استعرضنا، في الجزء الأول، تراكمات التاريخ الإسكندري، وكيف توثق رحلة صغيرة بالقطار عصورًا تاريخية وتحولات سياسية، وكيف يحوي قصر واحد، مثل قصر المنتزه، تسلسلًا تاريخيًا له دلالات كاشفة. في هذه الحلقة نكمل معكم معالم التنوع الحضاري والثقافي، ونبدأ من حيث انتهت الحلقة الأولى بقصر المنتزه، ورواية لطيفة يتداولها بعض أهالي الإسكندرية عن عرافة التقى بها الملك فاروق، وكيف تنبأت بنهاية حكمه.
حكاية العرافة في حديقة المنتزه
يحكي الروائي الإسكندري اليوناني الأصل "هاري تزالاس"، في كتابه "وداعًا الإسكندرية"، قصة رواها له أحد بائعي الكتب القديمة في العطارين عن والده الذي كان يعمل في حدائق المنتزه. يقول إن الملك فؤاد فوجئ بوجود عرافة كانت تتجول في الحدائق، فتنبأت له بمستقبل حافل ومُلك مزدهر، وطلبت منه أن يحافظ على أول حرف في اسمه حرف الفاء، ويطلقه على أولاده وذريتهم من بعده، فأمر الملك بوضع حرف الفاء لتزيين أجزاء مختلفة من القصر وأعلى البوابات، وأطلق أسماء تبدأ بحرف الفاء على جميع أولاده فوزية وفايزة وفتحية وولي العهد فاروق. تابع الملك فاروق استخدام حرف الفاء في تسمية زوجه الملكة فريدة ثم الأميرات فوزية وفريال وفايدة، ولكنه عندما تزوج ناريمان، وأنجب منها الأمير أحمد فؤاد، لم يتبع التقليد نفسه، فجاءت نهاية ملكه، ونفي بعد ثورة العام 1952.
.jpg)
كورنيش الإسكندرية يوثق تنوعها التاريخي
بينما جولة على كورنيش الإسكندرية تفاجئك بأحياء أخرى تشهد على تنوع ثرائها الثقافي والحضاري، وكونها مكانًا للجنسيات المختلفة، مثل: لوران نسبة إلى الخواجة لوران صاحب شركة سجاير في القرن ال19، زيزينيا نسبة إلى الكونت زيزينيا وكان تاجرًا للقطن، وبولكلي وفلمنج وشوتس من مؤسسي مجلس إدارة سكة حديد الرمل سنة 1860، والتي أصبحت في ما بعد سكة ترام الرمل، وسان إستيفانو تخليدًا لذكري انتصار الصرب على الأتراك، بمساعدة روسيا في العام 1874، في موقعة سان إستيفانو وجليم نسبة إلى أحد أعضاء المجلس البلدي لمدينة الإسكندرية من اليونانيين، وجاناكليس نسبة إلى الخواجة جاناكليس صاحب مزارع العنب ومصانع التقطير، وسابا باشا المدير المصري للبوسطة الخديوية، وسموحة نسبة إلى جوزيف سموحة وهو يهودي عراقي جاء إلى مصر ليتاجر في الأقمشة
كذلك الأزاريطة المشتقة من الكلمة الإيطالية لازاريتا أو الكارنتينا؛ حيث كانت مقامة تلك المنطقة للحجر الصحي للقادمين من الشرق. المنشية، وهو مسمى يطلق على المنطقة الرئيسة في المدينة أو القرية أو المركز التجاري بها. أطلق هذا الأسم علي هذا الحي حيث كان هو مركز النشاط التجاري و هو مكان حافل بالتاريخ ووجود القنصليات علي جانبي المكان .
الورديان، وهو توثيق لمكان مخازن الجمارك، وكانوا يطلقون عليها "وارد"، وتطورت إلي ورديان ومحرم بك نسبة إلي محرم بك زوج تفيدة هانم ابنة محمد علي باشا، وكان حاكمًا للجيزة ثم الإسكندرية ثم قائدًا للأسطول المصري في العام 1826. والمكس من "المكوس"، أي الجمارك، وكانت تحمّل في هذه المنطقة البضائع الواردة من الغرب.. رأس التين توثيقا لبداية حقول التين، والتي يشتهر الساحل الشمالي بزراعته ثم تحولت لمنطقة ملكية بها قصر من أكبر القصور الملكية وحاليا الرئاسية.
أما العجمي، والتي جاء ذكر إسمها لأول مرة فى مذكرات رحالة إنجليزى اسمه "فورستر"، ويقال إنها سميت بذلك لوجود قلعة قديمه للفرس كان السكان المحليون يسمونها "قلعة العجم" ـ هناك رواية ثانية تنسبها إلى الشيخ محمد العجمي، وهو من أولياء الله الصالحين، وكان مقيمًا في تلك المنطقة المطلة على البحر.
هناك أيضًا منطقة القباري، وتنتسب إلي الشيخ الزاهد "أبي القاسم القباري" المالكي الإسكندري، والمعاصر للدولتين الأيوبية والمملوكية، قد نشأ في الإسكندرية، وعاش فيها زاهدًا متقشفًا. كما عرف بالقباري نسبة إلى ثمار "القبار"، وهو نوع من العنب التي كان يزرعها في بستان ورثه عن أبيه.

الشاطبي، ينتسب إلي الشيخ " أبي عبد الله الشاطبي"، والمتوفي في العام 672 هجريصا؛ والمسمي بالشاطبي نسبه إلي مدينة" شاطبة" بالأندلس؛ حيث ولد ثم نزح إلى دمشق ومنها إلى الإسكندرية. "العطارين" لوجود سوق العطارين، في وسط الإسكندرية، عندما كانت مركزًا تجاريًا مهمًا، واشتهرت بتجارة التوابل. "كامب شيزار"، أي معسكر قيصر، وسميت بذلك لرسو سفن يوليوس قيصر في هذا المكان؛ فأمر بإقامة معسكر للجنود... هكذا تشهد مسميات احياء وشوارع الاسكندرية على تنوع العصور وتداخل الثقافات وهو ما جعلها مدينة جاذبة لكل الطبقات والتنوعات.
التصوف الإسكندري
"حي المرسي أبو العباس" ينسب إلى الإمام الصوفي شهاب الدين أحمد بن حسن بن علي الخزرجي الأنصاري المرسي، والذي ولد في مدينة مرسية في الأندلس، في العام 616 هـ (1219م)، وانتقل إلى الإسكندرية في مصر ليستقر فيها ويصبح أحد أبرز رموزها الروحية. إلى جانب ذلك تحتضن الإسكندرية نحو 400 ضريح ومقام لأولياء الله الصالحين، وتُعد مركزًا رئيسًا للطرائق الصوفية في مصر. يتركز أشهرها في منطقة ميدان المساجد، في حي الجمرك وبحري، مثل مسجد أبو العباس المرسي ومقام الإمام البوصيري، حيث تُقام حلقات الذكر والاحتفالات السنوية في الموالد.
تعتقد الطرائق الصوفية في مصر أن سيدنا الخضر(ع) اتخذ من الإسكندرية مقامًا. إذ يكشف الباحث الصوفي مصطفى زايد أن هناك مخطوطة من أقدم المخطوطات الصوفية والتاريخية تقول إن سيدنا الخضر اتخذ من الإسكندرية مقامًا، وتجلّى فيها مرارًا لرجال الله، يعلّمهم، ويرشدهم، ويغمرهم بسرّه، لا في الرؤى فقط، في الصحو أيضًا.
الشخصية الإسكندرية الفريدة
الشخصية الإسكندرية عاشقة ومنتمية للمدينة ولبحرها؛ بشكل يقترب إلى التعصب، إلا أنها متسامحة ومضيافة في الوقت ذاته. هي ترى أن الإسكندرية أصل الحضارة والمدنية، ولهجتها المميزة هي الأصح والأقرب للغة العربية وللاشتقاقات من اللغات الأجنبية. قال أحد عشاقها، وهو الدكتور عماد هلال ‘ن كلمة "جني" المعروفة بها العملة المصرية "الجنيه" هي الأصح، لأنها مشتقة من الكلمة الإنجليزية "غيني". لقد كان الإنجليز يسمونها هكذا، لكن أفسد نطقها الآخرون، كذلك الفعل الماضي المفتوح في اللهجة الإسكندرية هو الأصح والأقرب للغة العربية الفصحى.
الشخصية الإإسكندرية عاشقة للشتاء وللنوات والأمطار، وترى فيها الخير والبشرى. كما لا تحب ازدحام الصيف وتراه مفسدَا لهدوء المدينة وسحرها. تشتهر بأنها تهجر بحرها صيفًا وتتركه للمصطافين، مع هذا الضيق، إلا أنها ترحب بالزائرين، وترى في محبتهم للإسكندرية فخرًا لهم.
كما تتميز الشخصية الإسكندرية بالشهامة، وتسمى في مصر "الجدعنة". إذ يتميز أهل كل منطقة بالانتماء إليها، ويعد الجار جزءًا من الأهل؛ حين يطلقون كلمتهم الشهيرة "هذا مننا"، أي جزء لا يتجزأ منهم، فحمايته وخدمته واجبة.
مدينة مقاومة
كما يشتهر الإسكندريون، طوال التاريخ، بالثورة والحماسة وعدم السكوت عن الحق. لقد شهد التاريخ مقاومتهم للغزاة، وأشهرها مقاومة الحملة الفرنسية بقيادة المقاوم الكبير الشيخ محمد كريم، واستقبال الزعماء الوطنيين مثل سعد زغلول، واحتضان ثورة يوليو وزعيمها جمال عبد الناصر في أكثر من مناسبة. مما لا شك فيه أن خطاب التأميم الشهير لقناة السويس لم يكن عبثا أن يلقى في ميدان المنشية في الإسكندرية.
لقد اتخذ أهالي الإسكندرية من مسجد القائد إبراهيم منطلقا لاحتجاجاتهم وثوراتهم. يقول محمد عثمان، وهو أحد شباب ثورة 25 يناير، إن للمسجد من اسمه نصيبًا، فمنذ بنائه في العام 1948 وساحته تشهد زحف جماهير الإسكندرية إليها لتعبر عن غضبها، كلما وقع حدث جسيم داخل مصر أو خارجها.
الإسكندرية شاهد على التحولات السياسية والاجتماعية
مما لا شك فيه أن هناك تغيرات طرأت على الإسكندرية، حيث امتدت العشوائيات إلى قراها وضواحيها وأحيائها، بسبب التهافت السكاني عليها، فاستغل المقاولون ضعف وفساد الحكومات في التعديات على الأراضي الزراعية والبناء غير المرخص، فتسبب بالازدحام والأزمات؛ لأنها لم تكن مخططة لتحمل هذا القدر من العمران العشوائي. كما عبثت الخصخصة بشواطئها التاريخية، فأصبحت التجارة عنوانًا لمعظم المدينة؛ حيث أصبح الاستمتاع بسحرها مدفوعا للمستثمرين ورجال الأعمال. لكنها تظل قبلة للمصطافين الشعبيين بعد تركز الاستثمار، في الساحل الشمالي وقراه الجديدة ومشروعاته الممولة والمحتكرة خليجيًا.
كما يأتي الزائر لاستعادة ذكرياته ومقارنة الحاضر بالماضي القريب. المفارقة أن القطاعات الشعبية ملأت فراغ صفوة القوم الذين احتكروا مناطق لم يكن يحلم الفقراء بأن يدخلوها مثل مناطق القصور والفيلات، في العجمي.. وأماكن أخرى صنفت بأنها راقية وقاصرة على طبقة الأثرياء فقط.
كما يقول أدهم، وهو "طالب جامعي"، أنه مع حداثة سنه، فقد شهد تغيرات كبيرة منذ طفولته عندما تحول شارع مزين بالأشجار ومؤد إلى فيلا على البحر في العجمي، إلى ممر يؤدي إلى عمارة عشوائية أقيمت على أنقاض الفيلا، فأصبحت مقلبًا للقمامة. أما العمارة التي يسكن فيها، فقد كانت مواجهة للبحر ثم حجبت بفعل بناء فندق كبير حجب الرؤية عن شرفته. هذا يعني أن التطورات سريعة، وتستدعي وقفة جادة لحماية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جمال وسحر المدينة وذاكرة الناس والمكان.
خاتمة
الهوية الإسكندرية لا تتصادم مع الهوية المصرية، تطرح نفسها بأنها المعبر الأجدر عن هوية مصر المتسامحة والمضيافة والرافضة للغزو والظلم والانتهاك. من النادر أن تجد مدينة يجتمع على عشقها الشعب كافة، بتنوعاته وأمزجته المختلفة، في حين تشكّل الإسكندرية هذا الاستثناء، في جدارتها بحمل لقب "عروس البحر الأبيض المتوسط".
هي مدينة معقدة وتاريخها مركب، وهي قصة تاريخية مرئية ومعاشة، فكأنك وأنت تتنقل في شوارعها وأحيائها تسافر عبر الأزمنة.. قد تعلن غاضبًا أنك لا تستطيع البقاء وقبول تشوهاتها وضياع معالم وازنة من سحرها، ولكنك لا تستطيع هجرتها ولا مقاطعتها، فسحرها لا يبدو قاصرًا على معالمها، إنما يضم جوانب مركبة وغيبية من الهواء العليل وروح التاريخ.