قد تبدو المسألة في ظاهرها خلافًا محدودًا حيال نص تعريفي على نصب تذكاري في مدينة نيويورك الأميركية، غير أن ما جرى، في قضية " القلم: شعراء في الحديقة"، يتجاوز بكثير حدود لوحة أو تصحيح تسمية. إذ أثار تعريف الأدباء والشعراء(جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وإيليا أبو ماضي) "الكتّاب السوريون" اعتراضًا لبنانيًا رسميًا، تحوّل سريعًا إلى تحرك دبلوماسي قاده وزير الخارجية يوسف رجي، وإلى موقف سياسي واضح من "القوات اللبنانية"، قبل أن تعلن وزارة الخارجية، في 30 تموز\يوليو المنصرم، نجاح مساعيها في تعديل النص لتصبح هوية أولئك الأدباء والشعراء الأربعة "لبنانية".
لكن أهمية الواقعة لا تكمن في التغيير الذي طرأ على اللوحة، إنما في المعنى السياسي الذي أعطي لهذا التغيير. إذ حين تتحول تسمية جنسية أدباء عاشوا في مرحلة تاريخية سبقت تأسيس "الدولة الوطنية الحديثة" (لبنان الكبير 1920) إلى قضية تمس الهوية، تظهر الإشكالية الأكثر عمقا: هل يجوز اختزال موروث أدبي تشكّل في فضاء تاريخي وثقافي عابر للحدود داخل هوية وطنية واحدة، ثم التعامل مع أي توصيف آخر بوصفه تهديدا للوجود الرمزي للدولة الناشئة والمنفصلة عن ذلك السياق التاريخي والجغرافي؟
أدباء المهجر في زمن كانت فيه الهوية أوسع من حدود الدولة
لا يمكن فهم الجدل الحالي من دون التحرر أولا من إسقاط المفاهيم السياسية المعاصرة على زمن مختلف، إذ إن أولئك الأدباء والشعراء وغيرهم من أدباء المهجر نشأوا، في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، في مرحلة كان فيها المشرق العربي يعيش في زمن السلطنة العثمانية، وكانت بلد الشام تتحرك في مستويات متداخلة، ولم تكن "الدولة الوطنية الحديثة". هنا؛ تبرز أهمية المصطلحات التاريخية، فــ"سوريا"، في المصطلح الجغرافي والثقافي والسياسي السابق، تختلف عن الدولة السورية بحدودها الحالية، والحديث عن سوريا الكبرى أو بلاد الشام لا ينبغي أن يفهم منه نفيًا لخصوصية لبنان، إنما شكّل حيزًا تاريخيًا متعدد المستويات، في حين كانت "الدولة الوطنية" لاحقًا هي التي أعادت ترتيب هذه المستويات داخل حدود سياسية جديدة. تزداد المسألة تعقيدًا بالإنتقال إلى المهجر الأميركي، فالدراسات المتخصصة في الهجرة العربية إلى الولايات المتحدة الأميركية توثق أن المهاجرين القادمين من بلاد الشام قد شكّلوا في نيويورك مجتمعًا عرف تاريخيًا باسم Syrian Colony، ثم ارتبط إسمه بـــــLittle Syria .
كما يشير مركز خير الله لدراسات الشتات اللبناني، في جامعة ولاية كارولينا الشمالية، إلى أن إستعمال مصطلح Syrian كان شائعًا بين المهاجرين في مطلع القرن العشرين، ومركز الجالية في نيويورك عرف بــ"المستعمرة السورية"، فيما تظهر الرسائل والصحف والمؤسسات آنذاك استعمال الجالية السورية – اللبنانية فعليًا للمصطلح نفسه.
من الموروث الثقافي إلى سياسة الذاكرة وصراع الرموز
الأدب، بخلاف الجغرافيا السياسية، لا يخضع بسهولة لمنطق الحدود، فالكاتب قد يحمل أكثر من انتماء في الوقت نفسه، وقد يكون جزءًا من ذاكرة محلية ووطنية وعربية وعالمية في آن. من هنا؛ فإن القيمة الحقيقية لأدباء المهجر السوري- اللبناني لا تكمن فقط في أصولهم الجغرافية، إنما في أنهم كانوا نتاج تجربة اغترابية وثقافية عابرة للحدود، أسهمت في تحديث الأدب العربي وتطوير علاقته بالغرب.
إن الرابطة القلمية، والتي أسست في نيويورك في العام 1920، لم تكن مؤسسة وطنية بالمعنى الضيق، كانت تعبيرًا عن بيئة أدبية عربية مهاجرة تفاعلت مع المجتمع الأميركي، وأفادت من الصحافة العربية المنتشرة في نيويورك، والتي أسهمت في إنتاج واحدة من أهم حركات التجديد في الأدب العربي. لهذا؛ السؤال عن "هوية" هؤلاء الأدباء يتحول إلى صراع سياسي أكثر مما هو أدبي. من حق لبنان أن يعتز بأولئك الأدباء والشعراء ويدرجهم ضمن موروثه الثقافي، بل إن المؤسسات الأكاديمية والثقافية اللبنانية نفسها تحتفي بهم بوصفهم جزءًا من الإسهام اللبناني في الأدب العربي والعالمي، إلا أن هذا الاعتزاز لا يحتاج بالضرورة إلى إلغاء المستويات الأخرى من السياق التاريخي والجغرافي الذي نشأت فيه تجربتهم.
لذلك؛ تظهر أهمية مفهوم سياسة الذاكرة، فأي دولة حديثة لا تكتفي بإدارة الحاضر، إنما تسعى لبناء رواية عن الماضي تمنحها تاريخًا فكريًا وأدبيًا.. لكن المعضلة تبدأ عندما تتحول حماية الذاكرة إلى صراع على احتكارها. إذ إن الموروث الثقافي لا يشبه الإقليم، فلا يمكن أن يكون لبنانيًا فقط أو سوريًا فقط بالمعنى الحصري. إن أدب المهجر تحديدًا ولد بفعل التداخل، ومن الحركة بين المكان واللغة والمنفى والوطن، لهذا فإن إختزاله في جنسية واحدة قد يحقق وضوحًا سياسيًا، لكنه حتما يخسر شيئا من حقيقته التاريخية والثقافية، وحتى ذلك الوضوح السياسي أيضًا سيبقى مجزوءًا ومختزلًا..!
الخلفية السياسية من تثبيت الهوية إلى معركة رمزية
لا يمكن فصل موقف "القوات اللبنانية" عن تاريخ أوسع في تصورها لمسألة الدولة والهوية والعلاقة مع سوريا، فقد جاء موقفها من القضية حاسمًا. إذ رأى جهاز العلاقات الخارجية في الحزب أن تقديم أدباء الرابطة القلمية بوصفهم كتّابًا سوريين، أو إدراجهم ضمن إطار سوريا الكبرى، من دون إشارة واضحة لهويتهم اللبنانية، يشكّل مخالفة للوقائع التاريخية والثقافية، ويؤدي إلى طمس جزء أساسي من الإرث اللبناني في الاغتراب.
اللافت أن لغة بيان الحزب تجاوزها الدفاع عن الجنسية إلى لغة أكثر حدة، فقد وصف المسألة بأنها محاولة للمساس بالثقافة والهوية اللبنانيتين، وهذا جزء من معركة تثبيت "الكيان اللبناني". هنا؛ يظهر ما يمكن تسميته بالحساسية السياسية إزاء الهوية السورية، والتي لطالما ظهرت بوضوح في الخطاب السياسي لحزب القوات في العقود الماضية. في هذا السياق، تصبح الرموز الثقافية أدوات في معركة سياسية أكبر؛ فالخوف من الذوبان داخل هوية أوسع قد يدفع بعض القوى إلى تشديد الحدود الرمزية، حتى عندما يكون موضوع النزاع أدبيًا لا سياسيا، فلا يمكن فهم حدة الموقف بمعزل عن تاريخ طويل من الصراع في لبنانية الدولة وعلاقتها بالدولة السورية.
في هذا السياق؛ اكتسب تحرك الوزير يوسف رجي دلالته من انتقال هذه الرؤية من المجال الحزبي إلى الدولة ومؤسساتها والدبلوماسية الرسمية، فتحول التحرك إلى إنجاز سياسي رمزي بالمعنى الدقيق للكلمة. إذ قدمت القضية على أنها انتصار سياسي غي استعادة "حق لبناني"، وليس مجرد تعديل لغوي على اللوحة.

ختامًا
القراءة الأعمق تفرض التمييز بين تصحيح الهوية الوطنية وبين إعادة كتابة التاريخ. من حق لبنان أن يحمي موروثه الثقافي، لكن هذا لا يستلزم إلغاء السياق التاريخي حين كانت سوريا وبلاد الشام مصطلحًا متداولاً بين مهاجري بلاد الشام في "نيويورك" في زمن السلطنة العثمانية.
الأكثر أهمية أن الأدب نفسه يقاوم هذا النوع من الاختزال، فأؤلئك الأدباء والشعراء لم يكونوا مجرد أسماء في مجلات الدول، لقد كانوا أبناء مرحلة تاريخية عابرة للحدود وأحد تجلياتها الأدبية. لهذا؛ فإن محاولة حصرهم في انتماء واحد تفقد هوية الموروث العربي الأصيل بعضا من غناه، في حين أن الاعتراف بتعدد انتماءاته لا ينتقص من لبنانيته، بل يضعها في سياقها التاريخي الصحيح. المشكلة بدأت عندما تحولت الهوية إلى لعبة صفرية، فيصبح الاعتراف بالآخر تهديدًا للذات. المعركة الحقيقية لم تكن على أسماء أربعة أدباء، إنما على من يمتلك حق رواية الماضي، ومن يملك حق رواية الماضي، يمتلك القدرة على تعريف الحاضر...
-صابر عبد الدايم، أدب المهجر، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الأولى، 1993.
-فواز طوقان، "جماعة الرابطة القلمية في نيويورك"، مجلة العربي، العدد 717.
-مكتبة قطر الوطنية، " الأدب العربي الأميركي، شعراء المهجر والرابطة القلمية، والعصبة الأندلسية، متوفر على الرابط التالي: https://www.qnl.qa/ar/blogs/12396
-العربي الجديد، " شعراء في الحديقة...ذاكرة المهجر السوري في نيويورك "، 5 أيار 2026.