فضيحة بطاقات الخليوي: شركات خاصة تتحكّم بتشريجة الفقراء؟

post-img

خضر حسان (صحيفة الأخبار)

آخر الفضائح في قطاع الاتصالات، محاولة إقفال الباب أمام خدمة تعبئة الأيام من دون دولارات، والتي تلجأ إليها شريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود، لإبقاء "الخط" مفعَّلاً وتلافي خسارته وسط عدم القدرة على دفع مبالغ أكبر للحصول على إحدى الباقات المدفوعة، والتي تحتوي على الدولارات لإجراء الاتصالات أو اختيار خدمات الانترنت. على أنّ ما يُحكى حالياً في هذا السياق، يحمل علامات الاستفهام.

وفي العمق، القضية أبعد ممّا تبدو عليه، إذ تطال بعض الشركات التي تقدّم خدمات "التشريج" من خلال الدفع الإلكتروني. فما هو الرابط بين تلك الشركات ومحاولة وقف خدمة تشريج الأيام في قطاع الخليوي؟.

تسرّب الإيرادات

اكتشفت وزارة الاتصالات "تسريب إيرادات من البطاقات المسبقة الدفع"، فطلبت من شركتيّ الخليوي تاتش وألفا "إجراء تحقيقات ورفع اقتراح متكامل إلى الوزارة خلال مهلة محدّدة، يؤمّن ضبط الآلية وتحصيل الإيرادات اللازمة للصيانة والتطوير، على أن تتّخذ الوزارة قرارها على أساسه"، وفق بيان للوزراة.

وهذا التسريب، يعني وجود إيرادات تأتي من تلك البطاقات ولا تلحظها شركتا الخليوي وتالياً الوزارة، وعبرها خزينة الدولة. فتتحوّل تلك الإيرادات إلى "مصدر أرباح خارج الأطر القانونية". ولمنع استغلال هذه الخدمة "في السوق السوداء"، كان طلب إجراء التحقيقات.

على أنّ شركتيّ الخليوي ووزارة الاتصالات، يحيطون الملفّ بتكتّم شديد، ولم يرشح عنهم سوى ما ذُكِر في البيان المقتضَب الذي لم يوضح ماهيّة التسريب وكيف يحصل ومن المسؤول عنه، وضمناً، المبلغ الإجمالي الذي حُرِمَت منه الخزينة، والمدّة الزمنية التي حصل خلالها التسريب. والأهم، هل لا يزال الثقب مفتوحاً؟.

استفادة شركات خاصة

وسط التكتّم عن التفاصيل بانتظار التحقيقات، تشير مصادر متابعة للملف، إلى أنّ جوهر القضية يتمحوَر حول "اكتشاف أنّ إحدى الشركات المعنية بتقديم خدمات تحويل الأموال والدفع الإلكتروني، تتيح خدمة شراء البطاقات الخليوية مسبقة الدفع وتتيح للزبائن شراء الأيام من دون الدولارات". وتؤكّد المصادر في حديث لـ"المدن"، أنّ الشركة المعنيّة "حين تبيع الخدمة بنحو 3 دولارات على سبيل المثال، تحصل الدولة منها على نحو 50 سنتاً"، وهذا ما وصفته الوزارة بأنّه تسريب للإيرادات.

ولذلك، يتّضح أنّ المقصود بالإيرادات التي تتسرّب، ليس السعر المنخفض للخدمات، سواء شراء كامل البطاقة أو الأيام فقط، وإنما عدم حصول الدولة على إيراداتها من تلك الخدمة. وهو ما يحصر السجال بين الدولة والشركات المعنية بتقديم تلك الخدمة.

وبعيداً من كيفية وحجم التسريب، إلاّ أنّه لا يصحّ أن يكون سراً، بموجب طبيعة العلاقة بين الشركات المعنية وقطاع الخليوي. وباختصار، فإنّ إتاحة المجال لشركات خاصة إمكانية بيع البطاقات مسبقة الدفع وتحصيل ثمنها، لا يحصل من دون علم شركتيّ الخليوي ووزارة الاتصالات، وهنا مربط الفرس. فالتفاصيل التي تأتي بعد السماح بالبيع، لا تعدو كونها تفاصيل تقنية.

وعليه، مَن أعطى الحق بتقديم تلك الخدمة، هل هما تاتش وألفا أم وزارة الاتصالات؟. ثمّ هل يتم الاتفاق مع تلك الشركات بموجب عقد رضائي أو مناقصة؟. وفي جميع الحالات، المسار ليس سرياً ويفترض أن يكون خاضعاً للرقابة لناحية الالتزام بالكمية والسعر وتحويل نسبة الإيرادات المتّفق عليها.

ولأنّ الخدمة غير مستحدثة، لا يصحّ أن تكتشف الوزارة فجأة وجود التسريب. وهذا يحيل إلى مسؤولية الوزراء المتعاقبين على الوزارة، فالخدمة لم تظهر فجأة وإيراداتها لم تُلحَظ اليوم. ومن شأن التدقيق الدوري، كشف أي خلل فوراً.

البُعد الاجتماعي للخدمات

لم تعلن الوزارة بعد حجب خدمة تشريج الأيام، وهذا أمر إيجابي. كما أنّ وزير الاتصالات شارل الحاج أكّد عبر منصة "إكس" أنّه "لم يصدر أي قرار حتى الساعة من وزارة الاتصالات وليس هناك أي تاريخ محدّد لأي إجراء. وأي خطوة مستقبلية لن تطال خدمة المشترك قبل تأمين بديل رسمي يحافظ على إمكانية الحصول على الخدمة بسعر مناسب، خصوصاً لأصحاب الدخل المحدود.  الأرصدة محفوظة والتحويل بين المشتركين لم يُلغَ كما زعم البعض. المطلوب بسيط: وقف التسرّب، مش المواطن".

ولا بدّ من التذكير بأنّ تحديد الدولة أسعار الخدمات، ينطوي على بُعد اجتماعي ولا ينحصر بالبُعد الحسابي وبمعادلة الربح والخسارة. فخدمة الاتصالات كالخدمات الصحية التي تقدّمها المستشفيات الحكومية وكخدمة الكهرباء، يجب أن تلحظ قدرة جميع الفئات الاجتماعية بالحصول عليها. وحتى الآن، تقرّ الوزارة في بيانها بأنّ خدمات البطاقات المسبقة الدفع وإمكانية شراء الأيام من دون الدولارات، هي "خدمة وضعت لتسهيل أمور المشتركين".

ومن بين المشتركين، مَن يستعمل الخدمة للتدريس عن بُعد "أونلاين"، أو عائلات تكتفي بالحفاظ على "الخط" للاطمئنان على أولادها، وحالات كثيرة لا يمكن حصرها بوجود سوق سوداء فقط. وبالتالي، يبقى على الدولة التحقُّق من حصولها على إيرادات تلك الخدمة بالشكل القانوني من دون إبطال حقّ المشتركين بالحصول عليها، خصوصاً وأنّهم غير مسؤولين عن التساهل في كيفية التعاقد بين الدولة والقطاع الخاص، وضمان تحصيل الدولة لحقوقها من ذلك التعاقد. وعدا ذلك، تكون الدولة عبر وزارة الاتصالات، اختارت تحميل المواطنين ثمن التهاون في تحصيل الإيرادات العامة.

لا إجابات واضحة حتى الآن. وكذلك، لم توقِف الوزارة إمكانية تشريج الأيام وإعادة تحويل الدولارات. لكن ما استُقِيَ من إعلان استغلال الخدمة لخلق سوق سوداء، يشي بأنّ هذه الخدمة ستتوقّف.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد