زينب بزي (صحيفة الأخبار)
طرأ تطوّر جديد على ملف تقسيط المفعول الرجعي لزيادة الرواتب للعاملين في القطاع العام والمتقاعدين، تمثّل في اعتراض مجلس شورى الدولة على الآلية التي أعدّتها وزارة المالية لتقسيط المستحقّات، معتبراً أن القانون لم ينصّ على ذلك طالباً إيقاف هذا الأمر وحذفه من المرسوم وتسديد المبالغ دفعة واحدة.
يأتي هذا التطوّر بعدما كان النقاش قد تركّز خلال الأيام الماضية على توجّه وزارة المالية إلى تقسيط الفروقات على 12 شهراً، قبل أن ينقل رأي مجلس شورى الدولة الملف من خلاف مالي ونقابي حول موعد الدفع إلى إشكالية قانونية تتعلّق بمدى جواز أن يضيف المرسوم التنفيذي آلية لم يلحظها قانون فتح الاعتماد.
القانون الذي أقرّه مجلس النواب فتح اعتماداً إضافياً في موازنة 2026 لتمويل التعويض المؤقّت للعاملين في القطاع العام والمتقاعدين. كما حصرت موادّه استخدام الاعتماد بالغاية التي فُتح من أجلها، على أن تُدوّن الاعتمادات المصروفة والمدفوعة ضمن حسابات موازنة عام 2026. أمّا الأسباب الموجبة، فربطت الزيادة بتآكل الرواتب والأجور خلال السنوات الماضية، وأكّدت أن الهدف منها هو تأمين تخفيف فوري للضغط المعيشي إلى حين إنجاز مشروع التصحيح الشامل للرواتب والأجور.
لكنّ مشروع المرسوم التنفيذي أضاف آلية لم يتناولها القانون صراحة. فقد نصّت مادته الثالثة على دفع التعويضات المؤقّتة الشهرية بالتزامن مع الرواتب والأجور، على أن تُدفع الفروقات المتراكمة عن الفترة الممتدّة من أول آذار حتى نهاية آب 2026 وفق جدول تقسيط يبدأ في أيلول. وبحسب النصّ الظاهر من المشروع، كان الدفع سيبدأ بنصف التعويض المستحقّ عن شهر آذار مع تعويض شهر أيلول، ما يعني توزيع المتأخّرات تدريجياً بدلاً من تسديدها دفعة واحدة.
عند عرض المشروع على مجلس شورى الدولة وطلب رأيه من قبل رئيس مجلس الوزراء، اعتبر المجلس أنّ القانون لم ينص على إمكان تقسيط المستحقات المالية الناشئة عن المفعول الرجعي، وبالتالي لا يجوز للمرسوم التنفيذي أن يضيف قاعدة أو آلية لم يلحظها النصّ التشريعي. كما رأى أن تقسيط المستحقات على مدّة سنة كاملة من شأنه أن يفرغ الزيادة من جزء من غايتها، لأن توزيعها على فترة طويلة يخفّض قيمتها الفعلية ويتعارض مع الهدف الوارد في الأسباب الموجبة للقانون، أي تأمين تخفيف فوري للضغط المعيشي.
وبناءً على ذلك، أوصى مجلس شورى الدولة بحذف المادة الثالثة من مشروع المرسوم، ودفع كامل المستحقات العائدة للمفعول الرجعي دفعة واحدة. كما أشار إلى أن موافقة مجلس الوزراء السابقة على أصل الزيادة لا تُغني عن إعادة عرض مشروع المرسوم عليه، باعتبار أن النص المعروض هو مرسوم تنفيذي للقانون الذي أُقر لاحقاً، ولم يكن قد عُرض بصيغته الحالية على مجلس الوزراء.
ورغم أن الرأي الصادر عن مجلس شورى الدولة ليس قراراً ملزماً للحكومة بذاته، فإنه وضع اعتراضاً قانونياً واضحاً على آلية التقسيط. فالحكومة تستطيع من الناحية الإجرائية أن تصدر المرسوم خلافاً للرأي، لكن ذلك لا يلغي إمكان الطعن به لاحقاً، ولا سيما إذا استند الطعن إلى أن المرسوم أضاف حكماً لم يرد في القانون أو تجاوز حدود السلطة التنفيذية في تطبيقه.
في هذا السياق، اعتبر النقابي محمد قاسم أنّ رأي مجلس شورى الدولة «قانوني مئة بالمئة وصحيح»، وينطلق في موقفه من أن الاعتماد فُتح ضمن موازنة عام 2026، ما يفرض، بحسب تفسيره، دفع كامل المبالغ المتوجبة خلال السنة المالية نفسها. ويرى أن أي آلية تؤدي إلى ترحيل جزء من المستحقات إلى عام 2027 تصبح مخالفة للغاية التي فُتح الاعتماد من أجلها وللسنة المالية التي رُصدت فيها الأموال.
ويقول قاسم إن مشروع وزارة المالية يشكّل «محاولة للتذاكي على القانون»، لأن القانون أتاح التمويل في موازنة 2026، فيما تؤدّي الآلية المُقترحة إلى إبقاء جزء من المستحقات غير مدفوع حتى السنة التالية. لكنه يوضح أن الاعتراض النقابي لا يعني رفض أي توزيع للمبالغ بالمطلق، بل رفض تمديده إلى ما بعد نهاية السنة الحالية. وبحسب قاسم، تدرك الروابط أن قيمة المفعول الرجعي كبيرة وقد يكون دفعها دفعة واحدة صعباً، لذلك لا مانع لديها من البحث في توزيعها على الأشهر المتبقّية من عام 2026.
من جهته، يقول أمين سر رابطة موظفي الإدارة العامة وليد الشعار إنّ الروابط تحرّكت فور علمها بتوجه وزارة المالية إلى تقسيط المستحقات. وعقدت رابطة موظفي الإدارة العامة وروابط التعليم الرسمي اجتماعاً مع الاتحاد العمالي العام، قبل أن تبدأ سلسلة اتصالات ولقاءات سياسية لمتابعة الملف. وبحسب الشعار، التقى ممثلو الروابط النائبين آلان عون وبلال عبدالله، كما طلبوا، بالاشتراك مع الاتحاد العمالي العام، موعداً من وزير المالية لمناقشة آلية الدفع والاعتراضات على التقسيط، إلا أنّه لم يُحدّد حتى الآن. ويؤكد أن التحرك مستمر، لأن مشروع القانون لم يتحدّث عن تقسيط الحقوق الناشئة عنه.
ويشير الشعار إلى أن رأي مجلس شورى الدولة غير مُلزِم للحكومة، لكنه يحدّد الإطار القانوني الذي ستستند إليه الروابط في تحركها، ويعزّز موقفها الرافض لتوزيع المستحقات على سنة كاملة. ويقول إن الروابط ترفض مبدأ التقسيط بالصيغة المطروحة، لكنها في الوقت نفسه مستعدّة للتفاوض على حل قصير الأمد يأخذ في الاعتبار حجم المبالغ وقدرة الدولة على دفعها.
وهكذا، لم يعد الخلاف قائماً على أصل الزيادة أو على توافر الاعتماد المالي لها، بعدما أقرّ مجلس النواب القانون وفتح التمويل ضمن موازنة 2026، بل على الطريقة التي اختارتها الحكومة لتنفيذه. فوزارة المالية حاولت تنظيم الدفع عبر تقسيط الفروقات، بينما رأى مجلس شورى الدولة أن هذا التقسيط لا يستند إلى القانون، وتمسّكت الروابط بأن أي توزيع للمبالغ يجب أن يبقى محصوراً بما تبقّى من السنة.
وعليه، أصبحت الحكومة أمام خيارين: إمّا الأخذ برأي مجلس شورى الدولة وحذف مادة التقسيط ودفعها مرة واحدة، وهذا الحل مُستبعد، وإمّا اللجوء إلى التفاوض مع الروابط على صيغة تقسيط قصيرة تنتهي قبل نهاية 2026. أمّا الإصرار على توزيع المستحقات على 12 شهراً، فيبقي الملف مفتوحاً على مواجهة نقابية وقانونية، ويطرح مجدّداً السؤال حول حدود حق السلطة التنفيذية في تعديل طريقة دفع مستحقات أقرّها القانون وفتح لها الاعتماد في موازنة سنة محدّدة.