علي نور الدين (صحيفة المدن)
بعد اندلاع الحرب في بداية شهر آذار الماضي، كان من الصعب المضي سريعاً في الخطوات الإصلاحيّة المطلوبة لإنجاز الاتفاق مع الصندوق النقد الدولي. فالتغيّرات التي كانت تطرأ باستمرار على ميزانيّة مصرف لبنان، والتداعيات التي لحقت بماليّة الدولة، فضلاً عن حجم الخسائر الماديّة، لم تكن تسمح بوضع فرضيّات مستقرّة يمكن الركون إليها، لتثبيت الخطط المرتبطة بمستقبل القطاع المالي والدين العام. وفي واقع الأمر، استمرّت محادثات السلطات اللبنانيّة مع الصندوق، كما استمرّ تحديث الأرقام المرتبطة بالواقع المالي والنقدي. غير أنّ انقشاع غبار الحرب كان ضرورياً لإنجاز هذا الاتفاق.
لا يمكن القول إنّ لبنان طوى صفحة الحرب كلياً، مع استمرار الاحتلال والاعتداءات في جنوب لبنان. كما أن احتمالات التصعيد ما زالت قائمة حتّى اللحظة. لكنّ الهدوء النسبي الذي شهدته معظم المناطق اللبنانيّة أتاح تحريك هذه الملفّات الاقتصاديّة، وأصبح من الممكن تحديد المسارات التي ستحكم مستقبل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.
تعديل قانون إصلاح أوضاع المصارف
يمكن القول إنّ هذا المُسار يُعد الأكثر نضجاً واكتمالاً، من بين المسارات الحاسمة الثلاثة. فمجلس النوّاب كان قد أقرّ هذا القانون سابقاً في شهر تمّوز 2025، بهدف وضع الإطار التشريعي المتعلّق بعمليّات تقييم المصارف وتحديد مصير كلّ منها، كما يفصّل هذا القانون صلاحيّات لجنة الرقابة على المصارف والهيئة المصرفيّة العليا. لكنّ الصيغة النهائيّة من هذا القانون خالفت في العديد من جوانبها توصيات صندوق النقد، كما أبطل مجلس الشورى بعض أجزاء القانون. ولهذا السبب، كان على الحكومة اللبنانيّة إعداد تعديلات جديدة، وإرسالها إلى المجلس النيابي.
واظبت لجنة المال والموازنة، حتّى يوم الأربعاء الماضي، على وضع اللمسات الأخيرة على هذه التعديلات. ويمكن القول إنّ اللجنة مرّرت حتّى اللحظة الصيغة التي أرسلتها الحكومة، والتي تتوافقت مع شروط صندوق النقد، باستثناء التسوية التي طرأت على المادّتين 3 و13، والتي أعادت حصر دور الهيئة المصرفيّة العليا في معالجة أوضاع المصارف المتعثّرة، من دون منحها صلاحيّة طلب إصدار التعاميم. كما ثبّتت هذه التسوية دور المجلس المركزي لمصرف لبنان، في المحافظة على الاستقرار المالي والنقدي وضمان سلامة ومتانة النظام المصرفي.
من المفترض أن يتّضح لاحقاً موقف صندوق النقد من الصيغة الأخيرة لمشروع القانون، بعد خروجه من لجنة المال والموازنة، بعدما وافق سابقاً على الصيغة الأولى التي أقرّتها الحكومة. ومع ذلك، من المهم التذكير بأنّ الهيئة العامّة للمجلس النيابي ستملك خيار التصويت على الصيغة التي تراها مناسبة، إذا ما تبيّن أنّ التسوية التي حصلت في لجنة المال والموازنة لن تنال موافقة صندوق النقد. كما من الممكن أن يتم اقتراح تعديلات إضافيّة على مشروع القانون، عند مناقشته لاحقاً في اللجان المشتركة. ولهذا السبب، من المبكر الجزم بشكلٍ نهائي بالصيغة الأخيرة التي ستُقر بالنسبة لهذه التعديلات.
مشروع قانون الفجوة الماليّة
يُعد هذا المسار الأشهر والأكثر إثارة للجدل في النقاش العام، من بين المسارات المرتبطة بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. فهذا القانون سيُحدد، عند إقراره، الهامش المضمون فوراً من كل وديعة، كما سيُحدد كيفيّة تسديد الجزء المتبقي من الودائع على مراحل زمنيّة طويلة. وسيشمل القانون آليّات توزيع الخسائر، وقدر الخسائر التي سيتم تحميلها إلى رساميل أصحاب المصارف، فضلاً عن كيفيّة التدرّج في عمليّة إعادة الرسملة.
وكانت الحكومة قد أقرّت مشروع القانون سابقاً قبل الحرب، من دون أن تبدأ مناقشته في اللجان النيابيّة بعد، مع العلم أن تطبيق قانون إصلاح أوضاع المصارف سيبقى معلّقاً حتّى بعد إقراره، بانتظار إقرار قانون الفجوة الماليّة. وفي جميع الحالات، من المتوقّع أن يكون هناك سجال بالنسبة إلى حصّة الدولة في عمليّة توزيع الخسائر، كما أنّ هناك اتجاهاً واضحاً لإعادة مناقشة فرضيّات القانون نفسها، في ضوء التغيّرات النقديّة التي فرضتها الحرب الأخيرة. مع الإشارة إلى أنّ صندوق النقد يحرص منذ البداية على الحد من تحميل الأموال العامّة كلفة خسائر القطاع المصرفي، لمنع تضخيم الدين العام إلى حدٍ غير مستدام.
باختصار، لم يتم تجاوز السجال المتعلّق بهذا المسار بمجرّد إقرار مشروع القانون في الحكومة. بل من المرتقب أن تشهد لجنة المال والموازنة سجالاً لا يقل حماوة، وخصوصاً إذا ما قررت اللجنة إعادة النظر بالأرقام والمعطيات التي تم الاستناد إليها قبل حصول الحرب، والتي تغيّرت بسبب الحرب نفسها.
الإطار المالي المتوسّط الأجل
يُعتبر هذا المسار الأقل شهرة من بين المسارات الثلاثة، رغم أهميّته الشديدة بالنسبة إلى مستقبل ماليّة الدولة، وكيفيّة إدارة الدين. إذ من المفترض أن يحدد هذا الإطار خطّة الدولة الماليّة للسنوات الخمس المقبلة، عبر وضع تقديرات واضحة للإيرادات والنفقات والعجز وحاجات التمويل، وربطها بمسار واقعي لإعادة الدين العام إلى مستويات قابلة للاستدامة. كما يفترض أن يضع سقوفاً للإنفاق، وأن يحدّد الأولويّات القطاعيّة والإصلاحات الضريبيّة والماليّة المطلوبة، ما يضع رؤية ماليّة بعيدة المدى. وعلى أساس هذه الخطّة، سيكون بإمكان الدولة اللبنانيّة إطلاق التفاوض مع حملة السندات اليوروبوند، لإعادة هيكلة الدين العام.
قبل اندلاع الحرب، كانت وزارة الماليّة تعمل على إنجاز هذا الإطار، للتمكّن من طرحه وإقراره في مجلس الوزراء. لكن الحرب عطّلت مؤقتاً هذا المسار، بعدما تغيّرت جذرياً الفرضيّات التي يمكن الاستناد إليها، لجهة معدلات النمو المتوقّعة وحجم الإيرادات والنفقات وحاجات إعادة الإعمار والتمويل. وهذا ما يفرض إعادة صياغة الإطار، في ضوء الخسائر المستجدة، مع ربطه بمسار إعادة هيكلة الدين والقطاع المصرفي.