تتأرجح سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما بين فرصة العودة إلى مذكرة التفاهم، والموقعة في حزيران 2026، وبين "جرصة" العودة مجددًا إلى الحرب التي فشل في تحقيق أهدافها، هذا إضافةً إلى عدم القدرة على حسمها وفشل الرهان الأميركي- الإسرائيلي على زرع الفوضى في الداخل الإيراني، والذي أثبت وحدة غير مسبوقة والتفافًا حول قيادته دفاعًا عن الكرامة والبلاد.
في ظل هذا التأرجح الأميركي، تظهر الفجوة الكبيرة ما بين تصريحات ترامب الوهمية والحقائق الميدانية التي تشير إلى بقاء البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والعلاقة بين إيران وحلفائها من دون أي تغيير، كذلك بقاء مضيق هرمز مفتوحًا، من دون أن تفتحه تصريحات ترامب، والذي شنّ الحرب من أجل تدمير سلاح نووي غير موجود، وفتح مضيق لم يكن مغلقًا، كما قال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
منذ أن تحولت الأهداف الأميركية - الإسرائيلية من إسقاط النظام إلى فتح مضيق هرمز، ومن نصر سريع إلى محاولة الخروج بأقل الخسائر من الحرب، لم يعد الأمر مجرد جزء من التخبط الأميركي في تحديد الأهداف، لقد أصبح تعبيرًا عن أزمة استراتيجية عميقة تعيشها الإدارة الأميركية في الحرب التي شنّتها ضد إيران بشعارات كبرى، ثم تحولت لاحقًا إلى معركة استنزاف في ممر مائي ضيق يسيطر عليه الحرس الثوري الإيراني، والذي يؤكد أن فتحه أو إغلاقه هو شأن إيراني دائم وثابت، لا تغيّره السفن الحربية أو تغريدات ترامب.
على ترامب أن يختار ما بين فرصة العودة إلى مذكرة التفاهم، أو "جرصة" العودة مجددًا إلى الحرب التي يفتقر فيها إلى القدرة والإرادة، ويخاف من كلفتها الباهظة، بشريًا وماديًا، وانكشاف حقيقة القوة الأميركية والتضليل الاستخباراتي الذي استُخدم لشنّ العدوان، والذي وقف مرتكبوه عاجزين أمام إرادة وقرار الصمود والمواجهة من جانب إيران.
إن العودة إلى الحرب يُتوقع أن تُظهر مجددًا عجز إدارة ترامب أمام إيران، وهذا ما قد يجعلها حاضرة في العجز أيضًا أمام الصين وروسيا، كذلك كوريا الشمالية، وأمام مسألة أمن الملاحة العالمية.
يضاف إلى ذلك تراجع تأثير الولايات المتحدة ونفوذها، وفشلها في معالجة مشاكلها الداخلية، فضلًا عن الفشل في سياستها الخارجية، بعد أن أصبحت تصرفاتها، بشكل أكثر وضوحًا، تشكل الخطر والتهديد الأول للسلم والأمن في العالم.
لقد استطاعت إيران، في الحرب، أن تفقد الجيش الأميركي تفوقه، وأن تدمر العدد الأكبر من قواعده في المنطقة، والتي لم يستطع حمايتها مع كل ما يمتلكه من أسلحة. لقد ظهر أن هذه الأسلحة تتناسب ومعارك الأمس، وليس مع معارك اليوم، والتي أصبحت فيها الساحة للطائرات المسيّرة التي تتفوق فيها إيران بشكل كبير، وتصل إلى أي مكان تريده بكلفة قليلة، مقارنةً بما تكلفه الطائرات والصواريخ الأميركية التي تستطيع قصف أهداف في إيران، بحثًا عن انتصار تكتيكي لم يتحقق، وسط الكثير من المؤشرات التي تتحدث عن الخسارة الاستراتيجية التي ستصاب بها الولايات المتحدة الأميركية وإدارتها وقواتها ومصالحها في المنطقة.
لقد أجبرت إيران الولايات المتحدة على الدخول في مفاوضات عنوانها البحث عن طريق للخروج من الحرب، بدلًا من تحقيق الحسم أو أي نصر فيها، وهذا هو ملخص مذكرة التفاهم.
انتقلت تصريحات ترامب، في هذه المرحلة، من الحديث بلغة الصدمة والرعب وحسم الحرب، إلى استخدام لغة استعراضية جديدة عنوانها المزيد من التهديد بالضغوط الاقتصادية، وسط تعثر المفاوضات التي تزيد تصريحات ترامب من تعثرها، وهو الذي يظن أن الحرب هي تطبيق إلكتروني أو لعبة فيديو دخلها وفقًا لحسابات مرتبطة بعدد الصواريخ التي يمتلكها.. وبعد أشهر من الحرب راح يسأل: كيف يمكن الخروج منها من دون أن يبدو وكأنه خرج منها لعدم استطاعته إكمالها أو تحقيق أهدافها؟
في حال عدم السلم وعدم الحرب، تعد العودة إلى مذكرة التفاهم، بالنسبة إلى إيران، عدم تقديم أي تنازلات، هي فرصة لتجاوز عدم السلم وعدم الحرب من دون أي تراجع أمام الضغوط الخارجية ومحاولات إضعاف إيران، والتي تستخدم فيها الولايات المتحدة الوسائل كلها، ومنها الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز المغلق تمامًا، بصرف النظر عن ادعاءات ترامب بأن هناك من يتعاون معه، وهذا من المستحيل أن يحصل.
يبقى السؤال المطروح: هل ستستفيد إدارة ترامب من فرصة العودة إلى مذكرة التفاهم، والتي لا تعني أن واشنطن وطهران سوف تتبادلان الورود، أو أن سنوات العداء سوف تنتهي بكلمة، إنما تعني أن تفعل السياسة ما عجزت عنه الحرب، حيث تصر فيها إيران على الصمود وتحقيق النصر، في حين يستمر ترامب في مؤتمراته الصحفية بتهديد إيران ومطالبتها بالاستسلام ورفع الراية البيضاء؟
على الرغم من كل ما قيل وسيقال، الفرصة ما تزال متاحة للعودة إلى مذكرة التفاهم؛ كونها مخرجًا يخفف من وطأة الهزيمة الأميركية، على أن تبدأ العودة إليها بوقف التصعيد والبدء في مفاوضات عبر الوسطاء، والالتزام ببنود المذكرة التي يجب عدم الخروج منها الآن، ولا في عهد أي رئيس قادم في الولايات المتحدة يأتي ويقول: هذه المذكرة لا تعجبني، بعد انتهاء ولاية ترامب.
إن مذكرة التفاهم تتضمن نقاطًا أساسية ومهمة تتعلق بوقف الحرب على إيران ولبنان والجبهات كلها ورفع العقوبات والأموال المجمدة، وفتح مضيق هرمز والحفاظ على البرنامج النووي مع وضع قيود عليه. وتركز إيران على هدف استراتيجي، وهو خروج القوات الأميركية من المنطقة.
لقد بدأ حلفاء الولايات المتحدة يبحثون عن بدائل، ليس لأنهم يرغبون في ذلك، إنما لم يعودوا يثقون بقدرة الولايات المتحدة على توفير الأمن والحماية. قد تسمح العودة إلى مذكرة التفاهم، والتي يعترض عليها اللوبي الصهيوني، بظهور نهج أميركي أكثر تواضعًا، يسمح للولايات المتحدة بأن تحظى بمكانة بين الدول، وسط تقدير عام بأن الفشل الأميركي لم يعد هزيمة عسكرية فقط، تحوّل أيضًا إلى بوابة لانهيار المظلة الردعية التي كانت حجر الزاوية في الوجود الأميركي في المنطقة.
لكن الواقع الحالي والفشل الواضح يستدعيان الانطلاق نحو استراتيجية جديدة تقوم على الواقعية والتوازن، بدلًا من الأوهام والتبجح، واللذين لن يستطيعا إخفاء تراجع الهيمنة الأميركية في العالم وتراجع قدرات الولايات المتحدة على التأثير العالمي الذي كانت تمارسه خلال العقود الماضية.
ذلك؛ لأن وعي الانتصار اليوم وانتصار الوعي يؤكدان أن الحرب لن تنتهي لمصلحة العدوان.