وائل خليل ياسين (صحيفة المدن)
لم تكن الأزمة اللبنانية الراهنة مجرد أزمة اقتصادية أو مالية أو نتيجة سوء إدارة عابر، بل هي نتيجة مسار طويل تحولت خلاله الدولة من مؤسسة يفترض أن تكون إطارًا لحماية المواطنين وتحقيق المصلحة العامة إلى مساحة تتنافس فيها شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي على السيطرة على الموارد ومراكز القرار.
فالمشكلة الأساسية في لبنان لم تكن فقط في فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة الدولة، بل في طبيعة النظام الذي سمح بتداخل السلطة السياسية مع المصالح الخاصة، وحوّل مؤسسات الدولة تدريجيًا إلى أدوات تخدم منظومات النفوذ بدلاً من أن تكون مؤسسات مستقلة تعمل لمصلحة المجتمع.
وهنا يظهر مفهوم *الأوليغارشية* فهي لا تعني فقط حكم الأثرياء، بل تشير إلى نظام تتحكم فيه أقلية تمتلك النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتستخدم هذا النفوذ للحفاظ على امتيازاتها وإعادة إنتاج سلطتها، بحيث تصبح المؤسسات العامة جزءًا من منظومة تخدم مراكز القوة بدل أن تكون خاضعة للمساءلة الشعبية.
لقد نشأ النظام اللبناني الحديث على توازنات طائفية كان يفترض أن تكون وسيلة لإدارة التنوع الاجتماعي والسياسي، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى منظومة لإعادة إنتاج الزعامات، حيث أصبح الانتماء الطائفي في كثير من الأحيان أداة لتنظيم الولاءات السياسية بدل أن يكون مجرد تعبير عن هوية اجتماعية أو ثقافية.
ومع ضعف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على القيام بدورها الطبيعي، تحولت الطائفة والحزب والزعامة إلى بدائل عن الدولة. فأصبح المواطن لا يبحث فقط عن ممثل سياسي، بل عن جهة تؤمن له الحماية والوظيفة والخدمة والقدرة على مواجهة عجز المؤسسات الرسمية.
ومن هنا نشأت علاقة غير متوازنة بين المواطن والسلطة؛ علاقة لا تقوم على الحقوق والواجبات، بل على منطق التبعية والحاجة. فكلما ضعفت الدولة، ازدادت قوة الشبكات الخاصة، وكلما تراجع الاقتصاد المنتج، ازدادت قدرة أصحاب النفوذ على التحكم بمصادر العيش.
لقد تشكل في لبنان نموذج سياسي واقتصادي يقوم على تداخل السلطة مع المصالح الخاصة، حيث لم تعد بعض القوى السياسية تعتمد فقط على البرامج أو المشاريع العامة، بل على بناء شبكات ولاء مرتبطة بالخدمات والحماية والقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وكان الاقتصاد الريعي أحد أهم أعمدة هذا النظام. فلم يكن الاعتماد لعقود طويلة على الخدمات المالية وتدفقات الأموال الخارجية والديون مجرد خيار اقتصادي، بل تحول إلى بنية سمحت بخلق طبقات مستفيدة من استمرار النظام القائم، حيث أصبحت الثروة مرتبطة بالقرب من مراكز القرار أكثر من ارتباطها بالإنتاج أو الابتكار.
ومع مرور الوقت، تحول اقتصاد الريع إلى بيئة خصبة لنمو الفساد، حيث تراكمت منظومات من المصالح التي لم تعد مجرد ممارسات فردية أو تجاوزات محدودة، بل أصبحت جزءًا من طريقة عمل النظام نفسه.
فقد سمح ضعف الرقابة واستقلالية المؤسسات بانتشار المحسوبية والتهرب الضريبي والجمركي، واستخدام الثغرات القانونية والإدارية لحماية مصالح مجموعات تمتلك النفوذ السياسي والاقتصادي. وبدل أن تكون موارد الدولة وسيلة لبناء اقتصاد منتج وتحقيق التنمية، تحولت في كثير من الحالات إلى مصادر لإعادة تغذية المنظومة السياسية نفسها.
لقد نشأ نظام يقوم على تقاسم المصالح أكثر مما يقوم على إدارة الدولة؛ نظام تتداخل فيه الزعامة السياسية مع المصالح الاقتصادية، وتصبح حماية الامتيازات أهم من بناء المؤسسات. فالفساد في هذه الحالة لم يكن مجرد خلل داخل النظام، بل أصبح إحدى الآليات التي تسمح له بالبقاء والاستمرار.
ومع تراكم الديون وتراجع قدرة الدولة على الاستمرار، ظهر الانهيار المالي اللبناني باعتباره نتيجة طبيعية لمنظومة اقتصادية وسياسية لم تعالج جذور الأزمة، بل اعتمدت على تأجيلها عبر المزيد من الاستدانة وإعادة توزيع الأعباء على المجتمع.
لكن الانهيار المالي لم يكشف فقط ضعف الإدارة الاقتصادية، بل كشف طبيعة النظام نفسه؛ فالمواطن اللبناني وجد نفسه أمام دولة عاجزة عن حماية مدخراته وتأمين الخدمات الأساسية، في حين بقيت القوى السياسية التي شاركت في إدارة هذا النظام محافظة على نفوذها وشبكاتها.
وكان المواطن هو الطرف الأكثر تضررًا من هذا المسار. فمع ارتفاع البطالة، وتراجع فرص العمل، وانهيار الخدمات، أصبحت الحاجة الاقتصادية وسيلة إضافية لتعزيز السيطرة السياسية. فالمواطن الذي لا يستطيع الحصول على وظيفة أو علاج أو خدمة من خلال دولة عادلة، يصبح أكثر عرضة للارتباط بمن يستطيع تأمين هذه الاحتياجات عبر شبكات خاصة.
وهكذا تحولت الحاجة إلى أداة لإنتاج الولاء. فبدل أن يكون المواطن صاحب حق يطالب به من الدولة، أصبح في كثير من الأحيان مضطرًا إلى البحث عن وسيط سياسي يوفر له جزءًا من حقوقه التي يفترض أن تكون مضمونة أصلًا.
ومن هنا ظهرت إقطاعيات سياسية حديثة؛ فالحزب أو الزعيم لم يعد يعتمد فقط على مشروع سياسي أو رؤية وطنية، بل على شبكة متكاملة من العلاقات التي تربط المواطنين به عبر الخدمات والمساعدات والوظائف والحماية.
وقد رفعت هذه القوى شعارات متعددة لتبرير استمرارها؛ فتارة باسم الدفاع عن الطائفة، وتارة باسم الوطنية، وتارة باسم القومية أو التقدمية أو العدالة الاجتماعية، لكن النتيجة العملية بقيت واحدة: تكريس النفوذ وتحويل المجتمع إلى قواعد ولاء بدلاً من أن يكون مجتمع مواطنين أحرار قادرين على المحاسبة.
ولعل أخطر نتائج هذا الواقع ظهرت في العملية الانتخابية نفسها، حيث تحولت الانتخابات في كثير من الأحيان من منافسة بين مشاريع سياسية وبرامج لبناء الدولة إلى منافسة بين شبكات المال والنفوذ.
ففي مجتمع يعاني من البطالة والفقر وتراجع الخدمات، يصبح المواطن أكثر عرضة للتأثر بمن يستطيع تقديم المساعدة المباشرة أو شراء الولاء الانتخابي، بدلاً من اختيار من يقدم رؤية سياسية واقتصادية لمستقبل البلاد.
وبذلك تصبح القدرة المالية عاملًا أساسيًا في تحديد حجم التمثيل السياسي؛ فمن يملك المال والنفوذ الأكبر يمتلك قدرة أكبر على التأثير، بينما تصبح أصوات المواطنين في بعض الحالات انعكاسًا لحجم الحاجة التي صنعتها المنظومة نفسها.
وهنا تكمن خطورة النظام الأوليغارشي: فهو لا يحتاج دائمًا إلى إلغاء الانتخابات أو المؤسسات بشكل كامل، بل يستطيع الحفاظ عليها شكليًا، مع التحكم بالظروف التي تجعل المنافسة غير متكافئة، وتجعل المواطن أقل قدرة على الاختيار الحر.
إن مأساة لبنان ليست فقط في وجود طبقة سياسية فشلت في إدارة الدولة، بل في تحول هذه الطبقة إلى منظومة مغلقة تعيد إنتاج نفسها عبر السيطرة على مفاتيح السياسة والاقتصاد والمجتمع.
إن الخروج من هذه الحلقة لا يكون عبر تبديل الأشخاص فقط، بل عبر تفكيك البنية التي أنتجت هذا الواقع: بناء دولة مواطنين لا دولة طوائف، واقتصاد منتج لا اقتصاد ريعي، ومؤسسات مستقلة لا شبكات مصالح.
فالدولة التي لا تمنح مواطنيها حقوقهم تفتح المجال أمام الزعامات لتبيعهم الحماية، والاقتصاد الذي لا يوفر فرصًا عادلة يجعل الحاجة وسيلة للسيطرة، والسياسة التي تتحول إلى إقطاعيات تفقد معناها الحقيقي.
وفي النهاية، فإن التحدي الأكبر أمام لبنان ليس فقط استعادة الأموال أو إصلاح النظام المالي، بل استعادة معنى المواطنة نفسها؛ لأن الدولة لا تنهار فقط عندما تفقد مواردها، بل عندما يفقد المواطن ثقته بأنها تمثله وتحميه.