطينيين، إلى جانب تقارير صادرة عن منظمات حقوق الإنسان وتغطيات إعلامية دولية، عن تعرض المعتقلين لمختلف أشكال سوء المعاملة، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية، وأن الفلسطينيين الذين يغادرون منظومة الاحتجاز يخرجون محطّمين نفسيًا وجسديًا.
يقول إنه بعكس آمال بعض الإسرائيليين، فإن المؤسسات الإسرائيلية القائمة غير قادرة، وغير راغبة في التحقيق مع نفسها أو كبح تجاوزاتها. يؤكد أنه خلال الأعوام الثلاثة الماضية جرى تجاوز جميع الخطوط الحمراء. فقد سبق أن قال رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي: “لم يحدث، ولو مرة واحدة، أن قيّدني أحد، ولا حتى المدعية العسكرية العامة”.
تابع: “أخبرني ضابط كبير في أحد الألوية النظامية بالتالي: “نحن (الجيش الإسرائيلي) نحتجز مئات العبيد”، في إشارة إلى فلسطينيين يستخدمهم الجيش فيما يُعرف بـ”بروتوكول البعوض” (استخدام الفلسطينيين كدروع بشرية ووصفهم بالبعوض)”. يقول أيضًا إن تراجع المعايير الأخلاقية في الميدان دفع نقيبًا في الاحتياط إلى مطالبة المؤسسة العسكرية، علنًا، بوضع حدود له ولجنوده (“هآرتس”، 4 تموز/ يوليو الجاري).
من دون حسيب أو رقيب
طبقًا لمردخاي، لم ينجح جيش الاحتلال في الواقع، حتى في فرض الانضباط في قضايا يراها أقل خطورة من قتل الفلسطينيين. بعد أكثر من عامين من معارضة القيادة العسكرية العليا لما يُعرف بـ “شارة المسيح” (إشارة إلى جندي من فرقة ناحل وضع على زيه العسكري شارة تحمل اسم المسيح)، حُكم على جندي واحد بالسجن مدة شهر، قبل أن يُخفف الحكم عليه تحت ضغط سياسي. نظام السجون الإسرائيلي هو أشبه بـ”ثقب أسود” يبتلع حياة مَن يدخله: هناك أكثر من 4500 فلسطيني محتجزين ضمن إطار الاعتقال الإداري أو بموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين”،
عن الاستنكاف عن أي تحقيق بالجرائم، يضيف: “خلال أكثر من عامين بعد السابع من أكتوبر، تلقت هيئة التحقيق التابعة لهيئة الأركان العامة – التي أنشأها الجيش الإسرائيلي سنة 2014 خصيصًا لإجراء مثل هذه التحقيقات الداخلية – نحو أربعة آلاف حالة استوجبت التحقيق، لكن فُتحت تحقيقات رسمية في نحو ثمانين حالة فقط، أي ما يعادل 2% من مجموع الحالات، بينما لم تصل حالات أخرى كثيرة تتعلق بإصابة أو مقتل مدنيين إلى هذه الآلية أصلًا”.
كذلك يشير لي مردخاي إلى أنه خلال السنة والنصف الأولى من الحرب، لم تُقدم سوى ثلاث لوائح اتهام تتعلق بجرائم ارتُكبت بحق فلسطينيين؛ انتهت إحداها بإدانة، بينما أُغلقت أخرى كانت تخص أفرادًا من “القوة 100″، وُثقت إساءة معاملتهم لفلسطيني، وأُعيد المتهمون بعدها إلى الخدمة الفعلية، بل التقوا أيضًا وزير الدفاع الذي اعتذر منهم.
يخلص المؤرخ الإسرائيلي إلى القول إن هذه المعطيات، في معظمها، معروفة أصلًا، وكان من المفترض في أي دولة سليمة أن تتمحور الانتخابات حول هذه الوقائع وتداعياتها، لكنها ستُنسى في إسرائيل خلال الصيف.