الجبل يعرف أبناءه ..

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

في الحروب، هناك شيء لا يظهر على الخرائط، ولا تقيسه الأقمار الصناعية، ولا يدخل بسهولة في حسابات غرف العمليات. إنه معرفة المكان.

الجندي الذي يأتي من بعيد يرى الجبل كتلة من صخر وارتفاعات وانحدارات، ويراه المُخطّط العسكري تضاريس ينبغي السيطرة عليها، وتراه الطائرة هدفًا يمكن قصفه، أما ابن الجبل فيراه بطريقة مختلفة.. يرى فيه طريقًا يعرف أين يبدأ وأين ينتهي، وممرًا لا يحتاج إلى لافتة، وصخرة تصلح علامة، وقرية يعرف أهلها، وموضعًا يستطيع أن يختفي فيه عن عين لا تعرف الأرض. لهذا لم يكن الجبل، في تاريخ المشرق العربي، مجرد جغرافيا، لقد كان في لحظات كثيرة طرفًا غير معلن في الحرب.

حين يدخل جيش غريب أرضًا لا يعرفها، يدخل إليها محملًا بقوته العسكرية، لكنه يظل محتاجًا إلى شيء لا يستطيع حمله معه، وهو الوقت. يحتاج إلى خرائط وطرق آمنة وخطوط إمداد ومعلومات دقيقة وقدرة على معرفة أين يوجد خصمه، ومتى يظهر، ومتى يختفي؟ أما أبناء الأرض فلا يحتاجون إلى هذا كله؛ لأن كثيرًا منه موجود في ذاكرتهم قبل أن تبدأ الحرب. قد تبدو المسافة القصيرة على الخريطة طويلة بالنسبة إلى الجندي، في حين يستطيع ابن الجبل أن يقطعها في الظلام، من دون أن يشعر بهذه المسافة..!

لذلك؛ يتحول المكان من جغرافيا إلى قوة؛ إذ إن الجيش المتفوق يستطيع السيطرة على قمة الجبل، وأن يدمر موقعًا، وأن يغلق طريقًا، لكنه لا يضمن بذلك امتلاك الجبل.. لأن السيطرة على الأرض ليست بالضرورة سيطرة على المعرفة التي تحملها الأرض. تستطيع أن تضع جنودك على ارتفاع، لكنك لا تستطيع أن تمنحهم ذاكرة المكان. تستطيع أن ترى الوادي من الفضاء، لكنك لا ترى بالضرورة ما يعرفه أهله عنه، وأي طريق يقود إلى الهدف المطلوب، وأي طريق يقودك إلى المكان الذي يريد خصمك أن تصل إليه.

هذه هي المفارقة التي تجعل الحروب في الجبال مختلفة. التفوق العسكري لا يختفي، لكنه يفقد جزءًا من قدرته على الحسم. إذ إن القوة النارية تحتاج إلى هدف، والهدف يحتاج إلى معلومة، والمعلومة تحتاج إلى إنسان يعرف أين يبحث.. كلما كانت الأرض أكثر تعقيدًا، أصبحت المعرفة المحلية جزءًا من ميزان القوة. لهذا؛ الجبل يمنح المقاومة شيئًا أهم من المخبأ، يمنحها القدرة على اختيار اللحظة، وعلى الحركة من دون أن تكون الحركة نفسها مكشوفة، وعلى جعل الخصم يتحرك أكثر مما تقاتله.

لذلك؛ يصبح الزمن سلاحًا. الجيش النظامي يدخل الحرب وهو يحمل تصورًا عن بدايتها ونهايتها، لديه أهداف يريد تحقيقها خلال مدة محددة، وتكاليف يريد السيطرة عليها وجبهة يريد إغلاقها. أما المقاومة، لا سيما حين تكون مرتبطة بمجتمعها، تفكر بطريقة أخرى. لا تحتاج بالضرورة إلى أن تنتصر كل يوم، ما تحتاج إليه هو ألا تسمح للعدو بأن يحول تفوقه العسكري إلى حقيقة سياسية نهائية. كل يوم يمر، من دون أن يستطيع إنهاء المقاومة، سيصبح  وجوده جزءًا من المشكلة، وكل عملية تحتاج إلى قوة أكبر، وكل طريق يحتاج إلى حماية، وكل موقع يحتاج إلى حراسة، وكل حراسة تحتاج إلى رجال ووقت وإمداد.

لكنّ الجبل وحده لا يفعل شيئًا. لو كانت الجغرافيا تصنع النصر وحدها، لهزمت الجبال كلها الجيوش التي دخلتها. الجبل يمنح الفرصة، لكن الإنسان هو الذي يحولها إلى قوة. ابن الجبل لا يقاتل؛ لأنه يعرف الصخور فقط، إنما لمعرفته المجتمع الذي يعيش بينه، يعرف الناس وعلاقاتهم ومساراتهم ومخاوفهم وذاكرتهم.. لهذا؛ تصبح المقاومة أقوى حين لا تكون جسمًا غريبًا عن البيئة التي تتحرك فيها، وحين يصبح المجتمع نفسه جزءًا من قدرتها على البقاء.

لذلك؛ تتغير طبيعة المعركة؛ حيث لم تعد المواجهة بين جيش محتل ومجموعة مقاتلين، هي أيضًا بين قوة تريد اختصار الأرض إلى مساحة يمكن السيطرة عليها، ومجتمع يرى الأرض جزءًا من هويته. يمكن احتلال قرية، لكن يصعب احتلال الذاكرة التي تجعل أهلها يعرفون لماذا يريدون العودة إليها؟ يمكن هدم بيت، لكن من الصعب هدم الحكاية التي سيحكيها صاحبه لأطفاله عنه. .. يمكن إغلاق طريق، لكن لا يمكن بسهولة إغلاق المعرفة التي تنتقل من جيل إلى آخر عن طرق أخرى.

بعض الجبال، في تاريخ المنطقة، هي أكثر من مجرد مسارح للمعارك. من لبنان إلى فلسطين وسوريا واليمن، ارتبطت الجغرافيا بالهوية وبالقدرة على الاحتمال. الجبل لا يصنع المقاومة، لكنه يمنحها مساحة كي تتنفس، والوقت كي تتعلم، والقدرة على أن تجعل التفوق العسكري أقل بساطة مما يبدو على الورق. في كل مرة كانت القوة الخارجية تظن أن السيطرة على الارتفاع تعني السيطرة على الأرض، ثم تكتشف أن هناك فرقًا بين أن تصل إلى المكان وأن تصبح قادرًا على التحكم به.

إن أخطر ما يواجه المحتل دومًا ليس السلاح الذي يحمله صاحب الأرض؛ وإنما قدرته على البقاء.. فالسلاح يمكن أن ينفد، والمواقع يمكن أن تسقط، والقيادات يمكن أن تتغير، لكن إذا بقي المجتمع قادرًا على إعادة إنتاج الرفض، فلا تنتهي الحرب بسقوط موقع أو مدينة. عندها يصبح السؤال مختلفًا: ليس من يملك القوة الأكبر، إنما من يستطيع أن يجعل الزمن يعمل لصالحه؟

بناء على هذا الواقع؛ تبدو العبارة أكثر عمقًا مما توحي به للوهلة الأولى: الجبل يعرف أبناءه. ليس؛ لأن الصخور تختار طرفًا، ولا لأن الطبيعة تقاتل بدل البشر، بل لأن المكان حين يتحول إلى ذاكرة يصبح جزءًا من الإنسان، والإنسان حين يعرف أرضه يستطيع أحيانًا أن يجعل القوة التي جاءت لاحتلالها تدفع ثمنًا أكبر بكثير مما توقعت.

الجبل ينتصر لأبنائه، حين يمنحهم كل يوم فرصة.. والفرصة وحدها لا تكفي، إلا إذا عرف أصحابها كيف يستخدمونها.. إذ عندما يمتلك شعب ما القدرة على الصبر، يصبح الزمن نفسه جزءًا من المعركة، وعندها قد يكتشف جيش الاحتلال الذي دخل الجبل بثقة أنه لم يدخل أرضًا صامتة، لقد دخل ذاكرة لها أبناء.

الجبل يعرف أبناءه، لذلك يعرف أبناؤه كيف ينتظرون النصر..

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد