ليست العقوبات على إيران حدثا بدأ مع دونالد ترامب، ولا حتى مع الملف النووي.. إنها مسار يمتد قرابة نصف قرن، انتقلت خلاله واشنطن من تجميد الأصول وحظر التجارة إلى خنق النفط والمصارف، ثم إلى محاولة تحويل النظام المالي العالمي نفسه إلى أداة حصار. لهذا؛ الحديث الأمريكي اليوم عن «حرب اقتصادية» ليس بداية جديدة تماما، هو الفصل الأكثر تطورًا في تجربة طويلة، تعلمت فيها إيران كيف تتعايش مع العقوبة، وتدفع ثمنها، وتعيد بناء طرائق بقائها.
بدأت القصة، في نوفمبر/تشرين الثاني في العام 1979، بعد الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن، عندما جمدت الولايات المتحدة نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، وفرضت حظرًا على الوردات الإيرانية؛ ليتسع المسار في الثمانينيات، وصولًا إلى تصنيف إيران دولة "راعية للإرهاب" في العام 1984، وفرض قيود تجارية أوسع في العام 1987. أما في العام 1995؛ فقد انتقلت العقوبات إلى قطاعي النفط والغاز والاستثمار، ثم جاء قانون 1996 ليمنح واشنطن أداة أكثر خطورة، وهو العقوبات الثانوية التي تستهدف شركات أجنبية تتعامل مع إيران.
كانت الفكرة تتطور تدريجيًا. إذ لم يعد المطلوب فقط منع إيران من دخول السوق الأمريكية، إنما جعل التعامل معها مكلفًا حتى بالنسبة إلى من لا يريد الالتزام بالعقوبات الأمريكية. مع الملف النووي، تحولت العقوبات من سياسة أمريكية إلى منظومة دولية. إذ في 2006 فرض مجلس الأمن عقوبات مرتبطة بالبرنامج النووي، ثم اتسعت، خلال السنوات التالية، لتشمل قطاعات الطاقة والمال والشحن والتجارة.
بلغ الضغط ذروته بين الأعوام 2010 و2013. العقوبات المصرفية والنفطية عزلت إيران، في مستوى غير مسبوق، عن النظام المالي العالمي، فانخفضت صادراتها وتراجعت إيرادات الدولة وانهارت قيمة العملة وارتفعت كلفة الواردات. لم تكن هذه الضغوط وهمية، إذ لم تكن إيران قادرة على تجاوزها بلا ثمن. يقدر البنك الدولي أن العقوبات خفضت الصادرات الإيرانية بنحو 17.1 مليار دولار، بين الأعوام 2012 و2014، أي ما يعادل 13.5% من إجمالي الصادرات ونحو 4.5% من الناتج المحلي خلال تلك المرحلة.
لكن ما حدث بعد ذلك أكثر أهمية من حجم الخسارة نفسها.
إيران لم «تهزم» العقوبات، بالمعنى الاقتصادي للكلمة. لقد تعلمت كيف تعيش تحت وطأتها. مع الوقت، لم يعد الحصار خبرًا استثنائيًا، في حياة الإيرانيين، لقد صار جزءًا من البيئة التي يتحرك فيها الاقتصاد والأسرة والسوق والدولة. تعلّم الناس كيف تتغير الأسعار، وكيف تختفي سلعة ثم تعود، وكيف تصبح بعض طرائق التجارة أطول وأكثر كلفة، وكيف يعاد ترتيب الأولويات حين تضيق الموارد. لكن هذه الخبرة اليومية لم تنتج بالضرورة الاستنتاج الذي أرادته واشنطن. إذ إن المجتمع الذي يتكيف مع الضغط لا يعني حبه الضغط، والدولة التي تبني اقتصادً كي تبقى، لا تعني عدم دفهها الثمن، إنما تعني رفضها أن يتحول الثمن إلى قرار سياسي مكتوب في واشنطن.
أعيد توجيه جزء متزايد من التجارة نحو آسيا، وتوسعت العلاقات مع الصين والهند وتركيا ودول الجوار، وظهرت شبكات مالية وتجارية بديلة، وتعلّمت الشركات الإيرانية التعامل مع الوسطاء وشركات الواجهة ومسارات الشحن المعقدة. هذا؛ ويرصد البنك الدولي أن حصة الصين من التجارة الإيرانية ارتفعت من نحو 4%، في أواخر التسعينيات، إلى قرابة 30% في السنوات اللاحقة، في حين انتقلت التجارة تدريجيا من أوروبا نحو آسيا.
هذه ليست قصة نجاح اقتصادي بالمعنى التقليدي.. هي قصة تكيف استراتيجي. لقد كان البديل عن التجارة الطبيعية تجارة أعلى كلفة، والبديل عن الاستثمار الأجنبي الاعتماد على القدرات المحلية، والبديل عن النظام المالي العالمي شبكات أكثر تعقيدًا وأقل كفاءة. العقوبات أضرت بالنمو والاستثمار والتكنولوجيا والإنتاجية، وأضعفت العملة ورفعت التضخم. إذ أشارت تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة العقوبات الأمريكية، بعد العام 2018، ترافقت مع انخفاض كبير في الصادرات، والصادرات الإيرانية تراجعت سنويا بنحو 26%، بين الأعوام 2019 و2020، كما تضررت قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار ونقل التكنولوجيا.
الاقتصاد الإيراني تغير، أيضًا، بسبب هذه العقوبات. لقد صار أقل اعتمادًا على أوروبا، وأكثر ارتباطًا بآسيا، وأكثر استعدادًا للعمل في بيئة تجارية مغلقة. مع مرور الوقت؛ نشأ ما يمكن تسميته «اقتصاد البقاء»، وهو اقتصاد لا يقاس نجاحه فقط بمعدلات النمو والرفاه، إنما بقدرته على إبقاء الدولة واقتصادها الأساسي يعملان على الرغم من ارتفاع كلفة الوصول إلى العالم.
بلغت التجربة لحظة مختلفة مع الاتفاق النووي، في العام 2015. إذ رفع العقوبات لم يكن مجرد نتيجة للضغط الاقتصادي، هو نتيجة اجتماع الضغط مع الدبلوماسية ووجود مخرج سياسي واضح. كما قدر البنك الدولي أن رفع العقوبات كان يمكن أن يرفع رفاه الفرد في إيران بنحو 3.7%، وأن يعيد إلى الاقتصاد جزءًا مهمًا من التجارة والاستثمار وصادرات النفط.
هذه التجربة تكشف مسألة، غالبًا، ما تضيع وسط الخطاب السياسي، وهي أن العقوبات تصبح أكثر فاعلية عندما تكون وسيلة للوصول إلى تسوية، وليس عندما تتحول إلى هدف دائم.
بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، في العام 2018، عادت سياسة «الضغط الأقصى». انخفض إنتاج النفط الإيراني إلى مستويات قياسية، وانكمش الناتج، واشتدت الضغوط على العملة والأسعار. قدر البنك الدولي أن الناتج المحلي انكمش 7.6%، خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2019/2020، مع تراجع قطاع النفط بنسبة 37%.
مع ذلك، لم تسقط الدولة، ولم تقبل إيران بالشروط الأمريكية التي كان يفترض أن ينتجها الضغط. استمرت في تصدير النفط بطرائق مختلفة، وطورت شبكات التفاف، ووسعت علاقاتها مع الصين وروسيا والجوار، وحولت العقوبات من صدمة استثنائية إلى حالٍ شبه دائمة. لهذا؛ تبدو عبارة ترامب الحالية عن «الحرب الاقتصادية» مهمة، لا لأنها تصف أداة جديدة تماما، إنما لكونها تكشف محاولة نقل العقوبات إلى مستوى آخر.
في 24 أغسطس/آب 2026؛ أعلنت إدارة ترامب توسيع نطاق العقوبات الثانوية، فاستهدفت قطاعات المال والأصول الرقمية والذهب والتكنولوجيا والطيران والشحن، مع تحذير الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران من عواقب اقتصادية. وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الحملة بأنها هجوم اقتصادي واسع، في حين تحدثت واشنطن عن «يوم اقتصادي حاسم» لعزل إيران.
المختلف هذه المرة هو أن العقوبات تأتي بعد حرب عسكرية، وفي ظل اضطراب كبير في التجارة والطاقة والممرات البحرية. أي إن واشنطن لا تستخدم الاقتصاد لتمهيد الطريق أمام ضغط عسكري محتمل، هي تحاول استخدام الاقتصاد لإجبار إيران على دفع ثمن حرب لمّا تنتهٍ نتائجها السياسية بعد.
المشكلة أن التجربة التاريخية لا تمنح واشنطن ضمانة بأن زيادة الألم الاقتصادي ستنتج تلقائيا تنازلاً سياسيًا. إيران تعاني فعلاً، ولا ينبغي أن يتحول تحليل قدرتها على الصمود إلى أسطورة عن اقتصاد لم يتأثر. العقوبات أفقرت شرائح واسعة، وأضعفت العملة، ورفعت التضخم، وأخرت الاستثمار، وأضعفت قدرة قطاعات واسعة على الوصول إلى التكنولوجيا ورأس المال. لكن العقوبات لم تنتج حتى الآن الانهيار السياسي الذي افترضته بعض مراحل السياسة الأمريكية.
الأهم هو أن إيران دخلت الجولة الحالية، وهي تحمل خبرة تراكمت خلال عقود. تعرف أين تضرب العقوبات، وتعرف أين يمكن الالتفاف عليها، وتعرف أن الصين تمثل شريكًا اقتصاديًا لا يمكن عزله بسهولة من دون أن تدفع واشنطن ثمنًا دوليًا هي الأخرى. حتى الحملة الحالية تواجه هذه المعضلة، إذ تشير التقارير إلى أن الصين ما تزال المشتري الأكبر للنفط الإيراني، في حين تحاول واشنطن الضغط على الشركاء من دون الذهاب إلى مواجهة مالية مباشرة مع بكين.
السؤال الحقيقي إذًا: ليس ما إذا كانت العقوبات تؤلم إيران؟ هي تؤلمها بالفعل، وربما بصورة أشد من أي مرحلة سابقة؛ بسبب تراكم العقوبات والحرب وتعطل التجارة والطاقة.. السؤال هو: ما إذا كان الألم قد تجاوز قدرة الدولة الإيرانية على إعادة إنتاج قدرتها على البقاء؟
حتى الآن لا توجد إجابة حاسمة.
ما تقوله التجربة التاريخية إن العقوبات تستطيع إضعاف إيران، لكنها لم تستطع وحدها تغيير إيران بالطريقة التي أرادتها واشنطن. تستطيع رفع كلفة المقاومة، لكنها لا تضمن تحويل الكلفة إلى استسلام. وبين الأمرين تقع المسافة التي فشلت السياسة الأمريكية في ردمها طوال عقود.
لذلك؛ قد تكون «الحرب الاقتصادية» الحالية أكبر اختبار لهذه التجربة، لا أكبر انتصار لها. إذا استطاعت واشنطن هذه المرة قطع الشبكات التي بنتها إيران خلال نصف قرن، فستكون قد غيرت قواعد اللعبة فعلاً. أما إذا نجحت طهران، مرة أخرى، في تحويل الحصار إلى اقتصاد بقاء، فقد تكون الولايات المتحدة قد رفعت كلفة الحياة الإيرانية، من دون أن تنتزع القرار الإيراني.
إنّ، في صراعات القوة، لا يكفي جعل خصمك يدفع ثمنًا باهظًا.. النتيجة الاستراتيجية تبدأ عندما تستطيع جعله يعتقد أن دفع الثمن لم يعد أقل كلفة من تقديم التنازل..حتى الآن، لم تثبت واشنطن وصولها إلى هذه المرحلة.
البنك الدولي، أثر العقوبات على الاقتصاد الإيراني
https://documents1.worldbank.org/curated/en/575391468187800406/pdf/98389-REVISION-BRI-PUBLICBox393170B-QEB-issue-5-FINAL-7-27-15.pdf?utm_source=chatgpt.com
البنك الدولي، الاقتصاد الإيراني والتجارة والتحول نحو آسيا
https://documents1.worldbank.org/curated/en/099107508212324041/pdf/IDU-21ade6b8-e3fd-4519-b853-b2ad462b0d6c.pdf?utm_source=chatgpt.com
البنك الدولي، رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران
https://www.worldbank.org/en/country/iran/publication/lifting-economic-sanctions-on-iran
البنك الدولي، التحديث الاقتصادي لإيران، أبريل 2020
https://www.worldbank.org/en/country/iran/publication/economic-update-april-2020
رويترز، توسيع العقوبات الثانوية الأمريكية على إيران، 24 أغسطس 2026
https://www.reuters.com/world/middle-east/us-treasury-broaden-scope-secondary-sanctions-iran-source-says-2026-08-24/