سلوى بعلبكي (صحيفة النهار)
بعد سنوات طويلة من تركيز النقاش على معامل الإنتاج، والوقود، والتعرفة، والتمويل، بدأ الإصلاح في قطاع الكهرباء يسلك طريقاً مختلفاً، عنوانه إصلاح المؤسسة إدارياً قبل إصلاح الشبكة. ولكن إقرار مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان خطة الحوكمة المؤسسية لا يعني زيادة ساعات التغذية أو خفض الفاتورة، بل يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على قواعد الإدارة الرشيدة والشفافية والمساءلة، بعدما شكل غياب هذه العناصر أحد الأسباب الرئيسية التي حالت دون نجاح الخطط السابقة، وأبقت القطاع في دائرة الهدر والعجز المالي.
الخطوة قد تكون الأكثر أهمية على مستوى إصلاح الإدارة، بإقرار خطة الحوكمة المؤسسية، وهي خطوة طال انتظارها وتشكل أحد أبرز الشروط التي تضعها المؤسسات المالية الدولية للسير بإصلاح قطاع الكهرباء، واستعادة ثقة المانحين والمستثمرين بالدولة اللبنانية.
فالخطة التي أقرها المجلس في جلسته الأخيرة، تُعدّ أحد المتطلبات الأساسية لبرنامج الإصلاح الذي يدعمه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية، وقد حظيت بحسب المعلومات، بإشادة البنك الدولي بعد إعدادها ومراجعتها من أعضاء مجلس الإدارة الجدد، ولا سيما أصحاب الاختصاصات التقنية، وفق المعايير الدولية للحوكمة.
ولا تقتصر أهمية الخطة على تنظيم العمل الإداري، بل تؤسس لمسار إصلاحي كامل يقوم على تعزيز الشفافية، والمساءلة، والرقابة، وتحسين الأداء، بما يمهد لإعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان وفق ما ينص عليه القانون 462، ويعيد بناء الثقة بالقطاع بعد عقود من الفوضى الإدارية والمالية.
خطة لإنتاج الكهرباء أو لإصلاح المؤسسة؟
يأتي إقرار الخطة بعد أقل من 3 أشهر على تعيين مجلس الإدارة الجديد، في خطوة ينظر إليها على أنها بداية لمسار إصلاحي طويل قد لا ينعكس سريعاً على ساعات التغذية، لكنه يضع للمرة الأولى إطاراً مؤسسياً واضحاً لمعالجة أحد أكثر القطاعات استنزافاً للمالية العامة، ويفتح الباب أمام تنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها.
في هذا الإطار، يوضح المدير العام السابق للموارد المائية والكهربائية الدكتور فادي قمير أن مفهوم الحوكمة يقوم على إعادة تنظيم طريقة إدارة قطاع الكهرباء، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات بوضوح، وإرساء منظومة رقابية مستقلة تسمح بقياس الأداء ومحاسبة المقصرين، مؤكدا أن الإدارة السليمة هي المدخل الطبيعي لأي إصلاح مستدام.
فكرة الحوكمة ليست جديدة، إذ يقول قمير: "أعدت خطة قبل نحو 20 عاماً بالتعاون مع مكتب Hydro-Québec الكندي، واستندت إلى مبدأ فصل نشاطات القطاع وإعادة هيكلته (Unbundling)، إلا أن المشروع بقي مجمداً من دون أن يعرف سبب تعطيل تنفيذه طوال تلك السنوات".
وبحسب قمير، فإن الإصلاح يبدأ من تحديث الإطار القانوني الذي يحكم مؤسسة كهرباء لبنان التي لا تزال تخضع، كسائر المؤسسات العامة، للمرسوم الرقم 4517 الصادر في عهد الرئيس فؤاد شهاب. ويرى أن هذا الإطار لم يعد يتناسب مع مؤسسة إنتاجية واستثمارية يفترض أن تعمل وفق قواعد حديثة، لا وفق آليات إدارية تعود إلى عشرات السنين.
ويلاحظ أن "استمرار خضوع المؤسسة لقانون المحاسبة العمومية والإجراءات التقليدية يعرقل تنفيذ المشاريع الكبرى، إذ قد يستغرق أيّ تعديل بسيط في مشروع إنشائي أشهراً للحصول على الموافقات، بينما تعتمد الشركات العالمية آليات أكثر مرونة وسرعة، وهو ما يفسر عزوف كثير منها عن العمل في لبنان".
الى ذلك، فإن أنظمة الإنفاق الحالية لم تعد تتلاءم مع طبيعة المشاريع الكبرى، ما يستدعي وفق قمير إعادة صياغة الإطار القانوني بما يسمح للمؤسسات العامة بالعمل وفق المعايير الدولية، ولا سيما معايير FIDIC، واستقطاب شركات عالمية قادرة على تنفيذ مشاريع البنية التحتية.
هيئة تنظيمية مستقلة
من أبرز ما تتضمنه رؤية الحوكمة، بحسب قمير، إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة تضم قضاة وخبراء متخصصين، تتولى معالجة الثغر التنظيمية، والإشراف على المناقصات، وتعزيز الرقابة على الأداء، بما يخفف التعقيدات الإدارية ويعجّل في تنفيذ المشاريع.
ويضيف أن الشركات الدولية لا تفضل الخضوع لآليات الرقابة التقليدية، بل تعتمد في عقودها على هيئات تحكيم دولية، الأمر الذي يفرض تحديث البيئة القانونية اللبنانية بما ينسجم مع المعايير الدولية ويعطي المستثمرين الضمانات اللازمة.
6 ركائز للإصلاح
تقوم الخطة التي أقرها مجلس الإدارة على 6 محاور رئيسية، تشمل تطوير حوكمة مجلس الإدارة، وتعزيز التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر والامتثال، وتحسين الإشراف على المشاريع، ورفع كفاءة الأداء التشغيلي، وترسيخ الحوكمة المالية والشفافية، إضافة إلى تطوير القدرات التنظيمية والتحول الرقمي.
كذلك تتضمن إجراءات عملية، من بينها الفصل بين مهمات مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، وتعزيز أنظمة مكافحة تضارب المصالح، وإطلاق آليات للإبلاغ عن المخالفات، وتحسين الرقابة على المشاريع، ووضع مؤشرات أداء قابلة للقياس، وتطوير التقارير المالية وفق المعايير الدولية، إلى جانب تحديث الأنظمة الرقمية وحوكمة الأمن السيبراني.
إصلاح إداري... لا حل فوري للأزمة
يرى قمير أن هذه الإجراءات، على أهميتها، لن تؤدي وحدها إلى توفير الكهرباء، لأن جوهر الأزمة يبقى مالياً، إلا أنها تشكل الشرط الأساسي لبناء مؤسسة قادرة على إدارة القطاع بكفاءة واستقطاب التمويل والاستثمارات.
وفي المقابل، يربط بين الحوكمة وإعادة هيكلة المؤسسة، معتبرا أن أي توجه نحو إشراك القطاع الخاص أو إعادة تنظيم مؤسسة كهرباء لبنان يتطلب أولا تحديث القوانين وإقرار منظومة إدارية جديدة، لأن أي مستثمر لن يدخل قطاعاً يفتقر إلى الشفافية والرقابة والمساءلة.