صلاحيات الأمر التنفيذي «إحياء الحقيقة والصواب في التاريخ الأمريكي» الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سنة 2025 على سبيل النقلات الدراماتيكية الأولى التي سوف تطبع ولايته الثانية، لا تبدأ من سلطات إعادة التسمية على الأمكنة والظواهر والطبيعة والجغرافيا والتاريخ، ولا تنتهي عند إقحام التكريم والتبجيل على الأشخاص والرموز والوقائع بطرائق تعسفية وعشوائية واستفزازية. آخر المآثر في هذه الرياضة البهلوانية كانت تبديل اسم بحيرة أونتاريو إلى «بحيرة أمريكا»، متجاهلًا (ليس من دون تقصّد البلطجة العنجهية) أنّ التسمية تعود أصلًا إلى لغة الوندات وأكثر من 400 سنة؛ أي قبل نشوء الاتحاد الكندي، وإعلان استقلال الولايات المتحدة ذاتها. إعادة تسمية مضيق هرمز حكاية أخرى، وإنْ كانت أكثر حماقة وغطرسة وجهالة في آن.
بموجب الأمر التنفيذي إياه، كان ترامب قد أمر بإعادة نحت تمثال كريستوفر كولومبوس، على غرار النموذج الذي سبق أن ألقى به المحتجون في مياه ميناء بالتيمور، واعتبروا أنه كان ينتمي إلى «دعاة التفوّق العرقي الأبيض، وملّاك الشعوب المستعبَدة، ومرتكبي الإبادة، والمستعمرين». الرئيس الأمريكي وجّه بنصب التمثال على أراضي البيت الأبيض، معلنًا أنّ كولومبوس «بطل أمريكي أصيل، وعملاق للحضارة الغربية، وأحد الرجال الأكثر شهامة ورؤية ممّن ساروا على الأرض». وللتشديد على الخلفية الأيديولوجية للأمر التنفيذي، ولتطبيقاته المختلفة، جرى إيضاح الهدف الأعلى هكذا: الانتقام من الراغبين في «إشاعة إعادة تكوين زائفة للتاريخ الأمريكي، والتقليص غير المتكافئ لقيمة أحداث تاريخية محددة أو أشخاص، سعيًا إلى إدخال أية أيديولوجية أخرى محازبة».
حال التاريخ الأمريكي مع حكاية المسميات والرموز وتأثيمها أو تكريمها تستدعي، في مقام بارز كما يتوجب القول، حكاية الكاتب والرحّالة الإيطالي أميريغو فيسبوشي (1454ـ1512)؛ بسبب من سلطة التسمية على وجه التحديد، وعجائبها ومفارقاتها ونقائضها. ففي العام 1503، أتمّ فيسبوشي رحلته البحرية الثالثة إلى «العالم الجديد»، حسب مسمى تلك الأحقاب، وصار بذلك أوّل أوروبي يطأ شواطئ البرازيل وكولومبيا والأوروغواي والأرجنتين، كما تُعرف اليوم. كذلك بات فيسبوشي أيضًا أوّل أوروبي أبصر بأمّ العين، وأجاد بالفعل وصف ثلاثة من أكبر أنهار العالم: الأمازون، البافيا، والبلاتا.
استنادًا إلى منجزات كهذه، لن يطول الوقت حتى يتحلل الجغرافيّ والخرائطي الألماني الشهير مارتن فالدسيمولر (1475ـ1522) من كلّ تردّد وحرج، فيقرّر إطلاق اسم «أمريكا» على ذلك العالم الجديد، مستلهمًا التسمية من… فيسبوشي! وفالدسيمولر لم يشكك في حقيقة أنّ كريستوفر كولومبوس كان أوروبيًا، وأنه وصل إلى «العالم الجديد» في العام 1492، قبل فيسبوشي؛ ولكنّ هذا الأخير انفرد عن الأوّل بفارق جلي، كان حاسمًا في نهاية المطاف: أنه أوّل أوروبي يدرك الوصول إلى عالم «جديد» بالفعل، وليس إلى أجزاء غربية من آسيا، كما اعتقد كولومبوس طيلة سنوات.
بذلك، فإنّ تسمية «أمريكا» ولدت للمرّة الأولى نسبة إلى اسم صاحبنا، وتمثلت المفارقة في أنّ الكاتب والجغرافي هو الذي كوفئ أخيرًا بالتسمية الإعجازية الكبرى، وليس الملاح المغامر (كولومبوس)، أو الفاتح الجنرال (هرنان كورتيس)، أو الكاهن المبشّر (بارتولومي دي لاس كاساس). أكثر من ذلك، حين أخذ فيسبوشي ينعم باحتكار التسمية وإطلاق أمجاده ونصوصه، كان الأميرال كولومبوس ـ الذي رسخ في القيود والسجلات أنه «اكتشف» القارّة و»العالم الجديد» بأسره ـ يرسف في الأغلال، وينتظر محاكمة ملكية قاسية، ويستعطف الملك فرديناند والملكة إيزابيلا: «إنني وحيد في عذاباتي وارتيابي والموت الذي أنتظره كل يوم… ابكيا عليّ، أنا المترع بالإحسان والحق والعدل»!
الحال أنّ أقدار التسمية هذه لا تقلّ غرابة عن ملابسات «الاكتشاف»: كلاهما انبثق من الصدفة، وكلاهما واصل البقاء في اسم العلم الخاطئ، وكلاهما انتعش وسط هوس التخييل وسلطة النصّ. ولكن وصف فيسبوشي للعالم الجديد كان أكثر بلاغة ورشاقة وحذقًا وقدرة على الإقناع من رسائل كولومبوس الدينية والتجارية والاستيهامية، وكانت نصوص الأوّل تخاطب قارئًا عريض الاهتمامات، يبحث عن المتعة والإثارة، وليس إلى قارئ صيرفي أو قارئ أسقف عند الثاني. وفي المقابل، فإنّ المناخات التي دوّنها الكاتب الرحالة (أو بالأحرى: الأكاذيب التي اختلقها) لم تكن من حيث الجوهر مختلفة عن تلك التي رواها كولومبوس عن «الهنود» الحمر: عراة، بلداء، جبناء، أكلة اللحم البشري.
هكذا انتزع فيسبوشي حقّ تسمية «العالم الجديد» باسمه هو، وليس باسم أيّ من مئات الفاتحين والغزاة والأساقفة والفلاسفة والدبلوماسيين. وبالإضافة إلى سلطة النصوص العجائبية التي اختلقها وأشاعها، كان يواصل استراتيجيات كولومبوس في محو الاسم أوّلًا، ثم التعميد، فالتنصير، على حدّ تعبير ستيفن غرينبلات. تلك كانت البرهة القصوى لفعل الخطاب العجائبي، وأعجوبة أسماء العَلَم الجديدة التي ستحملها جزر القارّة: سان سلفادور، سانتا ماريا، فرناندينا، إيزابيلا، جوانا، ثم أمريكا. وفي إطلاق التسميات هذه، كان الغزاة يدمجون فعل الاستيلاء ومحو الهوية بفعل آخر زعموا أنه ينقل الهمجي من الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى المعرفة.
ترامب، وهو على نحو أو آخر كولومبوس أيامنا هذه، ليس أعلى غطرسة، وبالتالي أشدّ همجية، فحسب؛ بل هو صيغة الانحطاط القصوى من ذلك الاستحواذ الاعتباطي الأحمق، حيث سلطة التسمية تبلغ سويّات قصوى من الابتذال.