رواتب النواب... حين يتقدّم الامتياز على الحقّ

post-img

رفيق غريزي (صحيفة المدن)

يُتداوَل في الأروقة الرسمية أنّ راتب النائب سيرتفع اعتباراً من أيلول المقبل من ثلاثة آلاف دولار إلى خمسة آلاف، لا بموجب قانون، بل عبر مرسوم ينقل اعتماداً من احتياط الموازنة إلى صندوق تعاضد مجلس النواب. ويُقال إنّ الزيادة ستُصرف دفعة واحدة، لا بالتقسيط الذي يُساق إليه سواهم.

ولمّا لم يصدر النصّ في الجريدة الرسمية حتى تاريخه، فإنّ ما يُبنى عليه هنا هو ما تواتر من معلومات، لا أكثر. غير أنّ الآلية الموصوفة، إن صحّت، تستدعي وقفة قانونية هادئة، لا لأنّ المبلغ كبير — فهو في المطلق زهيد إذا قيس بأرقام الموازنة، بل لأنّ الطريقة التي سُلكت تمسّ أصولاً في المالية العامة يُخشى أن يستقرّ الخروج عليها فيصير عرفاً.

حين يحلّ المرسوم محلّ القانون

المبدأ المستقرّ أنّ مخصّصات النائب شأن تشريعي بطبيعته، لأنّ فيه تعارضاً ظاهراً بين صفة المقرِّر وصفة المستفيد. ومن أجل ذلك جرت التقاليد البرلمانية على أن تُقرَّر هذه المخصّصات بنصّ يُناقَش علناً ويُصوَّت عليه بالأسماء، فيتحمّل كلّ نائب أمام ناخبيه تبعة موقفه.

أمّا حين تُقرَّر الزيادة بمرسوم في مجلس الوزراء، فإنّ الأثر العملي أخطر من الأثر المالي: لا مناقشة، ولا محضر، ولا اعتراض مسجّل، ولا مسؤولية شخصية يمكن تتبّعها. وقد صُمّم المسار، أو هكذا انتهى إليه، بحيث لا يمرّ بالهيئة العامة أصلاً، فلا يجد المعترض نصّاً يعترض عليه، ولا يجد الرأي العام أسماءً يحاسبها.

وثمة ما هو أدقّ. فالشقّ الأول من الراتب يستند إلى آلية تلقائية مبعثها القانون 717/98، إذ تنسحب على النائب مضاعفات الرواتب التي تُقرّ للقطاع العام. فالنائب يستفيد من كلّ زيادة يُقرّها بنفسه لغيره، من دون نصّ خاصّ ومن دون تصويت مستقلّ. وهذا في ذاته خلل بنيوي يستوجب المعالجة التشريعية، لا الاتّكاء عليه.

تخصيص الاعتماد وحدوده

النصّ هنا لا يحتمل التأويل. فالمادة 26 من قانون المحاسبة العمومية (المرسوم 14969/1963) حدّدت ما يُرصد في باب احتياطي الموازنة، ونصّت في مقطعها (ب) على "اعتماد احتياطي للنفقات الطارئة، يستعمل لتغذية بنود الموازنة التي نفذت اعتماداتها، أو لفتح اعتمادات استثنائية". فصفة الطارئ ليست استنتاجاً من روح النصّ، بل واردة في متنه.

وقد ميّزت الفقرة الثالثة من المادة نفسها بين نوعَي الاعتماد: فالاعتمادات الاحتياطية للنفقات المشتركة تُنقل بقرار من وزير المالية، أمّا اعتمادات النفقات الطارئة فتُنقل بمرسوم. وبما أنّ ما تواتر من معلومات يتحدّث عن مرسوم لا عن قرار، فإنّ ذلك بذاته قرينة على أنّ المصدر هو اعتماد النفقات الطارئة تحديداً.

فأيّ طارئ في زيادة رواتب دائمة؟ وأيّ عنصر مفاجأة في نفقة متكرّرة تتجدّد كلّ شهر وتمتدّ إلى ما بعد السنة المالية؟

ولا يُعترض بأنّ الحكومة تملك سلطة تقديرية في تكييف الطارئ، لأنّ المادة 27 في فقرتها الثانية حسمت الأصل والاستثناء معاً: "مع مراعاة أحكام المادة 26 من هذا القانون، لا تنقل الاعتمادات من بند إلى آخر إلاّ بقانون". فالأصل هو القانون، والمادة 26 استثناء ضيّق لا يجوز التوسّع فيه ولا القياس عليه، لأنّ التوسّع فيه يفرغ القاعدة من مضمونها ويجعل الموازنة، بعد التصويت عليها، مادة قابلة لإعادة التوزيع بإرادة السلطة التنفيذية وحدها.

ويُضاف إلى ذلك نصّ المادة 57 التي قرّرت، بعبارة قاطعة، أنّه "لا يجوز استعمال الاعتماد لغير الغاية التي رصد من أجلها". وهذا هو تعريف الانحراف في استعمال السلطة بعينه.

ولمن يقول إنّ المسألة إجرائية لا أكثر، أذكّر بالمادة 112 من القانون عينه، التي جعلت الوزير مسؤولاً شخصياً على أمواله الخاصة عن "كل تدبير يؤدي إلى زيادة النفقات التي تصرف من الاعتمادات المذكورة إذا كان هذا التدبير غير ناتج عن أحكام تشريعية سابقة". فالمشترع لم يعتبر تجاوز الغاية مخالفة شكلية، بل رتّب عليه مسؤولية مالية شخصية. وهذا وحده يكفي لبيان خطورة ما نحن بصدده.

في المساواة أمام الأعباء العامة

نصّت المادة السابعة من الدستور على تساوي اللبنانيين في تحمّل الفرائض والواجبات العامة، واستخلص منها الاجتهاد مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة. ومقتضى هذا المبدأ أنّ كلّ تمييز في التوزيع يجب أن يقوم على فارق موضوعي في المركز القانوني.

فليُقَل لنا: ما الفارق الموضوعي الذي يبرّر أن تُصرف الزيادة لفئة دفعة واحدة، وتُقسَّط على فئة أخرى، من الخزينة عينها وفي السنة المالية عينها؟ إنّ الجواب ليس موضوعياً بحال. وحين ينتفي الفارق الموضوعي، لا يبقى للتمييز سند سوى القرب من أداة التنفيذ. وذاك بالضبط ما يجعل التدبير قابلاً للطعن أمام مجلس شورى الدولة لتجاوز حدّ السلطة.

الدَّين يُقسَّط والامتياز يُعجَّل

هنا لبّ المسألة. أقرّ مجلس النواب في 15 تموز الماضي اعتماداً إضافياً بقيمة 56500 مليار ليرة، ما يوازي نحو 631 مليون دولار على السعر الرسمي، لتمويل ستّة رواتب إضافية للموظفين والعسكريين والمتقاعدين، بمفعول رجعي من الأول من آذار. وبصدور القانون ونشره، صارت هذه المستحقّات ديناً ثابتاً في ذمّة الدولة، لا منّة ولا مساعدة.

ثم عُرض مشروع مرسوم لتقسيط هذا المفعول الرجعي وترحيل جزء منه إلى سنة 2027. وقد أصاب من قال إنّ القانون لم يمنح السلطة التنفيذية صلاحية التقسيط، وإنّ دورها ينحصر في تنفيذ النصّ كما صدر لا في الانتقاص من مفاعيله، وإنّ قاعدة سنوية الموازنة لا تجيز ترحيل الاعتمادات إلى السنة التالية إلاّ بقانون جديد. يُضاف إلى ذلك أنّ التأخير يأكل القيمة الفعلية للمستحقّ بفعل التضخّم، فيتحوّل التقسيط اقتطاعاً مقنّعاً.

فالحصيلة أنّ الدولة تُقسّط الدَّين الثابت المقرَّر بقانون، وتعجّل الاستحقاق المستحدث المقرَّر بمرسوم. وهذا انقلاب تامّ في تسلسل النفقات: فالنفقة الإلزامية  وهي الدَّين المستحقّ، مقدَّمة قانوناً على النفقة الاختيارية. أن يجري العكس ليس خياراً في السياسة المالية، بل خلل في احترام النصّ.

كيف يُحدَّد سلّم الأولويات

يُحدَّد سلّم الأولويات، إذا أُريد له أن يكون سلّماً لا تشهّياً، بمعايير خمسة: أوّلها الطبيعة الإلزامية للنفقة؛ وثانيها عدم قابلية الوظيفة للاستبدال، فما لا بديل خاصّاً عنه، كالدفاع والقضاء، يتقدّم؛ وثالثها خطر الانهيار المؤسسي المتسلسل؛ ورابعها حدّة الحاجة وعدد المستفيدين؛ وخامسها الأثر التضخّمي والقدرة الاستيعابية.

والمعيار الخامس وحده هو ما تحتجّ به وزارة المال حين يتعلّق الأمر بالموظفين، ثم يغيب حين يتعلّق الأمر بسواهم. والانتقائية في تطبيق المعيار تُفقده صفته كمعيار.

وثمة قاعدة أبسط من هذا كلّه: الأولوية الحقيقية للدولة ليست ما يُكتب في الموازنة، بل ما يُدفع أوّلاً. فالموازنة وثيقة نوايا، أمّا التسلسل الزمني للصرف فهو الإفصاح الصادق الوحيد.

الأولوية اليوم للمؤسسة العسكرية

يتقاضى العسكري اللبناني اليوم ما يقارب المئتين والثمانين دولاراً شهرياً، بعد أن كان دخله قبل الأزمة يتراوح بين ثمانمئة وألف ومئتين. والرقم إرشادي لا يُعمَّم على الرتب كافة، لكنه يكفي لبيان المسافة.

وليست المسألة مسألة إنصاف اجتماعي فحسب. فلبنان يمرّ بمرحلة يُطلب فيها من الجيش والقوى الأمنية بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، وحصر السلاح، وضبط الحدود، ومواكبة استحقاقات تفاوضية بالغة الحساسية. وهذه مهام لا تُنجَز بالبيانات، بل بمؤسسة متماسكة، مجهّزة، ومستقرّة عناصرها معيشياً. إنّ كلّ دولار لا يُصرف على تمكين هذه المؤسسة هو دولار يُدفع لاحقاً أضعافاً في كلفة الفراغ الأمني.

وحين تكون هذه هي أولوية الدولة المعلنة، فإنّ تخصيص اعتماد طارئ لزيادة مخصّصات النواب، في اللحظة عينها التي يُقسَّط فيها مستحقّ العسكري، ليس خطأً في الحساب بل خطأ في ترتيب الدولة لنفسها.

في طبيعة العمل النيابي

النيابة وكالة عن الأمّة، لا وظيفة يُتقاضى عنها أجر بمقدار الجهد. ولئن كان من الطبيعي أن يُؤمَّن للنائب ما يصون استقلاله عن الإغراء ويمكّنه من أداء مهمّته، فإنّ الأصل في العمل النيابي أنّه من رفاهية العمل السياسي: يمارسه من يستطيع، خدمةً للمصلحة العامة، لا اكتساباً للرزق منها.

وحين ينقلب هذا المعنى، فيصير المجلس مصدر دخل قبل أن يكون موقع مسؤولية، تتبدّل وظيفة النائب من مدافع عن المصلحة العامة إلى مدافع عن موقعه فيها. والزيادة، في هذا السياق، ليست مسألة مبلغ بل مسألة رسالة: أنّ المجلس قادر على أن يُنجز لنفسه بأسابيع ما لم يُنجزه لغيره بسنوات.

الصمت النيابي

لم يصدر، في ما أعلم، موقف جماعي معلن من أيّ كتلة نيابية بشأن هذا التدبير. وهذا مفهوم إجرائياً، لأنّ النصّ لم يُعرض على الهيئة العامة فيُعترض عليه. لكنّ المفهوم إجرائياً ليس مقبولاً سياسياً.

وأخصّ بالخطاب النواب المستقلّين والذين يعتبرون أنفسهم من خارج منظومة الدولة العميقة. فهؤلاء دخلوا المجلس على وعد بكسر النمطية لا بالإفادة منها، وهم اليوم أمام اختبار مباشر: أن يستفيدوا صامتين من امتياز أُقرّ خارج التشريع، أو أن يجعلوا منه أوّل ملفّ يثبتون فيه أنّ الفارق بينهم وبين سواهم فارق في السلوك لا في الشعار. والسكوت هنا موقف، وله دلالة أثقل من أيّ اعتراض متأخّر.

الخيارات المتاحة

وأتوجّه إليهم علناً باقتراح أربعة مسالك، كلّها متاحة قانوناً ولا يحتاج أيّ منها إلى إذن من أحد:

أولاً، تقديم مراجعة أمام مجلس شورى الدولة بوجه المرسوم لتجاوز حدّ السلطة، فور نشره، استناداً إلى المادتين 26 و57 من قانون المحاسبة العمومية، انحرافاً في استعمال الاعتماد عن الغاية التي رُصد من أجلها، وإلى المساس بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.

ثانياً، توجيه سؤال أو استجواب إلى وزير المال يُطلب فيه الكشف عن رقم المرسوم وتاريخه ومصدر الاعتماد وكلفته السنوية الكاملة، وعن السند القانوني الذي أجاز التعجيل هنا والتقسيط هناك.

ثالثاً، تقديم اقتراح قانون يُنظّم مخصّصات النواب في نصّ واحد جامع، يحظر تعديلها إلاّ بقانون، ويفكّ ارتباطها الآلي بمضاعفات القطاع العام، ويُخضع صندوق التعاضد لرقابة ديوان المحاسبة ولنشر حساباته سنوياً.

رابعاً، وهو الأبلغ رمزياً وإن كان الأقلّ أثراً مالياً: الإعلان الفردي عن ردّ الزيادة أو تحويلها إلى المؤسسة العسكرية، لا على سبيل الاستعراض، بل لتثبيت سابقة في السلوك النيابي.

ليست المسألة، في خاتمة المطاف، ثلاثة ملايين دولار من أصل موازنة. المسألة أنّ الدولة، حين تُرتّب دفعاتها، تكشف عن ترتيبها لقيمها. وقد رتّبت هذه المرّة على نحو يصعب الدفاع عنه: الحقّ المستحقّ يُقسَّط، والامتياز المستحدث يُعجَّل، والمؤسسة التي يُطلب منها أن تحمل الدولة كلّها تنتظر دورها.

ولعلّ أخطر ما في الأمر أنّه جرى بلا ضجيج. فالخروج على القاعدة حين يتكرّر بصمت، يصير قاعدة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد