"علي الطاهر".. أيقونة المقاومة والذاكرة

post-img

حسن نعيم/كاتب وروائي لبناني

 تبدو الجغرافيا الجنوبية، منذ بداية هذه الحرب، كالسجادة العجمية المشدودة: إذا سُحب منها خيط واحد، لا يختفي الخيط وحده، بل يبدأ النسيج كله بالاضطراب.

بعيدًا عن التصعيد العسكري والتداعيات الأمنية والتهديد الإسرائيلي المستمر؛ يطرح صمود موقع علي الطاهر الاسطوري على أهل الثقافة والفكر في لبنان والعالم العربي السؤال الآتي:

هل يمكن أن تتحول ذاكرة المقاومة من حالٍ عسكرية مرتبطة بالحرب إلى ذاكرة وطنية تحفظ معنى الصمود، من دون أن تبقى البلاد أسيرة الانقسامات الطائفية والولاءات الخارجية؟

هذه السؤال لا يمكن للأجواء المسمومة في البلد أن تعطي إجابات تؤسس لروح وطنية جامعة؛ لأن أداء الدولة في وادٍ والجنوب وأهله في واد آخر.. فلا يبقى والحال هذه إلا أن نترك الإجابة للتراب وحده، والبندقية وحدها، ولك أنت عزيزي القارئ لنكسر هذه الحلقة المفرغة والدوامة التي وضعها الاحتلال في وجه اللبنانيين، منذ أن وطأت أقدامه هذه الأرض المباركة وهذه الجبال الشامخة.. فإذا كان لجبال العالم  أسماء على الخرائط والسجّلات، فإن لجبال الجنوب وتلاله أسماء أخرى، هي أسماء الأولياء وأسماء الشهداء وأسماء المعارك والكمائن، وهي بمجملها، أسماء متنوعة متعددة للإرادة التي لا تنكسر.

من بين هذه الأسماء، يقف "علي الطاهر" جملة مكتملة المعنى: هنا صبر المجاهدين، هنا رفضوا الخضوع، هنا تعلّموا أن الأرض ليست عقارًا، وأن الجغرافيا ليست مساحة محايدة، بل ذاكرة وحكاية وموقف، ومواطنون يحلمون أن يعيشوا على أرضهم، ويربّوا أبناءهم كبقية البشر.

من المقام إلى الموقف

تقول الذاكرة الشعبية إن تلة علي الطاهر أخذت اسمها من مقام قديم لـ«علي الطاهر». مقام علي الطاهر، لمن لا يعرفه، هو معلم ديني وتاريخي يقع على قمة تلّة ترفع نحو 600 متر بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا في جنوب لبنان.

كما تذهب الروايات الشعبية إلى أن المقام شيّد فوق ضريح لقائد من جيوش المسلمين يُدعى "علي الطاهر"، استشهد في الحروب ضد الصليبيين ودُفن على رأس الجبل.

تاريخيًا؛ وُثق هذا المقام السيد محسن الأمين، وذكره الرحاّلة الأميركي إدوارد روبنسون، في العام 1852، منذ أكثر من قرن ونصف في اثناء زيارته منطقة "بلاد الشقيف". رمّم المقام، في العام 1766، ومن يومها يؤمه الزوار الجنوبيون في المناسبات الدينية ليشكّل في وجدانهم مزيجًا من الذاكرة الحية والأدعية والصلوات، وتحصل فيه كرامات لأولياء صالحين وأناس مؤمنيين..  هوقلعة من قلاع الحنين والذكريات في وجدان الجنوبيين.

 بدأت حكاية تلة علي الطاهر من هذا الوعي؛ قبل أن تكون موقعًا عسكريًا، محصنا بالدشم والخنادق والأنفاق والخرائط العسكرية. بدأت من علاقة الإنسان بالأرض، من شجرة زيتون يعرف صاحبها جذورها، ومن تراب يحمل أسماء الذين سبقوه، ومن مقام ظل شاهدًا على تعاقب الأجيال.

التاريخ الذي يعيد نفسه

في العام 1982؛ دخلت دبابات الاحتلال الإسرائيلي إلى الجنوب، وكتبت الصحف كلمة واحدة: «احتلال». لكن الأهالي، في بنت جبيل ومركبا وعيتا الشعب وسائر القرى الحدودية، كتبوا في قلوبهم كلمة أخرى هي "زوال الاحتلال".. عندما نزحوا إلى بيروت وضاحيتها، في أول مرة، تركوا البيوت ومفاتيحها، وتركوا الزيتون في الحقول، وخرجوا وهم يلتفتون إلى الوراء. لم تكن الهجرة بالنسبة إليهم إعلان نهاية العلاقة بالأرض، لقد كانت، في الوعي الشعبي، وعدًا بالعودة لا محال.

طوال سنوات الاحتلال، لم تكن التلة مجرد ارتفاع جغرافي. لقد أصبحت في الذاكرة حدًّا بين ما فُرض بالقوة وما رفضه الناس في وعيهم وإيمانهم ويقينهم بأن الله لا يخيب أملهم..

حين جاء العام 2000، واندحر الاحتلال الإسرائيلي من معظم الجنوب اللبناني، بدا المشهد كأنه إجابة متأخرة عن ذلك السؤال القديم. المقاومة وحدها هي التي صنعت لحظة الاندحار، إلى جانب عوامل سياسية وشعبية وإقليمية، لكن الثابت أن الاحتلال لم يعد قادرًا على التعامل مع الجنوب بكونه أرضًا يمكن إخضاعها بالقوة وحدها.

كانت تلك لحظة تحوّل في معنى المكان. إذ لم تعد التلة مجرد موقع على الخريطة، صارت جزءًا من ذاكرة الجنوب السياسية، شاهدة على أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة امتلاك الأرض في وعي أهلها.

من الاحتلال إلى سؤال السيادة

لم يغلق  تحرير العام 2000 دفتر الجنوب، فبعد الاندحار المذل؛ بقيت قضية الحدود ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وبقي النقاش في السيادة والسلاح والمقاومة ومستقبل العلاقة مع "إسرائيل" حاضرًا في السياسة اللبنانية.

إزاء هذا الواقع؛ اكتسب "علي الطاهر" معنى يتجاوز الجغرافيا، فالتلة، في القراءة السياسية، تصبح نموذجًا للسؤال اللبناني الأصعب: من يحمي الحدود؟ ما حدود دور الدولة؟ ما موقع المقاومة في معادلة الدفاع عن الأرض؟

هي أسئلة لم تكن لها إجابة واحدة بين اللبنانيين، لا تزال موضع خلاف سياسي وفكري عميق. لكن الخلاف السياسي لم يمحُ حقيقة أخرى: أن الأرض الحدودية تحولت، عبر عقود من الحرب والاحتلال، إلى ذاكرة حية عند أهل الجنوب.

تجذر الإنسان بالأرض

لذلك؛ الحديث عن "علي الطاهر" لا يمكن أن يبقى عسكريًا فقط. إنه حديث عن علاقة اللبناني بالأرض، وعن معنى السيادة، وعن الذاكرة التي صنعتها الحروب، وعن دولة ظل الجنوب، طوال عقود، يختبر قدرتها على حماية حدودها.. ثم أتى العام 2006؛ فعاد القصف، وتهدمت البيوت، ونزح الناس من القرى، وعادت الذاكرة إلى السنوات الثقيلة. لكن الجنوب، كما في كل مرة، كان يعود إلى البناء. كان الحجر يوضع فوق الحجر، وكانت العبارة الشعبية تختصر فلسفة المكان: «بيتنا بنيناه مرة، نرجع نبنيه ألف مرة». لم يكن البناء مجرد ترميم لجدران. لقد كان إعلان استمرار.. فالحرب تستطيع أن تهدم بيتًا، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تمحو علاقة الناس بمكان عاشوا فيه، ودفنوا فيه موتاهم، وزرعوا فيه زيتونهم، وورثوا أسماءه عن آبائهم.. وصارت قيمة "علي الطاهر" في الذاكرة الجنوبية: ليس لأنه نجا من الحرب، بل لأنه صار شاهدًا عليها.

تسليم الموقع... أم تبدّل معنى الموقع؟

الحديث عن أي تسلّم أو تسليم لموقع يحمل اسم ع"لي الطاهر" أكثر حساسية من مجرد إجراء ميداني.. فالموقع العسكري يمكن أن ينتقل من يد إلى يد، ويمكن أن تتغير فيه الحراسة والراية والجهة المسؤولة عنه. لكن الموقع الذي دخل الذاكرة الشعبية لا ينتقل بسهولة.. من هنا يأتي البعد السياسي. في الدول التي عاشت الحروب والاحتلالات، لا تكون الجغرافيا محايدة تمامًا. كل تلة قد تتحول إلى رمز، وكل انسحاب يمكن أن يُقرأ بوصفه قرارًا عسكريًا أو سياسيًا، وكل موقع حدودي قد يصبح جزءًا من النقاش في الردع والسيادة وتوازن القوى.

لذلك؛ فإن تسليم علي الطاهر، إن جرى الحديث عنه سياسيًا، لا ينبغي أن يُقرأ فقط بكونه انتقالًا في السيطرة على مساحة من الأرض، بل بصفته سؤالًا عن جدوى "اتفاق الإطار"؟  ومن يتحمل مسؤولية حماية الحدود، كيف تُدار العلاقة بين الدولة والمقاومة في بلد لم تُغلق فيه بعد ملفات الحرب والاحتلال والحدود.

تكمن المفارقة، في هذه المساحة، قد يكون الموقع  تلة صغير على الخريطة، لكنه يصبح كبيرًا جدًا حين يدخل في خيارات البلاد السياسية الكبرى، والمنقسمة على نفسها بين دولة تنزع إلى التطبيع، وشعب حر يرفض الاستسلام.

لقائل أن يتحدث عن قساوة المعركة، وصعوبة الصمود في ظل كثافة الغارات وتعذر وصول الإمدادات، ولنا أن نقول إن هذه المقاومة الكربلائية لم تسجل في تاريخها أن سلمت موقعا تسليمًا، كان مجاهدوها يستشهدون ولا يرفعون راية الاستسلام، لأن الاستسلام مناف للعقيدة القتالية التي قامت عليها هذه المقاومة. أما في صعوبة وصول الإمدادات؛ فإن إمداد علي الطاهر لم يأت دائمًا في شاحنات عسكرية مسجلة في دفاتر الجيوش، إنما هي تأتي من مكان آخر أيضًا.. من صبر الأمهات، ودعاء الآباء من عبق الأرض، من مواسم الزيتون، ومن رائحة الخبز الخارج من التنور، ومن امرأة تفتح باب بيتها للنازحين، ومن فلاح يعود إلى أرضه بعد انحسار القصف، ومن أغنية وطنية ونشيد ثوري ينبعث من هاتف جوال.

 درس "علي الطاهر" الذي ينبغي أن نحفظه ونعلمه للأجيال : إن جغرافيا الجنوب أصبحت سياسة لا تنفصل عن الكرامة والعزة والهوية الحضارة، وأن الأوطان لا تُقاس بالكيلومترات وحدها؛ إنما بعدد المرات التي وقف فيها الإنسان أمام الخوف وقال: هذه أرضي وهي ليست للبيع ولا للمساومة والتفاوض والاتفاقيات والتجارب والإطارات...فــ"علي الطاهر" رمز ثقافي كما هو موقع عسكري، وجهة من جهات خطوط النار.. إنه شاهد وشهيد...

هو سؤال ثقافي وأخلاقي وسياسي: هل نحن أهل لهذا التاريخ ولهذا التراث؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد