كوزو أوكاموتو: الأممي حتى الممات

post-img

أيهم السهلي (صحيفة الأخبار)

لسنوات ظل قبر اليابانيين، كما يقول المسؤول عن مثوى شهداء فلسطين، في بيروت، فارغاً، وهو يقصد القبر الرمزي لشهداء عملية مطار «اللد».

في سنة 2011 توفي أوسامو ماروكا المسؤول العسكري في «الجيش الأحمر الياباني»، فجاءت شقيقته إلى بيروت، حاملة بعضاً من عظام شقيقها لتدفنها في القبر الرمزي، تنفيذاً لوصيته، وفي القبر أيضاً حفنة رماد من رفيقه هيموري، الذي أحرق نفسه في طوكيو، احتجاجاً على المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في مدينة جنين الفلسطينية في العام 2002 الذي كان أوصى بدفنها في المكان نفسه.

وأمس توفي كوزو أوكاموتو (أحمد) في بيروت، وسيدفن في القبر ذاته، مع رفاقه، وسيظل هذا القبر رمزاً للنضال الأممي في أقوى أمثلته وأنصعها. إلى جوار قبور أخرى لمناضلين من بلدان مختلفة عربية وأجنبية، كلهم أتوا للنضال من أجل حرية فلسطين.

سيضم هذا القبر جسد الإنسان الذي التحق بالثورة الفلسطينية، وبالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تحديداً.

شارك كوزو المجموعة التي خاضت عملية مطار «اللد» في 30 أيار 1972، وكانت مؤلفة من كوزو وتسويوشي أوكودايرا (باسم) الذي كان قائد الخلية وياسوكي ياسودا (صلاح). استشهد باسم وصلاح في تبادل إطلاق النار في المطار، بعد أن قتلت المجموعة عالم السلاح البيولوجي الإسرائيلي أهارون كاتسير، عدا عن 26 شخصاً قتلوا، وأصيب 80 غيرهم؛ ولما ظل كوزو وحده، استمر بالهجوم، إلى أن تمّت السيطرة عليه، ووقع في الأسر. وحكمته المحكمة الإسرائيلية مدى الحياة، لكن أفرج عنه ضمن عملية صفقة تبادل الأسرى (عملية الجليل) التي قامت بها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة» سنة 1985، وخلال سنوات أسره، تعرض لتعذيب شديد، جسدي ونفسي، كما أمضى 6 سنوات في السجن الانفرادي.

برحيل كوزو أوكاموتو (أحمد)، يستذكر أبطال الثورة الفلسطينية زماناً كانت فيه أحلامهم كبيرة، وكانوا يصدقونها. فبعضهم ذهب إلى المستحيل ليصل إلى هدفه الواضح، وهو فلسطين. مثلهم كان كوزو الياباني الذي ولد سنة 1947/ في بلدة كاكوئي في جزيرة كوامموتو اليابانية، وكان من ضمن عائلة مؤلفة من 6 أفراد. وفي اليابان أنهى دراسته الجامعة في علوم النبات، وتعلّم عدة لغات من بينها العربية والإنكليزية والعبرية والروسية والصينية.

وعلى درب شقيقه الأكبر تاكِشي أوكاموتو، الذي كان جزءاً من تنظيم شيوعي، وخطف طائرة يابانية إلى كوريا الشمالية سنة 1969، ذهب كوزو، وانضم إلى «الجيش الأحمر الياباني» الذي ارتبط نضاله الأممي بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونضالها من أجل فلسطين.

كوزو أوكاموتو ورفاقه، ليسوا مجرد أسماء مرّت بتاريخ القضية والثورة الفلسطينية، بل إنهم شكلوا فكرة الضمير العالمي الذي لا يتضامن فقط مع القضايا، بل يذهب أبعد، فينتمي إلى أهلها ويصير منهم، ويعمل معهم من أجل حقوقهم.

هكذا كان هؤلاء، ولعل الأسماء التي ذكرتها أعلاه، وغيرهم، يجعلون الحلم ممكناً. ومشهد فوساكو شيغينوبو (مريم)، وهي متشحة بالكوفية الفلسطينية، بعد خروجها مباشرة من السجن سنة 2022، حيث أمضت نحو 21 عاماً، لنشاطها في الجيش الأحمر الذي أسسته، يعطي الحلم الأمل الذي ينقصه، وهو الاستمرار وعدم اليأس، والذهاب إلى صنع المستحيل.

وهذا المستحيل الذي لم يعرفه كوزو الذي عاش بين الفلسطينيين واللبنانيين، وحمل صفة اللاجئ رقم واحد في لبنان سنة 2000، قال للمحقق الإسرائيلي «أتيت لأقاتل الأعداء وأنتم أعدائي».

كوزو وغيره من المناضلين الفلسطينيين والعرب والأمميين يرحلون وفلسطين محتلة، ربما لم يخطر في بالهم أن تبقى إلى هذا اليوم، ولم يخطر في بالهم أن يستمر قتل الشعب وقضم الأرض، وبيع بعض القادة الفلسطينيين والعرب لأوطانهم.

ومع ذلك، كوزو وغيره من المناضلين الفلسطينيين والعرب والأممين، ألهموا شوارع العالم التي ستظل تستحضرهم كلما انتفضت من أجل فلسطين كما انتفضت من أجل غزة في إبادتها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد