حين نُقصف مرّتَين: مرّةً بالنار… ومرّةً بالرواية

post-img

ليلى شمس الدين/ باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام

في إحدى ليالي الحرب، لم يكن أهل قريتنا الجنوبية يعرفون أيّهما يسبق الآخر: صوت الطائرة المسيّرة فوق رؤوسهم، أم الخبر الذي وصل إلى هواتفهم بأنّ قريتهم ستُقصف بعد قليل.. خلال دقائق، امتلأت مجموعات "الواتساب" بالأسئلة: هل الخبر صحيح؟ مَن نشره؟ هل صدر تحذير؟ أين المنطقة المحدّدة؟ هل نغادر أم نبقى؟.. ثم وصلت خريطة غير واضحة، وتبعها تسجيل صوتي مجهول، قبل أن تبدأ الشاشات باستضافة "محلّلين" يتحدّثون بثقة عمّا سيحدث، كأنّهم يجلسون في غرفة عمليات العدو الإسرائيلي.

في تلك الليلة، لمّا تكن الغارة قد وقعت بعد، لكنّ الخوف كان قد أنجز مهمّته.. هكذا تبدأ حرب الوعي. هذه الحرب التي لا تحتاج دائمًا إلى صاروخ كي تصيب هدفها؛ يكفي خبر عاجل، أو حساب مجهول، أو جملة منسوبة إلى "مصدر أمني"، أو خريطة مرسومة بدائرة حمراء، كي يدخل الاحتلال إلى البيوت، ويجلس بين أفراد العائلة، ويشاركهم اتخاذ القرار: هل ينزحون؟ وهل يثقون بجيرانهم؟ أم هل يحمّلون المقاومة مسؤولية ما يجري؟ وهل يشعرون بأنّ الصمود ممكن… أم أنّ كل شيء قد انتهى؟ في الحروب التقليدية، يحاول العدو احتلال الأرض، أمّا في حرب الوعي، فيحاول احتلال تفسيرنا لما يحدث على الأرض.. وهنا تكمن الخطورة.

  • مَن يروي الحكاية أولًا؟

لا تكتفي "إسرائيل" باستخدام القوّة العسكرية، تعمل أيضًا بالتوازي على إنتاج رواية متكاملة تسبق الغارة أحيانًا، وترافقها، ثم تعيد تفسيرها بعد وقوعها. تبدأ الرواية من تصريح رسمي موجّه بعناية، ينتقل إلى الإعلام الإسرائيلي، ثم تتلقّفه منصّات عربية ولبنانية، قبل أن يصل إلى آلاف الحسابات والصفحات والمجموعات، فيتحوّل من "ادعاء إسرائيلي" إلى "خبر متداول".. خلال هذه الرحلة القصيرة، يسقط اسم المصدر.. فلا يعود المتلقي منتبهًا إلى أنّ المعلومة خرجت أساسًا من جيشٍ يخوض حربًا، وله مصلحة مباشرة في تضليل خصمه وتخويف بيئته وإرباك قراراته. هو يسمع الخبر من مذيع لبناني، أو يقرأه على صفحة تحمل اسمًا عربيًا، فيمنحه ثقةً لم يكن ليمنحها للمصدر الإسرائيلي نفسه. هكذا نتحوّل، من حيث ندري أو لا ندري، إلى موزّعين مجانيين للرواية المعادية.

في هذا الإطار، وثّقت تقارير حقوقية وإعلامية استخدام اتصالات هاتفية ورسائل وخرائط إخلاء وتهديدات رقمية وتضليل في تحديد الأماكن والمواعيد. وجدت منظّمة العفو الدولية أنّ بعض خرائط التحذير، والتي نُشرت خلال الحرب على لبنان، كانت مضلّلة أو غير كافية، وأنّ تحذيرات أُرسلت في منتصف الليل قبل وقت قصير جدًا من الغارات، من دون تحديد طرق آمنة للإخلاء. لم يكن الهدف إذًا، حماية المدنيين بقدر ما كان إبقاء مجتمع كامل معلّقًا بين احتمالين: موتٌ قد يقع، وخوفٌ يجب أن يقع الآن.

  • خمسة أبواب يدخل منها الاحتلال إلى وعينا

تتحرّك هذه الحرب في منظومة متشابكة، لا من منصّة واحدة.. يمكن أن نختصرها في خمسة أبواب:

  • الباب الأول هو الموقف الإسرائيلي الرسمي، والمصاغ ليبدو وكأنّه "معلومة" لا جزءًا من معركة..
  • أمّا الباب الثاني فهو الإعلام الإسرائيلي، والذي يكرّر عبارات وسرديات محدّدة حتى تصبح مألوفة وقابلة للتصديق..
  • يأتي الباب الثالث عبر إعلام لبناني أو عربي ليعيد بثّ تلك الروايات، أحيانًا بسبب التماهي السياسي، وأحيانًا بسبب السبق الصحافي أو ضعف التحقّق، وأحيانًا تحت عنوان عرض "وجهة النظر الأخرى"..
  • يُفتح الباب الرابع، في الحسابات الوهمية التي تحمل أسماء عربية وصورًا مألوفة، وتتحدّث بلهجتنا، وتدّعي الحرص على وطننا لبنان، لكنها في الوقت عينه تبثّ الخوف والانقسام، وتكرّر الرسالة نفسها بصيغ مختلفة، بأن "لا جدوى من المقاومة"، و "الجنوب عبء على الوطن وعلى استقراره"، و "أهل الجنوب هم سبب الحرب وهذا الكم من الدمار"، و "لا خيار أمامكم سوى الاستسلام"..
  • الأخطر ما يحمله الباب الخامس، والذي يفتح على المنصات الرقمية والصفحات المحلّية التي تمنح هذه المضامين شرعية اجتماعية، فتحوّل الدعاية الخارجية إلى سجال داخلي بين اللبنانيين. الغاية ليست أن نقتنع جميعًا بالرواية الإسرائيلية؛ يكفي أن نشكّ في أنفسنا، ونفقد ثقتنا بكل شيء، ونبدأ باتهام بعضنا بعضًا.. ففي هندسة الوعي، لا يشترط أن تصدّق الكذبة كاملة، يكفي أن تصبح الحقيقة عندك ضبابية.
  • ليست كل مشاركة بريئة

لنسأل أنفسنا بصدق:

  • كم مرّة وصلنا تسجيلًا مجهولًا فسارعنا إلى إرساله "للاحتياط"؟
  • كم مرّة نشرنا خبرًا مرعبًا وكتبنا تحته "الله يستر، مش متأكدين"؟
  • كم مرّة شاهدنا منشورًا صادرًا عن المتحدّث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، فالتقطنا له صورة ونشرناه في عشر مجموعات بحجّة تحذير الناس؟

حريٌ بنا إدراك، أنّ عبارة "غير مؤكّد" لا تلغي أثر الخبر.. فحين نعيد نشر إشاعة مخيفة، لا نضعها أمام الناس فقط، نضع معها أيضًا نبضنا المرتفع وقلقنا وتوقّعنا للأسوأ. علينا أن نوقن بأنّ الخوف سريع العدوى، خصوصًا في مجتمع أنهكته الحروب والنزوح،والأزمات الاقتصادية،وفقدان الثقة بالمؤسّسات. لذلك، ليست إعادة النشر فعلًا تقنيًا محايدًا، هي مشاركة في تشكيل المزاج العام، وقد تتحوّل بكبسة زر واحدة إلى جزء من عملية نفسية واسعة. المسؤولية هنا لا تقع على المواطن وحده، فحين تغيب جهة لبنانية موثوقة وسريعة تقدّم المعلومة، يملأ العدو الفراغ.. وحين تتأخّر الرواية الوطنية، تتقدّم الإشاعة.. وحين يتنافس الإعلام على "العاجل" بدل التحقّق، يصبح السبق الصحافي سبْقًا نحو الذعر.

  • حين يضرّ المؤيّد أكثر من الخصم

لا تكمن المشكلة الأكثر حساسية فقط في الإعلام المعادي، أيضًا تنتشر أحيانًا في الخطاب المؤيّد للمقاومة، حين يكون ضعيفًا أو جاهلًا أو منفصلًا عن الوقائع.. فالمبالغة ليست مقاومة واختلاق البطولات ليس تحصينًا للوعي وإنكار الخسائر لا يصنع صمودًا.. والخطاب الذي يشتم كل سائل، ويخوّن كل ناقد، ويسخر من مخاوف النازحين وأوجاع الناس، يمنح الدعاية الإسرائيلية ما تحتاج إليه من ثغرات.. لأنّ الرواية القويّة لا تخاف الحقيقة، والإعلام المقاوم الكفوء لا يطلب من الناس تعطيل عقولهم، إنما يساعدهم في استخدامها.. فيميّز بين الخبر المؤكّد والتوقّع والرغبة، ويحترم حقّ الجمهور في المعرفة والسؤال، ولا يجعل الانتماء مسابقةً في رفع الصوت والمزايدة على الآخرين. إذ ليس المطلوب أن نقابل الدعاية بدعاية، بل أن نقابلها بالمعلومة الدقيقة والسياق والذاكرة.

  • كيف نبني الوعي المضاد؟

الوعي المضاد يبدأ من قاعدة بسيطة.. لأن كل معلومة صادرة عن مصدر إسرائيلي هي ادعاء صادر عن طرف محارب، وليست حقيقة، إلى أن يدعمها دليل مستقل. فقبل أن ننشر أي خبر، علينا أن نسأل:

  • من المصدر الأول؟
  • هل أكّدته جهة موثوقة؟
  • هل الصورة حديثة أم قديمة؟
  • هل العنوان يعكس مضمون الخبر؟
  • من المستفيد من نشره الآن؟
  • هل يؤدي تداوله إلى حماية الناس فعلًا، أم إلى زيادة الهلع؟

علينا أيضًا مقاطعة الحسابات المشبوهة، بدل الدخول معها في سجالات تمنحها الانتشار.. وعندما نكتشف خبرًا كاذبًا، يجب ألّا نسخر ممّن صدّقه؛ إنما نصحّحه بهدوء، لأنّ الإهانة تدفع الناس إلى التمسّك بمواقفهم، في حين يمنحهم الاحترام فرصة للتراجع. مما لا شك فيه أنّ لبنان يحتاج إلى غرفة وطنية لمواجهة التضليل، تجمع الإعلاميين وخبراء الاتصال والأمن الرقمي وعلماء النفس والاجتماع، وتصدر معلومات واضحة وسريعة، وتراقب الشائعات، وتشرح للناس أهدافها وطرائق انتشارها.

في هذا الإطار، أظهر توثيق معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أنّ الحرب الرقمية على لبنان جمعت بين التهديدات الهاتفية ومحاولات الاختراق والتحذيرات المضلّلة والتلاعب بنظام تحديد المواقع واستهداف البنية الاتصالية، ما جعل حياة المدنيين الرقمية جزءًا من ساحة الحرب.

  • كي لا نُهزم داخلنا

نحن لا ننكر أنّ هذا العدو مجرم وهمجي، يستطيع أن يهدم منزلًا، أو ينسف بلدة كاملة، وهو ما يفعله.. لكنه لا يستطيع وحده أن يقرّر ماذا يعني هذا الهدم.. قد يحرق حقلًا، لكنه لا يستطيع أن يمحو ذاكرة الأرض، إلاّ إذا أقنع أصحابها بأنّ العودة مستحيلة.. قد يدفع الناس إلى النزوح، لكنّ تحويل النزوح إلى قطيعة مع الجنوب يحتاج إلى رواية نتبنّاها نحن ونردّدها بأصواتنا. لهذا، فإنّ حماية أرضنا المحتلّة لا تبدأ فقط من الحدود، بل من اللغة التي نتحدّث بها عن هذه الأرض؛ من صورة أهلها في الإعلام؛ ومن رفض تحويلهم إلى أرقام أو عبء أو مادّة للاتهام؛ ومن إدراك أنّ استهداف الحاضنة الشعبية لا يجري بالنار وحدها، أيضًا بمحاولة تفكيك ثقتها بنفسها وبمجتمعها وبحقها في أرضها.

المقاومة في معناها الأعمق ليست بندقية فقط؛ هي أيضًا قدرة مجتمع على ألّا يرى نفسه بعيون عدوّه.. في الأيام المقبلة، قد تزداد حدّة المعارك وتتصدّر وحشية العدو وهمجيته أكثر وأكثر، وستزداد معها الخرائط والتسريبات والحسابات المجهولة والأخبار المنسوبة إلى "مصادر مطّلعة".. قد يُراد لنا أن نكون خائفين ومنقسمين ومتشكّكين، وأن ننجز بألسنتنا وهواتفنا ما لم تستطع الغارات إنجازه.

لذلك، قبل أن نضغط زر "المشاركة"، لنتوقّف لحظة ونسأل أنفسنا: هل أنقل خبرًا… أم أفتح للعدو بابًا يتسلّل بخفّة وانسيابية إلى وعينا، ووعي من نزجّه قسرًا في أتون هذا المسار؟

في المحصّلة، قد لا نستطيع دائمًا منع الصاروخ من أن يهدم بيتًا، لكننا نستطيع أن نمنع الرواية المعادية من أن تهدم فينا معنى البيت، وصلتنا بالأرض، وإيماننا بأنّ ما لم يستطع الاحتلال حصده في الميدان، يجب ألّا نهديه له مجانًا في السياسة والإعلام.

  • المصادر والمراجع
  • Amnesty International. (2024, October 10). Lebanon: Israel’s evacuation "warnings" for civilians misleading and inadequate.
  • Baydoun, R. (2024, November 12). Propaganda and psychological warfare in the Israeli–Hezbollah conflict. SKeyes Center for Media and Cultural Freedom, Samir Kassir Foundation.
  • Daoudi, O. (2025). The communications strategy of the IDF’s Arabic spokesperson on X during Operation Breaking Dawn in 2022. Global Media and Communication, 21(3), 233–250.
  • Ireton, C., & Posetti, J. (Eds.). (2018). Journalism, “fake news” and disinformation: Handbook for journalism education and training. UNESCO.
  • Lewandowsky, S., Ecker, U. K. H., Seifert, C. M., Schwarz, N., & Cook, J. (2012). Misinformation and its correction: Continued influence and successful debiasing. Psychological Science in the Public Interest, 13(3), 106–131.
  • Maharat Foundation. (2024, November 1). Challenges of media coverage of Israel’s war on Lebanon.
  • Mnejja, K. (2024, December 4). Israel’s digital assault on Lebanon. The Tahrir Institute for Middle East Policy.
  • SMEX. (2024, October 2). Digital rights during the war on Lebanon: October 2, 2024.
  • Vosoughi, S., Roy, D., & Aral, S. (2018). The spread of true and false news online. Science, 359(6380), 1146–1151.
  • Wardle, C., & Derakhshan, H. (2017). Information disorder: Toward an interdisciplinary framework for research and policy making. Council of Europe.

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد