خزّانات فارغة لفيول "مشبوه": مَن يدفع كلفة الترحيل؟

post-img

خضر حسان (صحيفة المدن)

يضع مجلس الوزراء على جدول أعمال جلسته اليوم، بنداً يتضمّن الحصول على "الموافقة الاستثنائية" لتفريغ فيول لصالح معامل مؤسسة كهرباء لبنان. لكن الصفة الاستثنائية للتفريغ، تعيد التذكير بخطر الفيول المغشوش الذي بات الملف الأبرز في قطاع الكهرباء. وانطلاقاً من هذا الواقع، تدور مؤسسة كهرباء لبنان ومن خلفها وزارة الطاقة في حلقة مفرغة عمادها نقص الفيول اللازم لإنتاج ساعات تغذية كهربائية كافية. وسياسة الفوضى التي نخرت القطاع على مدى سنوات، وخصوصاً في ملف الفيول، جعلت الحل مستعصياً، لا سيّما وأنّ نقص التمويل الذي يضمن استدامة إمدادات الفيول لتشغيل معامل الإنتاج، حوّلَ "استعجال" استيراد شحنات الفيول إلى قاعدة، عوض الاستيراد المنتظم غير المستعجل. والسباق مع الوقت لتأمين الفيول تحت وطأة التهديد المستمر بالعتمة الشاملة، يجعل مسار الاستيراد، من التحميل إلى التفريغ مروراً بفحص الشحنات، عرضة للاختراق. وبذلك، تصبح أي شحنة فيول مستَعجَلة، في دائرة الشبهة.

فيول بلا رقابة

لسنوات، امتهن وزراء الطاقة المتعاقبين استعجال استيراد الفيول لتشغيل معامل الإنتاج. فأحياناً كان يتم استيراد بواخر قبل فتح الاعتمادات المالية المخصصة، فتأخّر تفريغها وترتّب على المالية العامة أعباء الغرامات. وفي ترتيب آخر، كان يتم استيراد فيول بشهادات منشأ وفحصوات مطابقة للمواصفات، ليتبيّن لاحقاً أنّ الشهادات ونتائج الفحوصات غير صحيحة. وأبرز فضائح الفيول المغشوش، كانت قضية سوناتراك الشهيرة.

وراهناً، ينصّ البند 13 من جدول أعمال مجلس الوزراء على "طلب وزارة الطاقة والمياه الموافقة الاستثنائية على إعطاء أذونات تفريغ لحمولات كافة الناقلات البحرية المحمّلة بالمحروقات لزوم معامل إنتاج الطاقة لدى مؤسسة كهرباء لبنان المزمع توريدها واستلامها خلال الفترة الزمنية من شهر آب 2026 ولغاية شهر تشرين الأول 2026، بالاستناد إلى نتائج التحاليل المخبرية الصادرة في مرافئ التحميل والعائدة للعيّنات الممثلة المأخوذة من حمولات الناقلات البحرية المذكورة".

بموجب النص، تستند وزارة الطاقة لضمان جودة الفيول، إلى "نتائج التحاليل المخبرية الصادرة في مرافئ التحميل". ولأن الواقع متخم بالتجارب غير المشجّعة في ملف الفيول، رأى المهندس يحيى مولود، أنّ هذا البند "يمنح المورِّدين هامشاً أكبر للإفلات من المسؤولية بدلاً من تشديد الرقابة وحماية المال العام". وينطلق مولود من أنّ تسريع الإتيان بالفيول وتفريغه اعتماداً فقط على تحاليل صادرة من مرافئ التحميل، يحيل إلى "السوابق التي نعرفها حول الفيول المغشوش"، وفق ما أكّده مولود الذي أشار في حديث لـ"المدن"، إلى أنّ الغش في الفيول كان يبرز "رغم اعتماد التحاليل وإجراءات التدقيق". ودعا مولود مجلس الوزراء إلى "رفض هذا البند حفاظاً على الشفافية والمصلحة العامة". واعتبر أنّه من الضروري "اعتماد آلية صحيحة للتأكّد من الشحنات، لأنّ ملايين الدولارات يتم هدرها عبر الفيول المغشوش".

ولفت مولود إلى أنّ الدعوة لرفض البند "ليس هجوماً عبثياً على وزارة الطاقة التي طلبت الموافقة الاستثنائية، لا هو محاولة للتوضيح ولزيادة آلية الرقابة". ونبّه إلى أنّ "هناك فيول روسي يصل إلى لبنان، وهو بأسعار أقل من أسعار السوق العالمية، فكيف نتأكّد من أنّ هذا الفيول ليس روسياً تم شراؤه بسعر منخفض، وتم التلاعب بشهادة المنشأ ليباع بسعر مرتفع، على أنّه فيول من دولة أخرى؟".

لا تبرير للعجلة

على عكس المخاوف التي يبديها مولود، طمأنت وزارة الطاقة إلى أنّ "لا استخدام لأي نفط قبل صدور نتائج الفحوصات المخبرية". وفي بيان لها، أشارت الوزارة إلى أنّ الغاية من طلب الموافقة الاستثنائية هو "كسب الوقت عبر توفير مدة التفريغ بحيث تتم في الوقت الضائع بانتظار صدور النتائج. ولن يُستخدَم هذا النفط ما لم تصدر نتائج الفحوصات من المختبرات العالمية المعتمدة، وتأتي مطابقة للمواصفات".

ولضمان عدم استخدامه قبل صدور النتائج "تُخزَّن المواد المفرغة في خزنات فارغة، فلا تؤثر في حال كانت غير مطابقة على مواد مطابقة موجودة في لبنان". وعليه، سيسهل التعامل مع هذه الشحنات في حال ثبت عدم مطابقتها. ولحماية المال العام، لفتت الوزارة إلى أنّ "تكاليف إعادة الشحن في حال لم تكن المواد مطابقة، والضمانات المالية، هي المعمول بها في دفاتر الشروط المعتمدة. ولا تتطلّب الخطوة المطروحة على مجلس الوزراء إعادة النظر بها أو أي أعباء مالية إضافية".

لكن رغم تأكيد الوزارة أنّ "العمل مستدام لضمان عدم إدخال أي فيول مغشوش إلى البلاد، وتم اتخاذ الإجراءات والتدابير المطلوبة لذلك"، تساءلت مصادر مواكبة لملفّ الكهرباء عن "الجهة التي ستضمن التأكّد من نتائج المختبر". وقالت المصادر في حديث لـ"المدن" إنّ "استعجال طلب شحنات فيول قبل التأكّد من نتائجها في مختبر محايد، يعني العودة إلى نهج الفوضى في الاستيراد بحجّة تفادي العتمة".

وأشارت المصادر إلى أنّ "لا أحد يضمن صحّة أخذ العيّنة من الشحنة التي سيجري إفراغها في الخزانات، حتى لو كانت معزولة عن شحنات سابقة. كما أنّ أحداً لا يضمن عدم إرسال عيّنات معَدّة سلفاً للفحص، من غير الشحنات المفرّغة، فتكون النتائج مطابقة للعيّنات المعدّة سلفاً، فيما الشحنات المخزّنة غير مطابقة. كما أنّه طالما لبنان لن يستفيد من الشحنات المخزّنة، إلاّ حين تصدر نتائج الفحوصات، فلا داعي لاستعجال الشحن وعزل الشحنة في خزانات منفصلة". ووسط هذا المسار، رأت المصادر أنّ "التهديد بالعتمة والاتجاه نحو استعجال الاستيراد، أصبح تهديداً لتمرير شعائر الفساد والهدر والإضرار بالمال العام". 

بدوره، دعا المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة، ومحلل سياسات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المعهد اللبناني لدراسات السوق، غسان بيضون، إلى "التروّي في استيراد الشحنات". موضحاً في حديث لـ"المدن" أنّ "أخذ العيّنات يتم وفق أصول لا يجب الاستهانة بها، خصوصاً وأنّ عدم التأكّد من مطابقة الفيول للمواصفات الصحيحة، يضرّ بسلامة المنشآت". ولفت النظر إلى أنّ مواصفات الفيول تؤثّر على الكهرباء المُنتَجة، ولذلك "على مديرية الإنتاج في مؤسسة كهرباء لبنان التأكّد من أنّ كميات الفيول المُستَلَمة تُنتج عدد ساعات معيَّن من الكهرباء، وفي حال إنتاج أقل من المفترض، فهذا يدلّ على أنّ جودة الفيول أقل. ومن هنا تأتي أهمية ملاحقة مسار العيّنة المأخوذة للفحص، من لحظة أخذها وصولاً إلى انتظار نتيجتها في المختبر".

وذكّر بيضون بضرورة إجراء تغييرات في الطريقة المعتمدة حالياً لاستيراد الفيول، بدءاً من "توقّف الوزارة عن إجراء المناقصات والشراء، وتطبيق المرسوم الاشتراعي رقم 79 الصادر سنة 1977 الذي يوجب دمج منشآت النفط بالمديرية العامة للنفط". وفي المسار المعتمَد حالياً للاستيراد "هناك أطراف كثيرة تشترك في عملية الاستيراد، وهذا الأمر يصعِّب الرقابة وتحديد المسؤوليات. وفي ما يخصّ الشحنات المطلوبة حالياً، سيكون هناك أكثر من شحنة وعلى فترة زمنية طويلة، ومن غير السليم إصدار موافقة استثنائية واستعجال الاستيراد والتفريغ قبل التأكّد من سلامة الشحنات".

لدى الوزارة ما يُطمئن الرأي العام، لا سيّما وأنّه في حال عدم مطابقة الشحنة للمواصفات، ستُعاد الشحنات "بلا أعباء مالية إضافية". كما أنّ "اللجوء إلى تقديم هكذا طلب إلى مجلس الوزراء ليس بجديد وكان اعتُمد سابقاً". ومع ذلك، فإنّ ما اختبره اللبنانيون في ملف الفيول اعتُمِدَ سابقاً، وهو ما يستند إليه معارضو الاستعجال، لأنّ التجارب السابقة غير مشجّعة. لكن بما أنّ "الوضع الصعب الذي تمر به البلاد والقطاع، لا يحتمل تصرفات شعبوية"، وفق بيان الوزارة، على المستقبل القريب تبيان الحقائق، لعلّ صفحة جديدة تُكتَب في هذا القطاع، وتزال الشبهة عن أي شحنات.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد