فضيحة الهواتف في لبنان.. من يتحمّل المسؤولية؟

post-img

محمد باقر ياسين

تتجه الأنظار في لبنان نحو فصول أزمة تنظيمية ومالية جديدة تضع الاستقرار الاقتصادي واليومي في عين العاصفة، عقب صدور قرار مفاجئ من وزارة الاتصالات يطالب أصحاب 215 ألف جهاز خليوي بتسديد رسومها الجمركية فورًا أو مواجهة عقوبة إسقاط الخدمة والقطع النهائي عن الشبكة. هذا الإجراء الإداري، والذي تفجّر إثر تدقيق مالي كشف فروقات حسابية شاسعة، تزامنت مع إدخال طرازات حديثة مثل "آيفون 17" إلى الأسواق، يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حقوقية بالغة الجدية عن فلسفة جباية الأموال والجهات الملزمة بها قانونًا وأخلاقيًا. 

من هذا المنطلق، يسلط هذا التقرير الاستقصائي الضوء على كواليس الملف المالي والقضائي، مفندًا الأبعاد القانونية المحلية والدولية التي تؤكد حتمية حماية "المستهلك حسن النية" من تداعيات غياب الرقابة الرسمية على المعابر والأسواق التجارية.

1. كواليس "فضيحة الآيفون" والشركات الوهمية أمام القضاء

استنادًا إلى المعطيات الرسمية والتحقيقات التي نشرتها جريدة "النهار" اللبنانية، فإن خيوط القضية بدأت تتكشف إثر مراجعة حسابية أجراها وزير المال عن تراجع الإيرادات المتأتية من قطاع الخليوي. بناءً على التدقيق التقني المشترك، تبين أن المنظومة الرقابية لم تستوفِ الرسوم الجمركية عن مئات آلاف الأجهزة منذ العام 2019. علاوة على ذلك، كشفت التحريات القضائية عمليات تزوير واسعة النطاق نفذها كبار المستوردين باستخدام "شركات وهمية"، وبالتصريح عن هواتف ذكية حديثة وباهظة الثمن على أنها طرازات قديمة ومنخفضة القيمة للالتفاف على الضرائب، ما أدى حكمًا إلى تجميد وضياع عشرات ملايين الدولارات على الخزينة العامة، وهو الأمر الذي استدعى إحالة الملف بالكامل إلى القضاء المالي اللبناني لتحديد المسؤوليات.

2. ثغرات تقنية ورسائل التحذير تطال أجهزة خارج نطاق القرار

بالتوازي مع الكواليس المالية، رصد موقع "أوراق" مفارقات تقنية واجهت عددًا من المواطنين، إذ تبين أن الرسائل التحذيرية لم تقتصر على الأجهزة المخالفة المسجلة بعد العام 2019، طالت أيضا أجهزة سابقة لهذا التاريخ من دون مراعاة لتاريخ أول اتصال لها بالشبكة. في هذا السياق، تبلغ موقع "أوراق" شكوى من أحد المواطنين يفيد بتلقيه رسالة تهديد بقطع الشبكة على هاتف محمول قديم كان قد اشتراه، وبدأ باستخدامه منذ العام 2016، أي قبل الإطار الزمني المستهدف بالقرار بثلاث سنوات كاملة. تكشف هذه الحوداث الموثقة عند "أوراق" وجود تسرع أو عدم دقة في الفحص الآلي للأرقام التسلسلية (IMEI)، ما أدى لإرسال الرسائل عشوائيا؛ فشمل أجهزة قديمة تخطت عمرها الافتراضي وباتت قيمتها السوقية الحالية زهيدة جدًا.

3. الرأي القانوني الدولي و"الضريبة على السلعة لا على الشخص"

في الفقه القانوني الدولي والاتفاقيات التجارية العالمية، وفي مقدمتها اتفاقية كيوتو لتبسيط وتنسيق الإجراءات الجمركية، تُعرف الرسوم الجمركية بأنها ضرائب غير مباشرة تُفرض على السلعة لحظة عبورها الحدود الجغرافية للدولة والمكلف القانوني والشرعي بدفعها هو المستورد أو الشاحن, وليس المستهلك النهائي. من هذا المنطلق، يرى خبراء إدارة الاتصالات الدوليين أن مطالبة المشترك بتسديد رسم جمركي بعد انتقال السلعة إلى حيازته واستقرارها في السوق هو خلل تشريعي؛ إذ لا يمكن تحويل المواطن العادي إلى "جهة رقابية" بديلة عن الدولة تتفحص السجلات الضريبية للمتاجر قبل الشراء. في الأنظمة السليمة، تقع مسؤولية الحجز والتحصيل عند النقاط الحدودية والمرفئية حصرًا، وتُعد السلعة المعروضة في متجر مرخص سلعة شرعية ومبرأة من أي التزام ضريبي تجاه المشتري.

4. الثغرة التشريعية اللبنانية والمادة 388 وسقوط التقادم

أما بالانتقال إلى متن القانون اللبناني، فإن ملاحقة هذه الأجهزة بأثر رجعي يصطدم بعقبات تشريعية واضحة تزيد من قوة موقف المواطن المتضرر. بموجب أحكام المادة 388 من قانون الجمارك اللبناني، تسقط دعاوى المطالبة بالرسوم والضرائب الجمركية بعد مرور 5 سنوات فقط إذا كان عدم استيفائها ناتجًا عن غلط، أو سهو، أو إهمال من الإدارة العامة والرقابية. نتيجة لذلك، فإن بقاء هذه الهواتف الـ 215 ألفًا عاملة على الشبكتين الحكوميتين (ألفا وتاتش) لسبع سنوات متواصلة (منذ 2019 وحتى 2026)، وقبض الدولة لضرائب استهلاكها وفواتيرها الدورية من دون إرسال إخطار فوري للمواطن منذ اليوم الأول لشرائه الجهاز، يُعد قانونًا بمثابة "قبول ضمني وتضامني" بشرعية وجودها واستقرار مركزها القانوني، ما يجعل تفعيل عقوبة قطع الشبكة اليوم يقع في باب التعسف الإداري.

5. حتمية الملاحقة من دون ظلم هو واقع المتاجر المدمرة فوق الأرض

إن مطالبة الوزارة للمواطنين بدفع الرسم؛ ثم ملاحقة أصحاب المحال تجاريًا، تبدو بمثابة آلية تعجيزية تنفصل تمامًا عن الواقع الإنساني والاقتصادي المرير في لبنان. إذ إن "القوة القاهرة" للانهيار المالي الشامل، منذ العام 2019، تضاف إليها ظروف الحرب والعدوان المتواصل لعام 2026، قد أدت بالفعل إلى إقفال آلاف المتاجر والمؤسسات بشكل نهائي. علاوة على ذلك، العديد من هذه المحال والمتاجر الحدودية وفي العاصمة قد تحولت إلى ركام وتدمرت بالكامل، وتسببت الأحداث في مقتل أو نزوح أصحابها. في ظل هذه الاستحالة الواقعية للعودة إلى البائع الأصلي، يصبح إجبار المواطن، والذي قد يكون نازحًا أو فاقدًا لعمله، على سداد الضريبة مرتين بمثابة عقوبة مزدوجة تُسقط حقوق المستهلك الأساسية.

6. حماية الخزينة وصون حقوق المواطن

ختامًا، يتفق خبراء الاقتصاد والقانون على أن للدولة اللبنانية كامِل الحق والواجب في ملاحقة المتهربين جمركيًا، وتحصيل الأموال المنهوبة لرفد الخزينة العامة ومحاسبة شبكات التهريب وحيتان الاستيراد الذين استخدموا شركات وهمية لتمرير صفقاتهم. غير أن هذا الحق المطلق يجب ألا يستقيم أبدًا على حساب ظلم المواطن "حسن النية" أو معاقبته بقطع وسيلة اتصاله الحيوية والإنقاذية في زمن الحرب. إن الحل العادل يتطلب تجميد التدابير التقنية العقابية بحق المستهلكين وتركيز الجهد القضائي والجمركي نحو مطابقة البيانات الاستيرادية للوكلاء والشركات الكبرى لاسترداد عشرات ملايين الدولارات من منابعها الحقيقية، بدلًا من جباية الثمن من الحلقة الأضعف في البلاد.

المراجع القانونية والرسمية للتقرير:

1- موقع "أوراق" الإخباري: الشكاوى الميدانية الحصرية والشهادات الموثقة المرفوعة من قِبل المواطنين المتضررين (حالة جهاز طراز 2016).

2- قانون الجمارك اللبناني الصادر عن مرسوم تشريعي: نصوص المادتين 355 و 388 المتعلقتين بمدد مرور الزمن والتقادم المسقط للدعاوى الجمركية الناتجة عن سهو أو غلط الإدارة العامة.

3- اتفاقية كيوتو الدولية (International Kyoto Convention): المعايير والاتفاقيات الدولية الصادرة عن منظمة الجمارك العالمية لتنسيق وتبسيط الإجراءات وتحديد مسؤوليات المستورد والمستهلك.

4- البيانات الرسمية لوزارتي المال والاتصالات في لبنان: المذكرات والتقارير الإدارية المرفقة بإحالة ملف الفروقات المالية للأجهزة الخليوية إلى النيابة العامة والقضاء المالي لعام 2026.

5- تحقيق جريدة "النهار" اللبنانية (ملف قطاع الاقتصاد والأعمال): المنشور في 21 أغسطس 2026 تحت عنوان "215 ألف هاتف غير مجمرك في لبنان... الملف أمام القضاء والمواطن يدفع ثمن الخلل" (للكاتبة سلوى بعلبكي).

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد