تواصل فعاليات سياسية وأهلية فلسطينية داخل أراضي 48 استنكار الهجمة الإسرائيلية على الطواقم الطبية العربية في مستشفى «رمبام» في حيفا، وتعرب عن تكافلها معها. وكانت عائلة جندي إسرائيلي وصل إلى غرفة العناية المكثفة في المستشفى قبل أيام، بعد إصابته في لبنان، قد ادعت أن الطاقم الطبي الذي عالج ابنها كان عربيا، وأساء التعامل معه، ولم يقدم له العلاج المناسب.
سارع مسؤولون وإعلاميون إسرائيليون، منهم وزير الأمن يسرائيل كاتس ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى شن حملة تحريض على الأطباء العرب في المستشفى وفي كل المستشفيات. وصل نائب رئيس بلدية حيفا فاخر بيادسة، من «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»، مع عدد من الناشطين العرب إلى المستشفى اليوم، وأكدوا تكافلهم مع الطواقم الطبية، منددين بحملة التحريض والتهويش الإسرائيلية عليها.
خاطب بيادسة هذه الطواقم مقابل المستشفى في حيفا بالقول: «أولا، أود أن أحيي وأدعم الطواقم الطبية في مستشفى رمبام، من العرب واليهود على حد سواء، على عملهم المتفاني يوما بعد يوم من أجل إنقاذ الأرواح وعلاج البشر كبشر، دون تمييز على أساس القومية أو الدين أو اللغة»، منبها إلى أن هذه هي الروح التي يقوم عليها جهاز الصحة في البلاد والعالم، وهذه هي الروح التي يجب علينا الحفاظ عليها. وتابع: «أدين كل مظاهر العنصرية والتحريض ضد أفراد الطواقم الطبية، وأدعم المواقف المسؤولة والعقلانية لإدارات المستشفيات وللطواقم الطبية نفسها».
قال نائب رئيس بلدية حيفا: «علينا أن نعزز الأصوات الداعية إلى الحياة المشتركة، وأن نحافظ على نسيج الثقة والعلاقات الحساس بين أفراد الطواقم الطبية العرب واليهود، وبينهم وبين المرضى، عربا ويهودا على حد سواء. لا يمكن التغاضي عن التوقيت ومحاولة تحويل الحادثة إلى حملة تحريض عنصرية عشية الانتخابات العامة في إسرائيل، بهدف جني مكاسب سياسية على حساب الطواقم الطبية، وعلى حساب جهاز الصحة والعلاقات الحساسة داخله. ونؤكد أن طواقمنا لن تكون لقمة سائغة بين أنياب العنصريين». تابع: «مجرد التحدث بالعربية ليس عامل اشتباه ولا دليل إدانة، لا سيما حين نتحدث عن أطباء وممرضين وأفراد طواقم طبية يرتدون الزي الطبي ويكرسون عملهم للعلاج وإنقاذ حياة البشر. لا يجوز تحويل اللغة أو الهوية أو الانتماء إلى شبهة أو اتهام».
بالورود في وجه التحريض
كما نظم حراك «نقف معا»، اليهودي – العربي، اليوم زيارة تضامنية إلى مستشفى «رمبام» في حيفا، بمشاركة قوى وناشطين آخرين انضموا إلى المبادرة، احتجاجا على حملة التحريض المتصاعدة ضد الأطباء والطواقم الطبية العربية في المستشفى.
جاءت المبادرة تحت عنوان «نوقف التحريض ضد الأطباء»، حيث وزع المشاركون الورود على الطواقم الطبية تعبيرا عن التضامن معها، وتأكيدا على رفض التحريض والعنصرية التي تستهدف العاملين العرب في الجهاز الصحي. قال حراك «نقف معا» إن الخطوة جاءت ردا على تصاعد التحريض وتداول معلومات كاذبة خلال الأيام الأخيرة ضد أطباء عرب في مستشفى «رمبام». وأضاف الحراك أن «الدور وصل الآن إلى الطواقم الطبية لتتعرض للعنصرية الموجهة ضد المجتمع العربي في إسرائيل»، منتقدا انضمام مسؤولين حكوميين إلى حملة التحريض ضد العاملين في المستشفى.
أكد «نقف معا» في بيانه أن الأطباء والطواقم الطبية يعملون على إنقاذ حياة جميع المرضى دون تمييز، مؤكدا أن اللغة التي يتحدث بها الطبيب أو الممرض لا يمكن أن تكون ذريعة للتحريض عليه أو التشكيك في مهنيته. انضمت إلى النشاط التضامني قوى وناشطون إضافيون، في رسالة مشتركة تؤكد ضرورة حماية العاملين في الجهاز الصحي والتصدي للعنصرية والتحريض ضد الطواقم الطبية العربية.
الطبيب اللبناني الراحل الدكتور نايف حمزة
يشار إلى أن هناك عدة مستشفيات حكومية وخاصة في حيفا، التي يقيم فيها اليوم نحو 40 ألف مواطن عربي، فيما يبلغ مجمل سكان المدينة نحو نصف مليون نسمة، ويعمل فيها عدد كبير من الأطباء والقوى الطبية المساندة، وتبلغ نسبتهم نحو 40% في معظم المستشفيات. زادت نسبة العرب الفلسطينيين العاملين في مهنة الطب والتمريض داخل المستشفيات الإسرائيلية منذ نحو عقدين، نتيجة تحول كثير من الطلاب اليهود من مجال الطب إلى الهايتك بدوافع اقتصادية.
مستشفى حمزة يتحول إلى «رمبام»
أنشأ الطبيب اللبناني الراحل الدكتور نايف حمزة المستشفى، وبقي يحمل اسمه حتى نكبة حيفا، فتحول إلى مستشفى «رمبام». وحمزة مولود عام 1895 في قرية عبيه اللبنانية، بلدة الأسير السابق الراحل سمير قنطار. وفي 1919 تخرج نايف حمزة طبيبا من «الجامعة الأمريكية في بيروت»، واختص بالجراحة وطب النساء، وتميز طالبا نجيبا، كما يؤكد بعض زملائه على مقاعد الدراسة. وكالكثير من المثقفين اللبنانيين، قدم من وطنه إلى الجارة فلسطين، وأقام في حيفا، شقيقة بيروت، سنوات طويلة، حتى تسونامي النكبة، فانتقل إلى نابلس قبل عودته إلى بيروت. وحمل رخصة طب رقمها 193.
بحسب مصادر أرشيفية، عين الدكتور نايف طبيبا ضمن الجيش البريطاني عام 1920، وزاول مهنة الطب في دول المنطقة، آخرها السودان، قبل أن يصل إلى يافا ورام الله والقدس، وأخيرا إلى حيفا ونابلس، حيث أقام عيادة حيفاوية وسرعان ما ذاع صيته كطبيب ماهر مميز، وزار عيادته مرضى من كل أرجاء البلاد.
عمارة «مستشفى حمزة»، المسقفة بالقرميد الأحمر، هي دير الزوارا، بنته راهبات الكرمليات عام 1894، وفي الحرب العالمية الأولى حولته الدولة العثمانية إلى مستشفى عسكري، وعاد ديرا بعد انتهائها حتى 1936، حيث انتقلت الراهبات إلى دير جديد في الكرمل الفرنسي. واستخدمه الانتداب البريطاني مستوصفا لعدة شهور لخدمة النخب الحاكمة واستعدادا للحرب العالمية الثانية، وما لبث أن بنى بجواره عام 1938 مستشفى جديدا شمل 225 سريرا، بمبادرة الدكتور نايف حمزة، الذي عمل فيه جراحا رئيسيا في المستشفى حتى 1942، وما لبث أن عين مديرا للمستشفى حتى نكبة فلسطين عام 1948.
ناشطون من حراك “نقف معا” يزورون المستشفى ويقدمون زهورا للعاملين
قال المؤرخ البروفيسور قيس فرو، ابن دالية الكرمل، لـ»القدس العربي»، قبيل رحيله، إن والده ماضي حمزة مدين بحياته للدكتور حمزة، الذي أجرى له عملية جراحية عام 1939، وكذلك أنقذ شقيقه معين، وهو في العام الأول من عمره، سنة 1947. من بين زملاء حمزة الأطباء الدكتور عبد اللطيف اليشرطي، أبو عمر، من عكا أصلا والمقيم في إيرلندا. وعن تلك الفترة قال لنا، خلال زيارة للبلاد، إن أطباء عربا وأجانب ويهودا عملوا في مستشفى «حمزة» دون تمييز على أي خلفية، ويذكر من الأطباء العرب سيمون بطيش، المسؤول عن قسم الصحة، وشفيق حداد، والجراح الدكتور نايف حمزة.
شاعر العامية سعود الأسدي
كان لشاعر العامية الفلسطيني سعود الأسدي، ابن بلدة دير الأسد والمقيم في الناصرة اليوم، قصة مع الطبيب حمزة، فقد أصيب وهو في الرابعة من عمره بمرض التيفوئيد، ووقتها عز الدواء لمثل هذا الداء. لما رغبت والدته في نقله إلى مستشفى حمزة، تحفظ والده وقال مشككا في احتمالات شفائه: «ما تغلبي حالك.. الولد يا صابح يا ماسي». لكنها صممت، فاصطحبته واستقلت الحافلة من دير الأسد إلى عكا، ومنها إلى حيفا عند محطة القطار الشرقية، ثم سيرا على الأقدام حتى وصلا إلى «مستشفى حمزة».
ينقل الأسدي عن والدته قولها إنها كانت تزوره يوميا رغم المعاناة، وكانت تضطر أحيانا إلى تسلق جدار المستشفى والقفز عنه لتدخل غرفة ولدها، بعدما كانت تصل متأخرة وقد انتهت ساعات الاستقبال. يشير إلى أن المريض بالتيفوئيد كان يحجر في «أوضة عزرايين»، أي غرفة الموت، كونه حالة ميؤوسا منها لشح الأدوية.
يضيف متوددا: «لكنني رفست عزرايين بوجهه وقلت له: ما بتستحي على حالك؟ فحط ذيله بين إجريه وهرب، ونجوت من الموت». وبحمية أبو القاسم الشابي، الشاعر التونسي الراحل، يتساءل الأسدي: «وكيف أخشى الموت وأنا مطعم بالمتنبي والمعري؟».
تطرق سعود الأسدي إلى تلك الحادثة في قصيدة «كحبتي تين ناضجتين»، وينقل عن والدته تأكيدها أن الطبيب نايف حمزة كان لطيفا وكريما، ويسامح مرضاه الذين عجزوا عن توفير كلفة التداوي. يقول إنه رجل صاحب مكرمات، وفلسطين تشهد له بصفته طبيبها الأول وبما له من أياد بيضاء على فقرائها.