قانون الفجوة المالية: من يدفع ثمن الانهيار ويحاسب صانعه؟

post-img

حارث سليمان (صحيفة المدن)

ليس قانون الفجوة المالية الذي أرسلته الحكومة إلى مجلس النواب مجرّد مشروع قانون مالي وتقني، لتنظيم توزيع الخسائر المصرفية. إنه في جوهره، اختبار سياسي وأخلاقي وقانوني للدولة اللبنانية: هل ستتعامل مع الانهيار ككارثة طبيعية أصابت الجميع، أم ستبحث عن المسؤوليات الفعلية، وتحدد المستفيدين من النموذج الذي أوصل البلاد إلى الانهيار، ثم تسترد ما يمكن استرداده قبل أن تطلب من المودع أن يدفع الثمن؟. والمشكلة ليست في الاعتراف بوجود فجوة مالية ضخمة، فهذا أمر ثابت. المشكلة الحقيقية هي في كيفية تعريف هذه الفجوة، ومن صنَعَها، وكيف تكوّنت، وما مصادرها وأسبابها، ومن يتحمل مسؤوليتها، ومن يدفع ثمنها؟.

أُحيل مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع إلى مجلس النواب في 29 كانون الأول 2025، ولا يزال موضع بحث وتعديل حتى أيلول 2026. ومن هنا أهمية النقاش السياسي حوله، لأن القانون الذي سيخرج من المجلس لن يكون قانوناً مالياً عابراً، بل قد يحدد مصير أموال اللبنانيين، ويقرر ما إذا كانت الدولة ستبدأ مرحلة جديدة من المساءلة، أم ستكتفي بإعادة توزيع الخسائر على الحلقة الأضعف في النظام المالي، أي المودعين؟.

الفجوة المالية ليست عجز الموازنة وحده

من الخطأ السياسي والمالي اختزال الفجوة المالية اللبنانية في عبارة "عجز موازنات الدولة المتراكم". صحيح أن الدولة راكمت عبر عقود عجزاً مالياً ودَيْناً عاماً نتيجة سوء الإدارة، وضعف الجباية، والإنفاق ِ غير المنتِج، والهدر، والفساد، وأزمة الكهرباء، وتضخم القطاع العام، وسياسات مالية ونقدية غير مستدامة. لكن هذا لا يفسر وحده الحجم الهائل للخسائر التي ظهرت بعد عام 2019.

حدد صندوق النقد الدولي عدة مصادر رئيسية للخسائر، من بينها:

1. انهيار سعر الصرف.

2. القروض المتعثرة التي سُددت بغير قيمتها الفعلية.

3. إعادة هيكلة الدَيْن السيادي.

4. الخسائر المتراكمة في مصرف لبنان نتيجة العمليات النقدية والمالية، ومنها الهندسات المالية والعمليات شبه المالية.

وقدّر الصندوق حجم الخسائر الإجمالية في القطاع المالي بنحو 70 مليار دولار وفق تقديرات عام 2023، مع التأكيد أن تحديد الرقم النهائي يحتاج إلى تدقيق شامل وإعادة تقييم للأصول والالتزامات.

هذا التمييز يضع حداً للخلط المقصود أحياناً بين أمرين مختلفين: عجز الدولة ودَيْنها من جهة، وخسائر النظام المالي والمصرفي والنقدي من جهة أخرى. وهذه الأخيرة ناتجة عن مخطط بونزي احتيالي قام به مصرف لبنان وأوليغارشية المصارف وأصحاب النفوذ، عبر تأخير الانهيار من سنة 2015 إلى سنة 2019، واستغلال هذه المدة لطبع دولارات وهمية، ما ضاعف حجم الفجوة المالية. ثم قام من يملكون معلومات مميزة، عبر جريمة التداول من الداخل التي يعاقب عليها القانون 160/2011، بتحويل دولاراتهم الوهمية إلى دولارات حقيقية في الخارج.

القول إن الدولة مسؤولة عن جزء أساسي من الانهيار لا يعني أن المصارف ومصرف لبنان وكبار المستفيدين من النظام المالي غير مسؤولين عن الجزء الأساسي الآخر. والأخطر أن تحميل الدولة وحدها المسؤولية قد يؤدي عملياً إلى تحميل المواطن والمودع مسؤولية قرارات لم يتخذها.

السؤال السياسي الذي يجب أن يسبق توزيع الخسائر

قبل أن تسأل الدولة: "كم يستطيع المودع أن يخسر؟"، يجب أن تسأل: كم خسر النظام؟ ولماذا خسر؟ ومن استفاد عندما كان النظام يربح؟ ومن استفاد عندما بدأ ينهار؟ ومن تمكن من حماية أمواله قبل الانهيار؟ ومن تَرَبَّح من الانهيار؟ وهل التربح من الانهيار أمر مشروع أم جريمة يجب معاقبتها؟.

هذه ليست أسئلة شعبوية، بل أسئلة جوهرية في أي عملية إصلاح مالي جدي. فإذا كانت هناك خسائر ناتجة عن قرارات سياسية ومالية ونقدية، فيجب تحديد أصحاب القرار. وإذا كانت هناك خسائر ناتجة عن ممارسات مصرفية غير سليمة، فيجب تحديد المسؤولين عنها. وإذا كانت هناك تحويلات مالية مشبوهة أو عمليات استفاد أصحابها من معلومات غير متاحة لعامة المودعين، وتقع تحت مساءلة جريمة "التداول من الداخل" وفق القانون اللبناني رقم 160/2011، فيجب التحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها. وإذا كانت هناك أموال خرجت من النظام في ظروف تفضيلية، فيجب معرفة أصحابها وتوقيتها ومصدرها.

وبمعنى أوضح: لا يجوز أن تتحول الفجوة المالية إلى رقم فاقد الهوية، يتيم النسب، مجهول السبب، ثم تتحول الخسارة إلى فاتورة موزعة على اللبنانيين.

الهندسات المالية ليست تفصيلاً تقنياً

تحتل الهندسات المالية التي نفذها مصرف لبنان منذ عام 2015 مَوْقِعاً أساسياً في أي تحقيق جدي في جذور الأزمة. فقد أدت هذه الهندسات إلى زيادة ارتباط المصارف بمصرف لبنان، وراكمت التزامات ضخمة على المصرف المركزي، وطبعت خلافاً للصلاحيات دولارات وهمية، في عملية Ponzi schème مكنت أصحاب الحظوة من تحويلها إلى دولارات حقيقية، ووفرت للمصارف عوائد استثنائية في مقابل تدفقات مالية كانت الدولة والنظام المصرفي في أمسّ الحاجة إليها.

هذا يُلزِمُ الدولة بطرح السؤال السياسي: من قَرَّرَ؟ ومن استفاد؟ وما كلفة هذه القرارات على المال العام وعلى أموال المودعين؟ والأهمُ: لماذا استمر هذا النموذجُ رغم ظهور مؤشرات الخلل؟.

الفترة بين 2015  و2019 وما بعدها تحتاج إلى تحقيق خاص

من أكثر الملفات التي تستحق البحث الفترة الممتدة من بداية الهندسات المالية عام 2015 حتى انفجار الأزمة في 2019. فالسؤال ليس فقط: لماذا انهار النظام؟ بل أيضاً: لماذا تأخر الاعتراف بأن النموذج أصبح غير قابل للاستمرار؟.

وإذا كان بعض أصحاب القرار والمصارف والمستثمرين يمتلكون معلومات أو مؤشرات مبكرة عن هشاشة الوضع، فهل استخدم كثيرون هذه المعلومات لحماية أنفسهم أو نقل أموالهم أو تجنب خسائر كانوا سيتحملونها لو بقيت الأموال داخل النظام؟ هنا تحديداً يظهر مفهوم التداول بناءً على معلومات داخلية – Délit d’initié.

لكن ليس كل تحويل للأموال إلى الخارج جريمة تداول داخلي، وليس كل من نقل أمواله قبل الانهيار مرتكباً لهذه الجريمة. فلكي تقوم الجريمة يجب إثبات وجود معلومات جوهرية غير متاحة للعامة، واستعمالها بصورة غير مشروعة لتحقيق ربح أو تجنب خسارة. في المقابل، لا يجوز استخدام الحاجة إلى الإثبات القضائي ذريعة لعدم التحقيق أصلاً.

الأموال التي حوّلت إلى الخارج ليست كلها متساوية

من أكثر الملفات حساسية مسألة تحويل الأموال إلى الخارج قبل الأزمة وخلالها. فقد تم تحويل ما يقارب 32 مليار دولار أميركي بين منتصف سنة 2018 وخلال 2019 ومنتصف 2020. وهنا يجب التمييز بين أنواع عدة:

1. تحويل مشروع قام به مودع أو مستثمر وفق القواعد القانونية ومن دون امتياز خاص.

2. تحويل تفضيلي تمتع فيه صاحب الحساب أو صاحب النفوذ بمعاملة لم تكن متاحة لسائر المودعين، سواء عبر نفوذ سياسي أو مصرفي أو إداري.

3. أموال ناتجة عن فساد أو احتيال أو إثراء غير مشروع أو غسل أموال.

4. تحويلات لمن حظي بمعلومات مميزة عبر التداول من الداخل.

المطلوب إذن ليس مطاردة كل من أخرج أمواله، وإنما إنشاء آلية قانونية ومالية للتحقيق في التحويلات الكبيرة والمشبوهة، وتحديد مصدر الأموال وتوقيتها والجهات المستفيدة منها. فالعدالة لا تعني مصادرة الأموال بصورة عشوائية، كما لا تعني ترك الأموال غير المشروعة محمية لمجرد أنها أصبحت خارج الحدود.

القروض المرتبطة بأصحاب النفوذ

هناك أيضاً ملف القروض التي حصل عليها أشخاص أو مجموعات ذات نفوذ سياسي أو مصرفي أو اقتصادي. يجب أن يسأل التحقيق:

· هل مُنحت هذه القروض وفق الشروط نفسها التي كان يحصل عليها المواطن العادي؟

· هل كانت الضمانات حقيقية وكافية؟

· هل استُعملت أرصدتها داخل لبنان أم حُوّلت إلى الخارج؟

· هل كانت هناك قروض مقابل رهن أسهم في المصارف؟

· هل استفاد أصحاب القروض من فروقات سعر الصرف بعد الانهيار؟

· وهل سُددت بعض القروض فعلياً بالليرة اللبنانية وفق أسعار صرف أدنى بكثير من قيمتها الأصلية بالدولار؟

هذه الأسئلة تعني أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يبدأ من دفاتر المودعين وحدها، بل يجب أن يصل إلى دفاتر أصحاب النفوذ أيضاً.

أموال دعم السلع الاستهلاكية ليست رقماً واحداً

ينطبق الأمر نفسه على برامج دعم السلع والمحروقات والمواد الأساسية. كان مبرر الدعم سياسة اجتماعية واقتصادية زعمت حماية المواطنين في ظروف استثنائية، لكن ذلك لم يتحقق، وقد تسربت الأموال عبر التهريب، أو الفواتير الوهمية، أو إعادة التصدير، أو الاستفادة غير المشروعة من فروقات الأسعار.

طُرحت تقديرات تقارب 13 مليار دولار. وسواء كان هذا الرقم نهائياً أم لا، يبقى السؤال: أين ذهبت الأموال؟ وما الجزء الذي يمثل كلفة دعم فعلية؟ وما الجزء الذي يمثل هدراً أو تهريباً أو احتيالاً؟ وهذا بالضبط ما يجب أن يفعله قانون الفجوة: تحويل الأرقام السياسية المتداولة إلى أرقام قابلة للإثبات المحاسبي والقضائي.

صيرفة أيضاً تحتاج إلى كشف كامل

منصة "صيرفة" يجب ألا تبقى خارج دائرة التدقيق. المطلوب معرفة حجم العمليات، والمستفيدين منها، والأسعار المعتمدة، والفروقات التي نشأت، والمعايير التي حددت المستفيدين، وما إذا كان أي شخص قد حصل على منفعة غير متاحة للآخرين بسبب موقعه أو علاقاته أو معلوماته. الخسائر المرتبطة بصيرفة تصل إلى نحو 2.5 مليار دولار. وإذا كان هناك فساد أو منفعة غير مشروعة، تُسترد الأموال وتُحاسب المسؤوليات.

ماذا يفعل مشروع القانون الحالي؟

الإيجابي في مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع أنه لم يتجاهل بالكامل موضوع المسؤولية والاسترداد. فالتعديلات الحكومية التي نوقشت تضمنت توسيع نطاق البحث في التحويلات المالية، والإبقاء على التدقيق الجنائي، والبحث في الأرباح والمكافآت المفرطة التي حصل عليها مساهمون وكبار موظفي المصارف، ولا سيما منذ عام 2016، إذا كانت قد سُحبت أو حُوّلت إلى الخارج.

وهذا تطور مهم، لأنه يعني أن القانون بدأ يقترب من فكرة أن استرداد الودائع لا ينفصل عن استرداد الأموال القابلة للاسترداد من المسؤولين عن الانهيار أو المستفيدين منه بصورة غير مشروعة. والتربح من الانهيار يجب أن يصنف جريمة مالية وأخلاقية، ويجب أن تُسترد الأموال التي تحققت من ذلك. لكن المطلوب أكثر من ذلك: المطلوب أن يتحول هذا المبدأ إلى آلية تنفيذية وقضائية واضحة، لا إلى مجرد فقرة في قانون.

ترتيب الخسائر ليس تفصيلاً

هنا يأتي المبدأ الذي يجب أن يكون حجر الأساس في القانون: ترتيب أولوية تحمل الخسائر. وقد شدد صندوق النقد على ضرورة احترام هذا الترتيب، بحيث لا يتحمل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة، مع ضرورة أن تكون مساهمة الدولة منسجمة مع قدرتها المالية واستدامة الدين العام.

وهذا يعني أن الدولة لا تستطيع ببساطة أن تقول: "هناك فجوة بقيمة معينة، فلنوزعها على المودعين والدولة والمصارف". بل يجب أولاً تحديد: من يملك رأس المال؟ من استفاد من الأرباح؟ من يتحمل المخاطر؟ من خالف قواعد الحوكمة؟ من استفاد من عمليات تفضيلية؟ وما قيمة الأصول التي يمكن استردادها؟ ثم، بعد ذلك، يتم تحديد ما تبقى من خسائر.

المودع ليس شريكاً في الجريمة

المودع الذي وضع مدخراته في مصرف مرخص، وفق قوانين الدولة، ليس شريكاً في السياسات التي اتخذها مصرف لبنان أو الحكومة أو مجالس إدارة المصارف.ولذلك لا يصح افقار المودع لصالح ان يبقى مالك المصرف غنياً وحراً طليقاً. 

وقد يكون من الضروري، في إطار إعادة الهيكلة، إجراء ترتيبات مالية صعبة لحماية النظام المالي واستعادة التوازن. لكن ذلك لا يعني تحويل المودع إلى المتهم الوحيد القادر على دفع الفاتورة. فالعدالة المالية لا تعني أن الجميع يخسرون بالتساوي، بل تعني أن كل طرف يتحمل الخسارة وفق مسؤوليته وقدرته وموقعه في النظام المالي والقانوني.

المطلوب قانون استرداد لا قانون توزيع خسائر

لهذا يجب أن يكون قانون الانتظام المالي أكثر من قانون لتوزيع الفجوة. يجب أن يكون قانوناً لـ: تحديد الفجوة، وتحديد المسؤولية، والتدقيق، والاسترداد، ثم توزيع الخسائر المتبقية.

فإذا حُددت الفجوة أولاً، ثم وُزعت الخسائر، دون استكمال التدقيق في التحويلات والأرباح والقروض والدعم وصيرفة والهندسات المالية، فإن الدولة تكون قد اتخذت قراراً مسبقاً بأن المودع سيدفع قبل أن تعرف فعلياً كم تستطيع أن تسترد. وهذا سيكون خطأً تاريخياً.

لا عدالة من دون محاسبة سياسية

الانهيار اللبناني لم يكن نتيجة خطأ محاسبي واحد. إنه نتيجة تراكم طويل من القرارات السياسية والمالية والنقدية والمصرفية، ومن غياب الرقابة والمساءلة، ومن تحالف مصالح بين مواقع سياسية واقتصادية ومالية.

ولهذا فإن الإصلاح لا يمكن أن يكون مجرد إعادة رسملة للمصارف أو إصدار سندات للمودعين. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح الدولة قادرة على القول: لا أحد فوق القانون، ولا سياسي فوق التدقيق، ولا مصرف فوق المساءلة، ولا مودع صغير هو الحلقة التي يُطلب منها دائماً أن تدفع ثمن أخطاء الكبار.

إن استعادة الثقة لا تبدأ بإقناع اللبناني بأن أمواله ستعود غداً، بل بإقناعه بأن الدولة ستبحث أولاً عن الأموال التي يمكن استردادها، وأنها لن تمنح أحداً حصانة سياسية أو مصرفية أو مالية.

مسار واضح للحل

لذلك، يجب أن يسير الحل في مسار واضح يعتمد على:

1. تحديد الحجم الحقيقي للفجوة المالية بعد تقييم الأصول والالتزامات.

2. تفكيك الفجوة إلى مصادرها: الدولة، مصرف لبنان، المصارف، القروض المتعثرة، إعادة هيكلة الدين، الهندسات والعمليات النقدية وغيرها.

3. تحديد المسؤولية السياسية والإدارية والمصرفية عن كل مصدر من مصادر الخسائر.

4. إجراء تدقيق مالي وجنائي مستقل وشامل.

5. التحقيق في التحويلات إلى الخارج والعمليات التفضيلية والأرباح والمكافآت غير المبررة.

6. التحقيق في القروض المرتبطة بأصحاب النفوذ وأوجه استخدام الأموال.

7. تدقيق برامج الدعم وصيرفة وتحديد الهدر والتهريب والاحتيال، إن وجد.

8. استرداد الأموال والأصول غير المشروعة أو القابلة للاسترداد عبر الآليات القضائية اللبنانية والدولية.

9. تحمل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة الخسائر وفق القانون.

10. تحديد مساهمة الدولة ضمن إمكاناتها المالية واستدامة الدين.

11. حماية صغار المودعين بصورة فعلية.

12. توزيع ما تبقى من الخسائر وفق ترتيب قانوني عادل وواضح.

بهذا فقط يصبح القانون قانوناً للإصلاح، لا قانوناً لتثبيت نتائج الانهيار.

خلاصة القول، هل يكون قانون الفجوة المالية بداية انتقال من اقتصاد الإفلات من المسؤولية إلى اقتصاد المساءلة؟ أم أنه يتحول إلى آلية قانونية لإغلاق ملف الانهيار عبر توزيع كلفته على المودعين والدولة، مع بقاء المسؤوليات الحقيقية معلقة؟.

لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لانهيار نموذج مالي ونقدي وسياسي لم يكونوا هم من صممه. ومن غير المقبول أن تكون النتيجة النهائية أن يخسر المودع مدخراته، وتتحمل الدولة الدين العام، وتُعاد هيكلة المصارف، ثم يُقال للبنانيين إن الأزمة انتهت.

الأزمة لا تنتهي بتوزيع الخسائر، بل تنتهي عندما تُعرف أسبابها ومسؤولياتها، وتُسترد الأموال القابلة للاسترداد، ويُحاسب من استفاد بصورة غير مشروعة، وتُبنى قواعد تمنع تكرارها.

أما أن يبدأ الحل بالمودع، قبل التحقيق في الهندسات المالية والتحويلات والقروض المرتبطة والدعم وصيرفة والأموال التي خرجت من النظام، فذلك ليس إصلاحاً مالياً. إنه إعادة توزيع لكلفة الانهيار على من بقيت لديه مدخرات. وهنا تحديداً تكمن المعركة السياسية الحقيقية حول قانون الفجوة المالية: هل نريد قانوناً ينقذ النظام القديم من تبعاته، أم قانوناً ينقذ الدولة والمجتمع من النظام الذي أوصلهما إلى الانهيار؟.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد