علي مزرعاني يحرس ذاكرة النبطية منذ نصف قرن

post-img

نظمية الدرويش (صحيفة الأخبار)

أكثر من مليون وثيقة وصورة تختزن تاريخ النبطية ومنطقتها وجبل عامل في أرشيف علي مزرعاني، الذي أمضى عقوداً في تصوير ذاكرة المكان وجمعها وحفظها. ذاكرة ظل يحاول، عدو لا يقتل الإنسان وحده، بل يطمس تاريخه، محوها بالنار.

كانت السيارة السوداء تنطلق مسرعة من النبطية نحو الساحل، فيما كانت الغارات الإسرائيلية تحاصر الطريق. وفي صندوقها، كان علي مزرعاني يحمل ما استطاع إنقاذه من أرشيفه؛ يحمل جزءاً من ذاكرة النبطية، وجزءاً من حياته.
حين بلغ الزهراني، شعر للمرة الأولى أنه نجا. لكن نجاته لم تكن تكتمل إلا بخروج أرشيفه من النبطية معه. وكما قال بعد وصوله: «اليوم نجونا أنا وأرشيفي».

كان مزرعاني قد اتخذ قرار العودة إلى النبطية بعدما اشتدت الاعتداءات الإسرائيلية على المدينة في نيسان، خوفاً على أرشيفه الذي لم يتمكن من إخراجه منها حين نزح في الأيام الأولى للحرب الأخيرة على لبنان في آذار. دخل المدينة الخالية من سكانها تحت وابل الغارات، وتوجه إلى منزله الذي كان يُؤوي مكتبته وأرشيفه، وجمع ما استطاع حمله، ووضعه في صندوق سيارته، ثم انطلق نحو الساحل.

لم يكن يحمل صوراً ووثائق فحسب، بل سنوات من حياته وذاكرة مدينة كاملة، فضلاً عن مسوّدات كتب كان يعمل عليها، بينها ثلاثية عن النبطية ستبصر النور قريباً. كانت تلك المسوّدات جزءاً من مشروعه المستمر في حفظ تاريخ المدينة، وتوثيق تفاصيلها وتحولاتها وشخصياتها وأمكنتها.

وُلد علي مزرعاني عام 1963 لعائلة نزحت من بلدة دير سريان منذ عام 1948، إثر الاعتداءات الإسرائيلية على قرى جنوب لبنان، قبل أن تعود إلى النبطية عام 1964. كان والده يعمل في أحد الأفران، وانتسب إلى الحزب الشيوعي، ناشطاً في صفوفه، ثم تولى رئاسة نقابة عمال الأفران في النبطية.

في هذا البيت، وبين الاجتماعات واللقاءات والنقاشات السياسية والنقابية التي كانت تدور فيه، ترعرع علي. كانت السياسة جزءاً من الحياة اليومية، وكانت الصحف والمجلات تصل إلى المنزل باستمرار، ومنها مجلة «الأخبار» الأسبوعية وجريدة «النداء» اليومية الصادرتان عن الحزب الشيوعي، ومجلة «المدار» الشهرية الصادرة عن الاتحاد السوفياتي. ومن بين هذه المطبوعات بدأت علاقته الأولى بالقراءة، قبل أن تتحول، خطوة بعد أخرى، إلى اهتمام بتتبع الأخبار وحفظها وفهم سياقها.

ومع تصاعد الاعتداءات على النبطية عامي 1976 و1977، وصولاً إلى اجتياح الجنوب عام 1978، أُغلقت الأفران، ففتح والده بسطة لبيع الدخان في ساحة النبطية. لم تكن البسطة مجرد مكان للعمل، بل صارت لعلي نافذة يومية على المدينة، ومنها بدأت حكاية الأرشيف تتخذ شكلاً أكثر وضوحاً.

كانت أوراق الجرائد والمجلات القديمة تلفت نظره، خصوصاً تلك التي كان باعة الخُضر والفواكه يستخدمونها لتوضيب بضاعتهم، ثم يتركونها على البسطات عند الرحيل. كان يجمع ما بقي منها صالحاً، ويقصّ الصور منها ويحفظها في دفتر من خمسين ورقة.

يقول مزرعاني إنه جمع بهذه الطريقة كتابين يدويين، قبل أن يهديه خاله المغترب في الاتحاد السوفياتي كاميرا من نوع «زينيت» في آذار 1978. كان يومها في الخامسة عشرة.

شكّلت الكاميرا امتداداً طبيعياً لذلك الشغف الأول بالقصاصات. فبعدما كان يجمع ما كتب الآخرون عن مدينته، صار قادراً على تسجيل ما يراه بنفسه. وفي تلك السنّ، لم يكن يدرك أن الكاميرا التي وصلت إلى يديه ستصبح رفيقة عمره، وأن القصاصات التي كان يجمعها من بسطات الخُضر ستتحول إلى نواة أرشيف سيكبر معه، ليضم لاحقاً آلاف الصور والوثائق والكتب والمطبوعات.

من بسطة والده في ساحة النبطية، كان قريباً من تفاصيل المدينة وأهلها. بدأ يكتب يومياته، يسجّل ما يراه من قصف واعتداءات وتدمير وتهجير، ويحاول أن يحفظ بالكلمات ما يمر أمام عينيه. ثم جاءت الكاميرا لتضيف إلى الكلمات صورة، ولتحوّل الملاحظة اليومية إلى شهادة قابلة للبقاء.

كانت أول صورة التقطها لمجموعة من البيوت التي دمّرها الاحتلال الإسرائيلي خلال اجتياح عام 1978 في حي السراي في النبطية. صورة التقطها فتى لم يكن يعرف يومها أنها ستصبح بعد سنوات وثيقة من وثائق المدينة.

فالصحف والمجلات في ذلك الوقت لم توثّق حجم الدمار الذي لحق بحي السراي، فجاءت عدسة مزرعاني لتلتقط ما غاب عن صفحات الجرائد، وتحفظ مشهداً من النبطية كان يمكن أن يضيع.

ومنذ ذلك الوقت، ترسّخت لديه قناعة بأن الصورة ليست مجرد لقطة عابرة، بل وثيقة تحفظ الحدث وتتحوّل مع الوقت إلى مرجع.

يقول مزرعاني: «يمكن غيري يصوّر الصورة ويهملها، أمّا أنا بالنسبة إليّ فالصورة تاريخ، والتاريخ لازم يتوثّق وينحفظ، لأنها مع الوقت بتصير مرجع، وخصوصاً للأحداث».

ومنذ عام 1978، مرّت على النبطية والجنوب أحداث كثيرة، بعضها لم يعش تفاصيله الجيل الذي جاء بعدها، وبعضها كاد أن يضيع مع مرور السنوات. لذلك كان حريصاً على أن تبقى الصورة شاهدة على زمنها، وألا تتحوّل الأحداث إلى مجرد ماضٍ منسيّ. «مرقت أحداث كثيرة من الـ78، وفي ناس ما وعيت عليها. وكرمال ما تصير هالأحداث زمن ويمرّ، وما يضيع تاريخنا، لازم نوثّقها ونحفظها، حتى يستفيد منها الجيل اللي بعدنا».

هكذا، لم يكن مزرعاني يصوّر ما يحدث فقط، بل كان يحاول أن يترك وراء كل حدث أثراً يمكن العودة إليه؛ صورة تحفظ المكان، وتثبت اللحظة، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة لأن ترى ما جرى وتقرأ تاريخها من خلاله.

من التصوير إلى التوثيق

مع اتساع شغفه وتراكم الصور والقصاصات، لم يكتف مزرعاني بالتقاط المشاهد، بل بدأ يربط بينها ويصنّفها ويحفظ ما يحيط بها من معلومات. هكذا انتقل تدريجياً من التصوير بوصفه فعلاً يومياً إلى تكوين أرشيف متكامل احتفظ فيه بالوثائق والصحف والمجلات السياسية الصادرة منذ عام 1978. ومع الوقت، تحوّلت الكاميرا من وسيلة لالتقاط الصور إلى أداة لتسجيل الوقائع ومتابعة التحوّلات التي شهدتها النبطية والجنوب.

في حزيران 1982، وثّق بصور نادرة دخول الجيش الإسرائيلي إلى مدينة النبطية. كما التقط صوراً لآثار دماء جنود إسرائيليين عقب عملية نفّذتها المقاومة الوطنية في حي السراي ضد إحدى دوريات الاحتلال، قبل أن يتعرض للاعتقال على خلفية ذلك. كانت هذه التجربة تؤكد له أن الصورة لا تحفظ الحدث فحسب، بل قد تصبح أيضاً دليلاً على ما جرى، بما تحمله من تفاصيل يصعب محوها أو إنكارها.

وفي عام 1983، التحق مزرعاني بالمؤسسة العسكرية، وعمل مصوّراً عسكرياً في قسم توجيه منطقة الجنوب. أتاحت له هذه المهمة الجمع بين العمل الميداني وشغفه بالتوثيق، فانتقل اهتمامه من متابعة أحداث مدينته إلى رصد المشهد الجنوبي الأوسع.

وثّق انسحاب الجيش الإسرائيلي من مدينة صيدا ودخول الجيش اللبناني إليها عام 1985، ثم انتشار الجيش اللبناني في النبطية وصور، وفي قرى شرق صيدا بعد معارك عام 1991. كما تابع الاعتداءات الإسرائيلية على النبطية والجنوب خلال حربي «تصفية الحساب» في تموز 1993 و«عناقيد الغضب» في نيسان 1996، وصولاً إلى انتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.

حين ماتت الصورة الورقية

ظلّت الكاميرا التقليدية والتظهير الورقي جزءاً من تجربة مزرعاني لسنوات طويلة، إلى أن اضطر عام 2006 إلى التخلي عنها والانتقال إلى التصوير الرقمي، مع التحوّل الذي فرضته التكنولوجيا على عالم التصوير.

لم يكن الانتقال بالنسبة إليه مجرد تبديل في الكاميرا، بل كان فقداناً لجزء من علاقة خاصة بالصورة التي اعتاد أن يحملها بين يديه بعد التقاطها وتظهيرها. فالصورة الورقية، بالنسبة إلى مزرعاني، كانت تحمل قيمة تتجاوز ما يظهر فيها؛ كانت شيئاً مادياً يمكن حفظه والعودة إليه بعد سنوات.

يقول بأسف: «الصورة الورقية بتعنيلي أكتر، وبأسف إنها ماتت».

واصل مزرعاني التصوير الرقمي، لكن من دون أن تتغيّر علاقته بالصورة بوصفها وثيقة. بقي هاجسه الأساس هو حفظها وأرشفتها، سواء جاءت على ورق أو استقرّت في وسيط رقمي، لأن قيمة الصورة عنده لا تتوقف عند لحظة التقاطها، بل تبدأ منها.

ومع اتساع نطاق عمله الميداني، لم تبتعد النبطية عن مركز اهتمامه. صار ينظر إلى ما يجمعه من صور ووثائق بوصفه أجزاءً من ذاكرة مترابطة: حدث يقود إلى مكان، ومكان يقود إلى عائلة، وعائلة تفتح باباً على تاريخ المدينة. لذلك، وبالتوازي مع عمله العسكري، واصل جمع كل ما يتصل بالنبطية: أخبارها وصورها ووثائقها، وأجرى مقابلات مع أبنائها، ودخل عشرات البيوت بحثاً عن تفاصيل عمرانها وذاكرتها، قبل أن تطاولها يد الهدم أو تتغيّر معالمها.

وكانت حصيلة هذا العمل كتابه الأول «النبطية في الذاكرة 1860–1999»، الذي جمع تاريخ المدينة ومنطقتها وضم نحو ألف صورة، ليصبح مرجعاً للباحثين في تاريخ النبطية.

ومن الأحداث والشخصيات، انتقل مزرعاني إلى ذاكرة المكان نفسه. وثّق البيوت التراثية وتتبّع تاريخها، وأصدر كتاب «النبطية: المكان والعمران والذاكرة»، محاولاً أن يحفظ بالصور والوثائق ما اندثر من بيوت المدينة القديمة وما بقي منها.

أرشيف يتسع للجنوب

لم يتوقف هذا المسار عند حدود النبطية. فكلما تعمق مزرعاني في تاريخ مدينته، قادته الوثائق إلى محيطها الأوسع، وإلى القرى والبلدات والوقائع التي تشكل معاً تاريخ الجنوب. جمع مواد توثق الأحداث العسكرية والسياسية، واطلع على أكثر من مئة عام من الصحف اللبنانية، منذ أواخر العهد العثماني، باحثاً عن تاريخ الجنوب بين صفحات الصحف والمطبوعات والكتب.

وبذلك، لم يعد الأرشيف قائماً على الصور التي التقطها بنفسه فقط، بل صار شبكة واسعة من المصادر: صحف، ومجلات، وكتب، ووثائق، وشهادات، وصور عائلية وميدانية. جمع الإصدارات المتعلقة بجبل عامل ولبنان الجنوبي، إلى جانب الكتب والمطبوعات والتحقيقات الصحافية، وأعدّ فهرس «جبل عامل ولبنان الجنوبي 1906–2013»، الذي يوثق آلاف الكتب والمطبوعات التي تناولت المنطقة، إضافة إلى الصحافة الصادرة عنها وما كتب عن الجنوب في المراجع العربية والأجنبية، وعن المقاومة الفلسطينية والمنظمات والجيش اللبناني.

وتوسّع عمله ليشمل الإعلام الحزبي والعسكري، فأصدر «موسوعة الإعلام الحزبي في لبنان 1920–2020»، التي تتناول الصحافة الحزبية ومطبوعاتها ونشراتها وملصقاتها، ثم أصدر «الإعلام والتوجيه في الجيش اللبناني 1942–2016»، مستعرضاً تاريخ المطبوعات العسكرية الصادرة عن مديرية التوجيه ومجلتي «الجندي اللبناني» و«الجيش». وكان الكتاب هدية إلى الجيش اللبناني وتكريماً لخدمته فيه طوال ثلاثة وثلاثين عاماً.

ذاكرة النبطية بعد حرب 2024

بعد حرب 2024، عاد مزرعاني إلى الميدان من جديد، لكن هذه المرة لتوثيق آثار الحرب بعدما هدأت نيرانها. أمضى نحو شهر متنقّلاً بين قرى وبلدات قضاء النبطية، يصوّر آثار القصف والدمار في البيوت والأحياء، قبل أن تبدأ أعمال الترميم وإزالة الركام وتتبدّل ملامح المكان. لم يكن يوثق الدمار وحده، بل كان يسجل ما فقدته المدينة وبلداتها من بيوت وأمكنة، وما أصاب ذاكرتها العمرانية من خسارة.

تحولت هذه الصور لاحقاً إلى كتاب يوثق آثار العدوان في قضاء النبطية، كما شمل عمله توثيق شهداء النبطية قبل العدوان وخلاله، ورصد البيوت والأمكنة التي اختفت أو تغيّرت معالمها، في محاولة لحفظ ذاكرة مكان لا يمكن استعادتها بعد زواله.

وكان هذا العمل امتداداً طبيعياً لمسيرة بدأت عام 1978، حين التقط مزرعاني أولى صوره لبيوت مدمّرة في حي السراي في النبطية. بعد أكثر من أربعة عقود، عادت عدسته إلى المشهد نفسه تقريباً، لكن من موقع مختلف: لم يعد فتى يلتقط صورة لما لا تصوره الصحف، بل مصوّراً وأرشيفياً يعرف أن ما يلتقطه اليوم قد يصبح غداً المرجع الوحيد لمشهد لم يعد موجوداً.

لذلك، بقيت مهمته بالنسبة إليه واحدة: أن يصوّر قبل أن يزول الأثر، وأن يحفظ ما قد تعجز الذاكرة وحدها عن حفظه. فالبيوت التي تهدمت، والأمكنة التي اختفت، والشهداء الذين رحلوا، كلهم جزء من تاريخ النبطية الذي يريد له أن يبقى حاضراً للأجيال المقبلة.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع مزرعاني عمله التوثيقي إلى الحدود الجنوبية، فتابع مراحل ترسيمها والخلافات المرتبطة بالخط الأزرق، ورصد التطورات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، إضافة إلى دور قوات الطوارئ الدولية.

هكذا، امتدت رحلة مزرعاني من قصاصات جرائد كان يجمعها فتى في الخامسة عشرة، إلى كاميرا حملها في شوارع النبطية والجنوب، ثم إلى أرشيف وكتب وفهارس حفظت أكثر من نصف قرن من الذاكرة. وبين ما أنقذه من منزله، لم تكن هناك مواد توثق الماضي فقط، بل أيضاً مسوّدات كتب تحمل مشروع المستقبل، وفي مقدمتها ثلاثية عن النبطية ستبصر النور قريباً.

ولذلك، حين عاد إلى النبطية تحت القصف لإنقاذ أرشيفه، لم يكن ينقذ أوراقاً وصوراً وكتباً فحسب. كان ينقذ ما أمضى عمره في جمعه وترتيبه وفهمه: ذاكرة المدينة، وتاريخ الجنوب، وفصولاً من حياته، وأعمالاً لم تكتمل بعد.
كانت السيارة السوداء تبتعد عن النبطية، وفي صندوقها كان جزء من المدينة يغادر معها؛ صور لأزمنة مضت، ووثائق لأحداث لا يريد لها أن تُنسى، وكتب لم تُنشر بعد، وذاكرة أراد لها أن تبقى.

لم يكن ما يحمله مجرد أوراق وصور، بل ربع قرن من العمل على حفظ تاريخ النبطية وتوثيقه. ومن بين هذا الأرشيف، مسوّدة معدّة للطباعة توثّق تاريخ النبطية السياسي منذ القرن التاسع عشر، جمعها علي مزرعاني على مدى سنوات، وتضم نحو ألف صورة ووثيقة تؤرّخ لتلك المرحلة، في ثلاثية أراد لها أن تحفظ للمدينة ذاكرتها المكتوبة والمرئية.

ويصدر قريباً أول أجزاء هذه الثلاثية، «النبطية والجوار: أرشيف وذاكرة 1863–1883»، ليخرج إلى الضوء جزء من تاريخ مدينة ظل محفوظاً في الصور والوثائق، ينتظر من يعيد إليه الحياة.

وفي «الأخبار»، أجرينا مع مزرعاني جولة بين بيوت النبطية التراثية، فكان يعرف تفاصيلها وملامحها، ويتتبع تاريخها الاجتماعي، ويستعيد حكايات أهلها وحياتهم من بين حجارتها. وفي كل بيت كان يظهر شغفه بأن تبقى ذاكرة النبطية حية، وأن لا تتحول البيوت التي احتضنت تاريخ المدينة إلى مجرد حجارة صامتة.

وكما تجوّلنا معه في النبطية، كانت لنا جولات في بلدات جنوبية أخرى، حيث بدا حرصه على توثيق ما يطاول الجنوب من اعتداءات إسرائيلية، على الحجر كما على البشر؛ فالدمار بالنسبة إليه ليس مشهداً عابراً، بل واقعة يجب أن تحفظها الصورة، وأن تشهد عليها الوثيقة، وأن تبقى في ذاكرة المكان.

في مدينة تتعرض لمحاولات طمس وإبادة تستهدف الحجر والإنسان والذاكرة، يصبح حفظ الذاكرة فعلاً يتجاوز التوثيق. فالنبطية ليست مجرد مدينة تتعرض للدمار، بل حاضرة عريقة من حواضر جبل عامل، بما تختزنه من تاريخ وثقافة وحياة اجتماعية وسياسية. وما يفعله علي مزرعاني هو الوقوف في عكس مسار هذا الطمس؛ فكل صورة يحفظها، وكل وثيقة ينقذها، وكل صفحة يعيدها إلى الضوء، هي استعادة لجزء من ذاكرة المدينة وحضارتها.

في وجه عدو يريد محو كل شيء، يصبح علي مزرعاني حامياً للذاكرة؛ يحفظ ما يحاول العدو اقتلاعه، ويترك للمدينة ما يشهد على أنها كانت هنا، وأن تاريخها لا يُهدم بهدم حجارتها. فكيف اذا كان علي مزرعاني حارس هذا التاريخ وحامي الذاكرة!!

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد