بين الانبهار بالغرب ورفضه، يطرح عبد الإله بلقزيز طريقًا ثالثًا قوامه النقد. في كتابه «الحداثة والنقد الثقافي» (دار الساقي)، يعيد مساءلة علاقتنا بالحداثة والتراث، محذرًا من استهلاك الأفكار الغربية بلا تمحيص أو الاحتماء بالماضي، فيما تصبح فلسطين اختبارًا كاشفًا للتناقض بين قيم الحداثة الغربية وممارساتها السياسية في لحظة ثقافية حساسة من الإبادة الثقافية للشعوب، نطرح تلك الأسئلة التي تلامس واقعنا: ماذا نريد من الغرب؟ وهل فعلًا فيه ما نحتاجه؟ أم أنه نتاج الكولونيالية التي بتنا نرى تناقضاتها على عالمها؟ وماذا عما ننتجه من ثقافة ومعرفة؟ هل نحن معاصرون فعلًا لحاجات واقعنا وزماننا؟
نتأثر بكتاب غربيين. لا ندّعي أننا أعجبنا بأساليب كثيرة أتت من مفكرين روس وألمان وأميركا اللاتينية، فهل نحن أصاليّون ننتمي إلى ماضٍ ثقافي وحضاري؟ وما هي تخوم الحداثة التي وصلت إلينا فوقفنا أمامها مندهشين؟ يجيب الباحث المغربي عبد الإله بلقزيز عن هذه الأسئلة وغيرها في كتابه المهم والملهم «الحداثة والنقد الثقافي» الصادر حديثًا عن «دار الساقي».
في الكتاب، يدخل الباحث إلى معنى الحداثة بوصفها رؤية جديدة إلى العالم والأشياء، يشترط بها أن تشتبك مع التقليد وتواجهه بعدة النقد، لا أن توازيه. ويناقش فكرة الحداثة التي تعرّف بنقيضها التقليدي الذي تتمايز كليًا عنه. فالنقيض الذي يقصده ليس من معانيه التدني والتوضيع، بل التفكيك والمباعدة وتحليل المنظومة القيمية الثقافية.
الحداثة ليست تغرّبًا
النقطة المهمة هنا أنّ الكاتب يلفت انتباه القارئ إلى أنّ الحداثة ليست تغرّبنا كما شاع في العالم العربي. رغم أنها غربية المنشأ، إلا أنّها ليست منتوجًا غربيًا، بل منتوج إنساني خرج من حدود موطنه الأم إلى العالم. في العالم العربي، برزت ثقافتان متناحرتان: الأصالي والحداثي، ذلك المدافع عن الموروث القديم بتراثه وتقليده رافضًا كل ما يأتي من الغرب على أنه غربي واستعماري، والآخر حداثي غربي، يستهلك المفاهيم الغربية من دون أن يتعمق في جوهرها أو يستخدم النقد لمعرفة ما يهمنا في الحداثة. وقد ناقش الكاتب معاني النقد الثقافي لكلا التوجهين.
يعرّف الكاتب النقد على أنه لحظة من لحظات الوعي، وفعل بناء وليس فعل هدم، وهو ضمن اشتراطات الحداثة ومقتضياتها حيث يهتم بالبنيات العميقة المؤسسة لأي ظاهرة ثقافية. لعل أبرز ما يركز الباحث عبد الإله بلقزيز عليه هو فكرة أن يبنى الفكر على أسس من الماضي، إذ ينبه إلى أنّه لا ينفي أن ينسج فكر اليوم على فكر قام بالأمس، فهناك جذور تربطنا بهذا الماضي، لكنه ينفي التماثل مع الماضي، على نحو يستنسخ فيه الأول الثاني.
يقدم الكاتب أدلته، على أن الحداثة هي رؤية جديدة للعالم والمجتمع، انبثقت مع الأزمنة الجديدة في أوروبا، وكانت محصلة تركيبية لجملة من التحولات ومن الطفرات التي طالت المجتمع، مشيرًا إلى أنّ هناك سمتين مهمتين للحداثة: التفكير العقلاني وروحها النقدية. حتى يردّ على من يعتبر أنّ الحداثة هي نتاج غربي كولونيالي، يشرح أن هناك صورًا ونماذج من الحداثة في بلدان وثقافات مختلفة، وهذا ما حرر الحداثة من مركزيتها الأوروبية ومن أوحديتها النموذجية وتمكينها من الصيرورة. ويعطي هنا أمثلة على اليابان وحداثة أميركا اللاتينية ويذكر أنّ هذه الحداثات استلهمت من القيم الغربية لكنها هيأت لتلك الحداثة تربةً وبيئة مختلفتين من بيئتها الأساسية.
ما بعد الحداثة قبل أن نعرف الحداثة؟
ينتقد المفكر المغربي النقاد الحداثيين في العالم العربي الذين ينظرون في مقالاتهم عما بعد الحداثة، من دون أن يفهموا أو يقرأوا الحداثة جيدًا، مندفعين إليها اندفاعة منفلتة غير مقيدة، إذ إنّ الحداثة وما قبلها لا تعنيهم. وأبرز الملاحظات التي يقدمها هي أن النقد العربي الحديث يقطع الصلة مع التراث الكلاسيكي العربي ومع نصّ الحداثة أيضًا. ويسأل: كيف يمكن أن يكون المرء داعية إلى ما بعد الحداثة وهو لم يعرف الحداثة بعد.
لعل أهم ما يحلله الباحث هو تلك المقارنة التي يعقدها بين منظري ما بعد الحداثة العرب ومنظري ما بعد الحداثة الغربيين. يقول إنّ العرب ما زالوا منفصلين عن الشرط التاريخي للحداثة، لأن مفكري الغرب درسوا مساوئ الرأسمالية مثلًا بعدما عايشوها واقعيًا وتمرّدوا عليها في سياق التاريخ والحياة. ويقول إنّ مفكري العرب يدعون أنهم ينشرون أحدث الأفكار لكن شتان بين المعارف وبين السلع المستهلكة.
هناك ظاهرة تتردد في عصرنا هذا، حول ترسيخ التقليد من خلال الانبهار بالغرب وبكل ما هو جديد من دون نقد، في موازاة من ينتقدون الغرب بدعوى أنه موطن الاستعمار فيرفضون تراثه الفكري والثقافي ويعززون بذلك الفكر التقليدي. وهكذا يدعو بلقزيز إلى نقد مزدوج: نقد للواقع ومعرفة حاجاته ونقد الفكر لمرجعياته الفكرية. وانتقد بذلك النرجسية الثقافية والكليات المنغلقة على نفسها، موضحًا أهمية الحوار الثقافي بين الشرق والغرب.
فلسطين... اختبار الحداثة الغربية
ولعل أبرز النقاط التي يذكرها بلقزيز هي أنّ من هم منبهرون بالغرب وبثقافته المدنية والديموقراطية لا ينتقدون موقف مفكّريه من فلسطين، كون هذه الثقافة الغربية أصبحت مرادفًا للحرية والعدالة. وهذا لا يلغي تلك القيم بالأساس لأن مثقفي الغرب يناقضونها، فيوجَّه بلقزيز النقد إلى المفكرين لا إلى القيم بذاتها، وهذا هو النقد الثقافي الذي يبتغيه. من هنا تأتي أهمية فلسطين بوصفها اختبارًا حقيقيًا للحداثة الغربية. فالقيم التي رفعتها الحداثة من حرية وعدالة وكرامة وحقوق الإنسان لا تصبح أقل قيمةً لأنّ دولًا أو مفكرين غربيين ناقضوها في فلسطين؛ بل العكس هو الصحيح: فلسطين تكشف المسافة بين القيمة وممارستها، وبين خطاب الحداثة وشروطها السياسية. ولذلك لا ينبغي أن يكون موقف بعض المثقفين الغربيين من فلسطين سببًا في رفض الحرية أو العدالة أو العقلانية، كما لا يجوز أن يكون انبهارنا بالغرب سببًا في تعطيل النقد تجاه تناقضاته.
على أرض الثقافة الوطنية
لا بد من أن نلتفت إلى مكانة الثقافة الوطنية، كونها ثقافة شعبية لا يمكن لأي ثقافة أن تبنى دونها، وهو ما يشدد عليه بلقزيز، غير أنّ الحداثة التي نبتغيها أيضًا، هي تلك التي تتسلّح بالنقد لتستقبل الجديد وتبنيه على هذه الأرض، وتنتقي أيضًا من الفكر الحداثي الغربي في معركة البناء لا الهدم.