أحلام المتعلّمين اللبنانيين بين طموح النجاح وضغوط الواقع‎

post-img

د. بياريت فريفر (صحيفة البناء)

لم يعد التعليم في لبنان مجرّد رحلة نحو شهادة جامعية، بل هو في وجدان آلاف الشباب وعدٌ بمستقبل أفضل، ومحاولة دائمة لكسر قيود الواقع. فمنذ عقود، شكّل العلم إحدى أبرز ركائز الهويّة اللبنانيّة، وكان المتعلم اللبنانيّ يُعرَف بشغفه بالمعرفة وقدرته على المنافسة في أرقى الجامعات وأسواق العمل حول العالم. إلا أنّ هذا الحلم، الذي كان يوماً يبدو قريب المنال، بات اليوم يسير فوق أرض مثقلة بالأزمات، حيث تتشابك التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لتجعل من مقاعد الدراسة ساحات صامتة للصمود.

يكبر المتعلّم اللبنانيّ في وطنٍ اعتاد أن يعلّمه الدروس القاسية قبل أن تشرحها الكتب. فهو لا يدرس التاريخ فقط، بل يعيش أحداثه؛ ولا يقرأ عن الأزمات الاقتصادية في المناهج، بل يراها في تفاصيل يومه، وفي قلق والديه، وفي قدرة أسرته المتراجعة على تأمين أبسط مستلزمات الحياة. وهكذا يصبح التعليم، الذي يُفترض أن يكون حقاً طبيعياً، مشروعاً يومياً يتطلّب تضحيات مستمرة، ليس من المتعلم وحده، بل من الأسرة بأكملها.

ولعلّ أكثر ما يؤلم في هذه الصورة أنّ الضغوط التي تثقل كاهل المتعلّمين لم تعد تقتصر على الأقساط المدرسيّة أو تكاليف النقل والكتب، بل امتدّت إلى شعور عميق بعدم اليقين. فالمتعلّم الذي يجتهد سنوات طويلة لا يسأل نفسه اليوم كيف سينجح في ظلّ معضلة الإفادات أو الإمتحانات، بل يتساءل أيضاً: هل سيجد فرصة تليق بعلمه؟ وهل سيبقى في وطنه أم سيكون النجاح نفسه جواز سفر إلى الهجرة؟ وهنا تتحوّل الشهادة من رمز للاستقرار إلى تذكرة بحث عن وطن بديل، في مفارقة مؤلمة تستنزف طاقات المجتمع وعقوله.

وليس خافياً أنّ الأزمات المتلاحقة تركت آثاراً نفسيّة عميقة على المتعلّمين. فالقلق المستمر، وانعدام الاستقرار، والخوف من المستقبل، عوامل تضعف التركيز، وتؤثر في الدافعية، وتحوّل سنوات الدراسة، التي يفترض أن تكون مرحلة لاكتشاف الذات، إلى مرحلة يطغى عليها التوتّر والضغوط. إنّ المتعلم الذي يجلس في قاعة الدرس قد يكون منشغلاً بأسئلة لا علاقة لها بمناهجه: هل تستطيع أسرته دفع القسط المقبل؟ هل سيتمكّن من الوصول إلى جامعته؟ وهل سيكون لما يتعلّمه مكان في وطن يضيق يوماً بعد يوم بفرص أبنائه؟

ومع ذلك، فإنّ أكثر ما يلفت الانتباه ليس حجم المعاناة، بل قدرة هؤلاء الشباب على الاستمرار. ففي كلّ صباح، يحمل آلاف المتعلّمين حقائبهم كما لو أنهم يحملون رسالة، ويذهبون إلى مدارسهم وجامعاتهم بإيمان هادئ بأنّالمعرفة لا تزال قادرة على فتح الأبواب التي أغلقتها الأزمات. إنهم يدرسون في ظروف استثنائية، لكنهم يرفضون أن تكون ظروفهم الاستثنائية مبرّراً للتخلّي عن أحلامهم. وهذا الإصرار ليس مجرد نزعة فردية، بل تعبير عن ثقافة مجتمعية ترى في العلم آخر ما تبقى من أدوات النهوض.

غير أنّ التعويل على صمود المتعلّمين وحده يحمل قدراً من الظلم. فالإرادة، مهما بلغت قوّتها، لا تستطيع أن تعوّض غياب السياسات التعليميّة الفاعلة، ولا أن تحلّ محلّ الدعم الاقتصاديّ والاجتماعيّ وحتّى الثقافيّ.

إنّ حماية التعليم لا تعني فقط إبقاء المدارس والجامعات مفتوحة، بل تعني بناء بيئة يشعر فيها المتعلم بأنّ جهده لن يضيع، وأنّ المجتمع يقدّر علمه، وأنّ المستقبل ليس امتيازاً لفئة محظوظة، بل حقاً لكلّ من يجتهد ويثابر.

إنّ الأزمة التعليمية في لبنان ليست أزمة مدارس أو جامعات فحسب، بل هي مرآة لأزمة مجتمع بأكمله. فحين يصبح التعليم مهدّداً، يصبح المستقبل نفسه مهدّداً؛ لأنّ الأوطان لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تستثمره في عقول أبنائها. وكلّ متعلّم ينسحب من مقاعد الدراسة بسبب الفقر، أو يهاجر يائساً بعد تخرّجه، لا يمثل خسارة شخصية فقط، بل خسارة وطنية يصعب تعويضها (الفرص الضائعة).

ورغم كلّ ذلك، تبقى أحلام المتعلّمين اللبنانيين أكثر صلابة من الظروف التي تحاصرها. فهم يدركون أنّ الطريق إلى النجاح لم يعد مستقيماً، لكنه ما زال ممكناً، وأنّ المعرفة، مهما ضاقت السبل، تظلّ أوسع من الأزمات. ولعلّ أعظم ما يميّز هؤلاء الشباب أنهم لا يحلمون لأنّ الواقع يسمح لهم بالحلم، بل يحلمون لأنهم يؤمنون بأنّ الأوطان لا تُبنى بالاستسلام، وإنما بعقول ترفض الانكسار، وقلوب ترى في كلّ كتاب يُفتح نافذةً جديدة على مستقبل يستحق أن يُنتظر ويُصنع…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد