لم يكن الدين الأمريكي، منذ نشأة الجمهورية، مجرد رقم في دفاتر وزارة الخزانة. كان في جانب كبير منه ثمنًا للقوة وتمويلًا للحروب وبناءً للقدرة الصناعية والعسكرية، ثم أداة لتوسيع النفوذ الأمريكي خارج الحدود. لهذا؛ فإن قراءة الدين بوصفه علامة تلقائية على «انهيار أمريكا» ليست دقيقة. الدول لا تسقط لمجرد ارتفاع ديونها، إنما تبدأ أزمتها عندما تصبح كلفة الحفاظ على قوتها أكبر من قدرتها على تمويلها، وعندما يتحول الدين من أداة للقوة إلى قيد عليها.
منذ البداية؛ كانت علاقة الولايات المتحدة بالدين العام أكثر تعقيدًا من الصورة التي تقدمها المعارك السياسية الراهنة. الجمهورية الخارجة من حرب الاستقلال خرجت أيضًا بديون ضخمة، وكان ألكسندر هاملتون يرى أن الدين العام، إذا أُدير بمسؤولية، يمكن أن يصبح مصدر قوة للدولة الجديدة. منذ ذلك الوقت، تراوحت واشنطن بين التوسع في الاقتراض عندما تحتاج إلى الحرب أو الإنقاذ، وبين خفض الدين عندما تسمح الظروف الاقتصادية والسياسية.
الحرب الأهلية الأمريكية دفعت الدين إلى مستويات غير مسبوقة آنذاك، ثم جاء خفضه بعد الحرب. والحربان العالميتان الأولى والثانية كررتا النمط على نطاق أوسع. إذ ارتفع الدين لتمويل التعبئة العسكرية، ثم انخفضت نسبته إلى الناتج في العقود التالية بفضل النمو الاقتصادي. لم يكن الدين وحده هو المشكلة، أيضًا قدرة الدولة على تحويل الاقتراض إلى قوة إنتاجية، ثم استعادة قدر من الانضباط المالي.
حتى منتصف القرن العشرين، ظل الدين مرتبطًا بدرجة كبيرة بظروف استثنائية: حرب وكساد أو أزمة كبرى. بعد سبعينيات القرن الماضي؛ تغيرت المعادلة تدريجيًا. أصبح العجز أكثر ارتباطًا ببنية سياسية واقتصادية دائمة، تخفيضات ضريبية وبرامج اجتماعية وإنفاق عسكري وأزمات متعاقبة تعالج غالبًا بمزيد من الاقتراض.
في عهد رونالد ريغان؛ ارتفع الدين بقوة مع التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق الدفاعي، ثم حقق بيل كلينتون فوائض موازنية في التسعينيات قبل أن تعود الولايات المتحدة إلى العجز في عهد جورج بوش (الابن) مع التخفيضات الضريبية والحربين في أفغانستان والعراق. جاءت، بعد ذلك، الأزمة المالية في العام 2008، وبعدها جائحة كورونا، لتدفعا الاقتراض إلى مستويات جديدة.
هذه السلسلة تكشف أن الدين الأمريكي ليس اختراع إدارة واحدة، هو حصيلة قرارات تراكمت مع إدارات ديمقراطية وجمهورية. لكن ما كان استثناءً في زمن الحرب أصبح تدريجيًا جزءًا من الوضع الطبيعي للدولة الأمريكية.
لذلك؛ فإن بلوغ الدين مستوى تاريخيًا جديدًا لا يعني، في ذاته، أن أمريكا على وشك الانهيار. الرقم لا يُقرأ منفصلًا عن حجم الاقتصاد والإيرادات وكلفة خدمة الدين وقدرة واشنطن على إعادة التمويل ومكانة الدولار وسوق سندات الخزانة.. لكن الرقم يصبح أكثر إثارة للقلق عندما تتسارع وتيرته، وتزداد حصة الموارد العامة التي تذهب إلى خدمة الدين بدل الاستثمار والخدمات.
تظهر المفارقة، بوضوح، في اقتصاد القوة الأمريكية. الدولة التي تستطيع إنفاق مليارات الدولارات على حاملات الطائرات والقواعد العسكرية والحروب البعيدة، تجد نفسها أمام فاتورة متزايدة للحفاظ على الدين الذي موّل جانبًا من هذه القوة. كما أن ما أنفق على القوة العسكرية لا ينتهي حسابه بانتهاء الحرب، يبقى جزءًا من الكلفة التي تحملها الخزانة الأمريكية على مدى سنوات طويلة.
منذ الحرب العالمية الثانية، ارتبط الصعود المالي الأمريكي بالصعود الجيوسياسي. وضع بريتون وودز الدولار في مركز النظام النقدي العالمي، ثم أدى قرار الرئيس نيكسون، في العام 1971، بإنهاء قابلية تحويل الدولار إلى الذهب إلى نظام أكثر اعتمادًا على الثقة بالدولار والدولة التي تقف خلفه. منح ذلك واشنطن امتيازًا لا تملكه معظم الدول، هو الاقتراض بعملتها وتمويل عجز ضخم من دون مواجهة العقوبة الفورية التي تواجهها دول أقل نفوذًا.
لكن الامتياز نفسه يحمل تناقضه. كلما اتسعت القوة التي تحتاج إلى تمويل، اتسع الدين.. وكلما اتسع الدين، ارتفعت كلفة الحفاظ عليه. مع ارتفاع كلفة خدمته، يضيق هامش القرار، وتصبح الدولة مضطرة إلى المفاضلة بين أولويات لم تعد مواردها تكفي لتمويلها جميعًا بالسهولة نفسها.
لذلك؛ سيكون اختزال الأزمة في عهد دونالد ترامب مريحًا سياسيًا، لكنه غير دقيق تاريخيًا. ترامب ورث دينًا ضخمًا، ولم تبدأ معه ظاهرة العجز، لكنه ورث أيضًا دولة اعتادت معالجة الأزمات بمزيد من الإنفاق واستخدام القوة الاقتصادية والعسكرية للحفاظ على موقعها العالمي. اليوم، وقد تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي مستوى 40 تريليون دولار، تكتسب هذه الحقيقة وزنًا سياسيًا أكبر، خصوصًا مع استمرار ارتفاع كلفة خدمة الدين، ثم أضاف ترامب إلى هذه المعادلة سياسات تجارية وتخفيضات ضريبية وضغوطًا جديدة على الموازنة.
المشكلة ليست أن ترامب صنع الدين الأمريكي من الصفر، بل إن الخطاب السياسي في عهده يتعامل أحيانًا مع القوة كما لو أن تمويلها يمكن أن يستمر بلا نهاية.
في الولايات المتحدة، لا يعيش المواطن داخل رقم الأربعين تريليون دولار. يعيش داخل فاتورة الكهرباء وسعر الوقود والإيجار والغذاء والتأمين وقيمة راتبه أمام التضخم. لا يشعر مباشرة بفائدة الدين، لكنه يلمس آثارها عندما تضيق مساحة الإنفاق العام، وترتفع كلفة التمويل، وتتأجل الاستثمارات والخدمات. مع اتساع خدمة الدين، يتحول الرقم الموجود في حسابات الخزانة إلى أثر ملموس في حياة الناس، لأن جزءًا أكبر من الموارد التي كان يمكن أن تذهب إلى المستقبل يصبح مخصصًا لدفع كلفة الماضي.
لذلك؛ تتحول المسألة المالية تدريجيًا إلى مسألة سياسية. عندما يرتفع الدين في عهد رئيس يعلن أنه أعاد الاقتصاد إلى القوة، يصبح الرقم خصمًا سياسيًا لا يمكن إخفاؤه بسهولة. لكن ترامب، بدل مواجهة المفارقة، يميل إلى خوض المعركة التي يجيدها أكثر، وهي معركة الأشخاص. إذ مثل كارلسون ومارجوري تايلور غرين وتوماس ماسي، وغيرهم.. يصبحون أهدافًا في الخطاب، بينما يبقى السؤال الأصعب خارج المشهد: كيف تستطيع الولايات المتحدة تمويل القوة التي بنتها إذا أصبحت خدمة الدين نفسها تلتهم مساحة متزايدة من موارد الدولة؟
الصراع بين ترامب وخصومه، داخل اليمين، ليس جوهر الأزمة، هو أحد أعراضها. إذ حين يعجز النظام السياسي عن تقديم إجابة مقنعة عن التناقض بين الوعود الضخمة والموارد المحدودة، تصبح السياسة أكثر اعتمادًا على صناعة الخصوم وإقناع الناخب بأن المشكلة يسكنها شخص آخر. إذ إن الولايات المتحدة ليست على وشك الانهيار لمجرد أن دينها بلغ رقمًا قياسيًا، لكن الامتياز الأمريكي ليس شيكًا مفتوحًا. الدولار لا يلغي الحساب، إنما يؤجل بعضه، والثقة العالمية لا تعني أن الثقة أبدية.
إذا استمرت الولايات المتحدة في توسيع التزاماتها بسرعة تفوق نمو قدرتها على تحملها، فلن يكون الخطر بالضرورة لحظة انهيار درامية، بل تآكلًا بطيئًا في هامش الحركة. حرب تصبح أكثر كلفة، وقرار مالي أكثر صعوبة، وفائدة الدين تستحوذ على مساحة أكبر، ومواطن يكتشف تدريجيًا أن الدولة الأقوى في العالم تنفق جزءًا متزايدًا من مواردها على الماضي بدل المستقبل.
إن الإمبراطوريات لا تبدأ عادة في السقوط عندما تعجز عن دفع فاتورة واحدة، بل عندما يصبح الحفاظ على صورة القوة أكثر كلفة من القوة نفسها. إذ إن أمريكا ما تزال تملك أدوات هائلة، عسكريًا وماليًا وتكنولوجيًا ونقديًا. لكن السؤال الذي يزداد إلحاحًا ليس ما إذا كانت أمريكا قوية، بل كم يكلف الحفاظ على هذه القوة، ومن يتحمل الكلفة؟
العالم الذي أفاد طويلًا من الدولار والنظام المالي الأمريكي ليس خارج المعادلة. المستثمرون الأجانب والبنوك المركزية وحائزو سندات الخزانة والدول التي تعتمد على الدولار في تجارتها جميعهم جزء من شبكة تحمل جانبًا من تكلفة النموذج الأمريكي.. لكنّ قدرة العالم على تمويل القوة الأمريكية ليست بلا حدود. إذ عندما يصبح الدين أداة لتمويل القوة، ثم تصبح القوة نفسها سببًا لمزيد من الإنفاق، ندخل في دائرة يصعب كسرها سياسيًا: تحتاج الولايات المتحدة إلى القوة للحفاظ على مكانتها، وتحتاج إلى الدين لتمويل القوة، ثم تحتاج إلى نمو أكبر لتمويل الدين.
السؤال الأشد قسوة ليس: متى تنهار أمريكا تحت ديونها؟ إنما: كم يستطيع العالم أن يدفع ثمن بقاء أمريكا كما تعرف نفسها؟