مضيق هرمز يفرض استراتيجيات ترسم نظامًا متعدد الأقطاب

post-img

د. ليلى صالح/ باحثة في علم الاجتماع السياسي

لم يعد الحديث عن "النظام العالمي المتعدد الأقطاب" مجرد تنظير سياسي أو سيناريو للمستقبل؛ إذ نشهد ولادة النظام العالمي الجديد من رحم الممرات المائية. لم تعد القوانين الدولية المعلنة هي من يحكم، وبخروج أمريكا من حربها مع "الجمهورية الإسلامية" من دون تحقيق هدفها المحوري في إسقاط النظام، واستنفاد أوراق قوتها العسكرية والسياسية، بعد أن أُرغمت على توقيع "مذكرة تفاهم"، تبقي على بعض هيبتها العالمية، والتي ستفقدها لاحقًا لافتقارها استراتيجية واضحة الأهداف مع عودتها ‘لى تصعيد العمليات العسكرية والاستخباراتية في محاولة لاستعادة فرز موازين القوى بالحديد والنار فوق مضيق هرمز.

يتزامن هذا المخاض مع تحولٍ جذريٍ في تصور جديد، يقوم على انتقال أوروبا من مرحلة الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها الجماعي، ما يكشف استراتيجية جديدة للعلاقة الأمريكية -الأوروبية بعد ارتدادات الحرب الأوكرانية. هذا الأمر الذي يتيح للولايات المتحدة توجيه مواردها العسكرية نحو أولويات استراتيجية أخرى، تأتي في مقدمتها إعادة هندسة منطقة غرب آسيا بأقل الخسائر الأمريكية، والإعداد لمواجهة الصين بتعزيز حضورها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

على الرغم من تبني أمريكا في الخطاب الدبلوماسي العودة إلى الاستقرار وحرية الملاحة وسيادة الدول، والذي تتفق عليه مع القوى الدولية والإقليمية المتصارعة بقواسم مشتركة في خطابها السياسي، يبقى أن الشيطان يكمن في جوهر التفاصيل.

القوى الصاعدة (روسيا والصين) تنادي بإنهاء الهيمنة الأحادية الأمريكية، ببناء شركات اقتصادية وأمنية تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة. محور المقاومة (إيران وحلفاؤها) يعلن ضرورة إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في جنوب غرب آسيا، حيث يزعزع أمن الإقليم، ويدعو إلى تعاون دول الإقليم العربية والإسلامية لفرض معادلات ردع تؤمّن أمنها ومصالحها الاقتصادية القومية والوطنية والإقليمية. كما يرى المحور بأن أمريكا لم تكن لتتمكن من مهاجمة وتدمير بنيتنا وقتل القادة والتحكم بالمنطقة؛ لولا وجود قواعد عسكرية ومراكز استخبارية وأدوات محلية في دول المنطقة.

أما المحور الغربي (واشنطن وأدواتها) بعد أن أعلنت مراكز دراسات استراتيجية تابعة لها الخسارة الاستراتيجية، في حربها الإيرانية، لجأت إلى إعادة التموضع الإقليمي بالالتفاف على مخرجات "مذكرة التفاهم" بـــ"اتفاق الإطار"، مع فشله، إذ ما تزال تستخدم أمريكا السلطة في لبنان أداةً سياسية مع تعثر الخيارات العسكرية حاليًا (التدخل السوري- التركي لإنهاء المقاومة في لبنان)، من أجل تفريغ انتصار وحدة الساحات من مكتسبات قوة لبنان الميدانية بصمود المقاومة ومجتمعها من جهة، واستبعاد البند الخامس من مذكرة التفاهم الذي يفرض هندسة الجبهة المتوترة مع الكيان المؤقت (اللبنانية والفلسطينية) التي ستحدد الموازين لتموضع الدول الإقليمية(السعودية والتركية وسوريا) من جهة أخرى. إزاء هذا، نسال عن عودة أمريكا إلى الاستراتيجية الاقتصادية: هل فُرضت عليها هذه العودة بعد الفشل السياسي والعسكري المتراكم، أم فرضه تحويل إيران المعركة العسكرية نحو الاتجاه الاقتصادي؟

إيران تثبت في استراتيجية الاقتصاد المقاوم

الأهم في الاستراتيجية الإيرانية، والتي أعادت إغلاق "مضيق هرمز"، هو ما أعلنته قيادات إيرانية بأنها لم تكن خطة طارئة، ومستجدة بالمتغيرات الإقليمية، هي استراتيجية لعسكرة الاقتصاد، أعدت منذ عقود مع الإمام الخامنئي الشهيد ضمن استراتيجية الاقتصاد المقاوم، ومثلت هذه الاستراتيجية بدورها أحد ركائز صمود الشعب الإيراني وثباته.

الاقتصاد المقاوم استراتيجية اقتصاديّة متكاملة مغايرة عن نظريات الاقتصاد الغربي الليبرالي. قدمته الجمهورية الاسلامية نموذجًا دفاعيًا جراء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والأنظمة الغربية. إذ كما قال الإمام الخامنئي الشهيد: "إنّ الاقتصاد المقاوم يعني أن يكون لدينا اقتصاد يحفظ مسيرة النموّ الاقتصاديّ في البلد، كذلك تتناقص آفاته، أي أن يكون الوضع الاقتصاديّ للبلد والنظام الاقتصاديّ بحيث تقلّ أضراره وخسائره مقابل حِيل الأعداء التي ستبقى دومًا وبأشكال مختلفة، وفي الوقت نفسه يكون اضطرابه أقلّ". (الجمعة 26 آذار , 2021 12:10)

لقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية ظالمة على إيران، منذ العام 1979 بعد انتصار الثورة الإيرانية وإسقاط حكم الشاه، حين قامت بتجميد نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، ثم بدأت بزيادة الضغوطات الاقتصادية مع مرور الوقت، فأضحت نوعًا من الإرهاب الاقتصادي. آخر هذه العقوبات، في العام 2020، حين فرضت عليها عقوبات مشددة ومارست الضغوط القصوى عليها لتليين موقفها السياسي في قضايا المنطقة والعالم، لا سيما دعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين ومساندتها للشعوب المستضعفة والمظلومة.

لكنّ هذه الضغوط فشلت؛ ونجحت إيران في استراتيجية الاقتصاد المقاوم بارتكازها على 10 خطوات أساسية، وهي:

1- خلق النشاط والحيوية في الاقتصاد الإيراني، وتحسين مؤشراته.

2- القدرة على المقاومة والتصدي للعوامل المهدّدة.

3- الاعتماد على القدرات والإمكانات المحلية.

 4- الاقتصاد المقاوم هو العقيدة الجهادية.

5- مركزية العنصر البشري أو الحاضنة الشعبية لهذا النموذج.

 6- تأمين المواد الأساسية والاستراتيجية.

 7- تقليص تبعية الاقتصاد للنفط.

 8- إصلاح نمط الاستهلاك.

9- محاربة الفساد في كل مفاصل وقطاعات الدولة.

10- الخيط الناظم للسياسة المقاومة وهي مسألة المحورية العلمية.

بعد الحرب الأمريكية الصهيونية المباشرة على إيران (حرب رمضان 2026)، وجهت إيران استراتيجية الاقتصاد المقاوم في مواجهة العدو، فعمدت إلى نقل المعركة العسكرية إلى المجالات الاقتصادية الأكثر خسارة لأمريكا و"إسرائيل" بإغلاق الممرات المائية:

  • إغلاق مضيق هرمز
  • التهديد بإغلاق باب المندب

أهداف واشنطن من الحرب الاقتصادية المستجدة وليست الجديدة، اليوم، تتبدى في تقويد القدرة الإيرانية إقليميًا منطلقة من "مضيق هرمز"، في حين أهداف طهران فرض معادلة اقتصادية دولية مع دول المنطقة في "مضيق هرمز" تهندس قدرتها الإقليمية وتردع التدخل الأمريكي بمنع فرض تسوية عليها بالقوة. ما يعني بأن إيران تواجه حربًا وجودية بكل ما للكلمة من معنى، وهذه الحرب الاقتصادية المستمرة ستحدد شكل التسوية المقبلة. إذ إن تقيد إيران بالشروط الأميركية لا يمثل خسارة جولة حرب؛ بقدر ما يمثل تراجع مشروع نهضوي مقاوم على مستوى الإقليم، في المقابل فرض إيران شراكة إجبارية مع الاحتفاظ بأوراق ردع ونفوذ، يعني العودة إلى الحرب الصفرية التي تفضي إلى استسلام إيراني، والذي لا يرافقه انتصار أمريكي.

استراتيجية يوم إنزال اقتصادي الأمريكي

إعلان وزير الخزانة "سكوت بيسنت" استراتيجية "يوم إنزال اقتصادي"، في منطقة  جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط)، صُمم لإسقاط النظام الإيراني كاملًا وفرض نهاية سريعة للحرب مع إيران المستمرة منذ ستة أشهر، ترى فيها الإدارة الأميركية بأن الخنق المالي غير المسبوق على إيران سيحقق ما لا تستطيع القوات العسكرية على الأرض تحقيقه من استسلامٍ مطلقٍ، من دون مستنقع مفتوح وفرض استسلام سياسي ينهي الحرب من دون توسيع الانخراط العسكري الأميركي. في هذا السياق، يرى البروفيسور "روبرت بيب" بأن رهان واشنطن على هذه الاستراتيجية هو وعد جذاب، يتناقض بصورة مباشرة مع التاريخ، كما أنه  رهان على وهم عمره قرن، وتظهر أبحاثه على مدى ثلاثين عامًا بشأن الحرب الاقتصادية أن الحصارات والعقوبات الاقتصادية فشلت في الحروب الكبرى، منذ الحرب العالمية الأولى لثلاثة أسباب رئيسة:

  1. الرهانات الوجودية وقدرة النظام على الصمود: يرى بأن الرهانات الوجودية على الهزيمة تهدد التدمير الكامل للنظام وسلطته وحياة قادته، ما يحفز قدرة شديدة على الصمود، لأن القادة ومؤيديهم الأساسيين ينظرون إلى الصراع بصفته صراعًا صفريًا من أجل البقاء، فلن يقنعهم أي مقدار من الحرمان الاقتصادي بالاستسلام. في مقاربة على الواقع الإيراني، تاريخ الشعب الإيراني الاجتماعي الاقتصادي يشير إلى تمرس في احتواء العقوبات الاقتصادية الأمريكية، فقد أنتج استراتيجية الاقتصاد المقاوم الذي أعلنه القائد الشهيد في العام 2014، قادرًا على احتواء الصعوبات الاقتصادية الحتمية.
  2. وهم الضغط المدني: برأيه يؤدي تعظيم الألم الاقتصادي إلى وفاة المدنيين بدلًا من إحداث ضغط رمزي. هذه المعاناة الواسعة تنفّر عادةً الدول المستهدِفة بدلًا من دفع السكان المحليين ضد حكومتهم. حمل مشهد تشييع الإمام الخامنئي في العراق دلالة استراتيجية في تماسك وحدة المحور، ظهر في المشاركة الجماهيرية الواسعة، مثل تجديد للعقد الشعبي والمدني مع المشروع الشيعي ومنح مشروع المقاومة شرعية مجتمعية تتجاوز الأطر التنظيمية والحزبية، وتضع أي سلطة أمام مسؤولية سياسية لا يمكن تجاوزها، فالعراق بوصفه أرض كربلاء التي انتصر فيها الدم على السيف، يؤسس بهذا التشييع معادلة تاريخية في تحول التشييع من فعل حداد إلى فعل صون للعهد وتجديد للبيعة، لينتقل بالمشروع من مرحلة القيادة إلى مرحلة الأمة.

هذا الصمود والثبات للقوى الشعبية وامتدادها في العمق الإقليمي (العراق واليمن)، والذي برز في التشييع السياسي الاستفتائي الاستثنائي للقائد الشهيد، يُقرأ اليوم في الحديقة الخلفية والعمق الاستراتيجي للأمن القومي والاستراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فضلًا عن مؤشر وحدوي إنساني عقيدي في المطالبة بالثأر لاستشهاد الولي القائد والاقتصاص من المجرمين المعروفين بأسمائهم ولو بعد حين. كما أن العدو الصهيو – أمريكي، والذي يراهن على أن "يوم الإنزال الاقتصادي الأمريكي" بمعاونة دول الخليج ليخضع منطقة غرب آسيا للهندسة الأمريكية الجديدة لموازين القوى في المنطقة، ستبطله هذه الجماهير المليونية، والتي تراهن على أن الدم يصنع الإرادة وكل مرحلة تعبرها الأمة ستخرج منها أشد صلابة.

  1. صعود اقتصادات البقاء الخاضعة لسيطرة الدولة: حين يفشل الضغط الاقتصادي في كسر عزم النظام الداخلي، فغالبًا ما يجبر الحكومة المحاصرة نفسها على الرد خارجيًا، محولة الخنق الاقتصادي السلمي إلى محفز للرد العسكري المباشر. هنا يقع فخ الرد العكسي، وفقًا لرأي البروفيسور "روبرت بيب". إذ إن التحذير التاريخي لـ«يوم الإنزال الاقتصادي» لترامب: إذا فشل الضغط الاقتصادي في إنتاج الاستسلام، فإن التصعيد التالي يكون في كثير من الأحيان ليس قوة أقل، بل أكثر، فالألم الاقتصادي المفروض من الخارج ليس الشيء نفسه مثل الاستسلام السياسي.

في الخلاصة

يعاني العالم مخاض تحولات عميقة دولية وإقليمية وارتدادات اقتصادية على العالم كله، فحرب الممرات المائية التي بدأت مع إغلاق "مضيق هرمز" لن تنتهي به، بالتالي دول العالم تتجه إلى تحمل تكاليف اقتصادية لأية حرب قد تفرض على أية دولة للهيمنة عليها، ما يؤشر إلى أننا أمام نمط حرب اقتصادية جديد سيدخل في رسم النظام المتعدد الأقطاب، والذي سيؤثر بتداعياته على المشروع الأمريكي- الصهيوني في المدى البعيد. إذ إن أمريكا اليوم: لم تعد الإمبراطورية التي تلتحق دول العالم بقرارات حربها، فأسطول الإمبراطورية الأمريكية لم تعد قادرة على حسم المعركة ورسم "اليوم التالي"، فهي تستطيع أن تبدأ حرب، إلاّ أنها لا تستطيع أن تنهيها كما تشاء، وفقًا لقناعة الإمام الخامنئي الشهيد.

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد