أسماء إسماعيل (صحيفة الأخبار)
كلّ صفّ تستعيده مدرسة رسمية من مراكز الإيواء يعني، في المقابل، غرفةً على عائلة نازحة أن تخليها. ومع انطلاق العام الدراسي رسمياً الإثنين المقبل، تحاول وزارة التربية إعادة المدارس إلى وظيفتها الأصلية، فيما لا تزال عشرات العائلات تقيم فيها بعدما دمّر العدوان منازلها أو جعل العودة إلى قراها غير ممكنة. هكذا، تحوّل استحقاق العودة إلى التعليم إلى موعد لنزوح جديد: مدارس تريد تلامذتها، ونازحون لا يملكون مكاناً آخر يذهبون إليه، فيما يقف أولاد هؤلاء في الجهتين معاً، كتلامذة يريدون هم أيضاً استعادة مدارسهم.
عدد من المدارس الرسمية غير جاهز بعد لاستقبال تلامذته. ففي روضة عمر الأنسي المختلطة الرسمية، لا يزال 113 نازحاً يقيمون في المبنى الذي يحتاج، بحسب مصادر، إلى أعمال «صيانة كبيرة». وفي هذه الظروف، يبدو التعليم الحضوري شبه مستحيل.
تقول إحدى المعلمات إن «إطلاق العام الدراسي بوجود النازحين غير ممكن إطلاقاً»، بسبب حركة الدخول والخروج والضجيج والخدمات وغيرها من التفاصيل التي تحول دون استعادة المبنى وظيفته التعليمية بصورة طبيعية.
لكنّ النازحين ليسوا المشكلة الوحيدة أمام المدرسة، إذ تراجع عدد تلامذتها من نحو 300 في العام الدراسي الماضي إلى نحو 100 حالياً، يمكن استيعابهم في أربعة صفوف روضات كحدّ أقصى. وهذا التراجع يضع بدوره مصير أكثر من 25 معلمة متعاقدة في مهبّ المجهول، بعدما كنّ يتوزعن سابقاً على دوامَي قبل الظهر وبعده.
وقبل نحو أسبوع من بدء الدراسة، لم تحسم المدرسة بعد شكل عامها الدراسي، يقول أحد الأهالي، إذ تتنوع الخيارات من تعليم حضوري، أو إلكتروني، وصولاً إلى الدمج مع مدارس أخرى ضمن خطة وزارة التربية. وبذلك، لا يعرف الأهالي أين سيدرس أولادهم، كما لا تعرف المعلمات إن كنّ سيحصلن على حصص، ولا حتى إن كان المبنى سيعود مدرسةً بالفعل.
مدارس تستعيد صفوفها
في المقابل، بدأت مدارس أخرى تستعيد وظيفتها التعليمية بعدما أُخليت من النازحين. ففي ثانويتي رينيه معوض وحسن صعب الرسميتين في فردان، أو ما يُعرف بـ«رمل الظريف»، بدأ الإقبال على التسجيل بعد مغادرة النازحين قبل نحو عشرة أيام. وبحسب أحد الشهود، عاد بعضهم إلى قرى هدأت الحرب فيها جزئياً، فيما انتقل آخرون إلى المدينة الرياضية.
لكنّ إخلاء المدرسة لا يعني انتهاء النزوح. «التجمّع الكويتي» التربوي في النويري يقدّم المثال الأكثر وضوحاً. قبل نحو 15 يوماً، صدر قرار بإخلاء المبنى الذي كان يؤوي نحو 300 عائلة. وحتى إعداد هذا التقرير، لم يبقَ فيه سوى ثلاث عائلات. أمّا الآخرون، فتوزعوا على ثلاث مدارس في المنطقة، فيما غادر بعضهم مراكز الإيواء كلياً، إمّا للعودة إلى قرى «غير آمنة»، أو استأجروا بيوتاً في مناطق شعبية، بينها حي السلم. وهؤلاء حملوا معهم فرشهم وما تبقّى من مستلزمات حياة راكموها خلال أشهر الإقامة في غرف المدرسة، ليبدأوا من جديد في مكان آخر.
نحو 75% من نازحي «التجمّع الكويتي» كانوا من قرى الحافة الأمامية، والباقون من الضاحية وقرى النبطية، وبينهم مسنّون وأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة. وعلى الرغم من حاجة المبنى إلى الصيانة، قرّرت وزارة التربية اعتماده في العام الدراسي لكونه ملكاً للدولة وغير خاضع لعقد إيجار، شأنه شأن مدارس أخرى جرى إخلاؤها من النازحين.
العائلات تحتفظ بمفتاح الغرفة في المدرسة
ما يبدو قراراً إدارياً ضرورياً لاستعادة المدارس من جهة وزارة التربية، يعني للعائلات نزوحاً جديداً. فهي لا تغادر بعدما عثرت على مساكن أكثر استقراراً، بل لأن الغرف التي سكنت فيها أشهراً يجب أن تعود صفوفاً. في أشهر النزوح، رتّبت العائلات ما أمكن من حياتها داخل المدارس، وتوزّعت على الغرف ونظّمت تفاصيلها اليومية. والآن، عليها أن تبدأ دورة البحث نفسها مرة أخرى. حتى الانتقال إلى مركز إيواء آخر ليس مضموناً. فبحسب شهود تكلّموا مع «الأخبار»، توجّه نازحون إلى مراكز أخرى ليجدوا أنها لا تتسع لهم، ما جعل بعض العائلات أمام احتمال البقاء بلا مأوى.
عبدالله، النازح من بيت ليف، يختصر هذا المأزق بالقول: «إذا أُغلقت الأبواب في وجهي فسآخذ طفليّ وزوجتي ونستقل طريق القرية إلى أن يستهدفنا الطيران المعادي». أمّا علي، فانتقل مع والديه النازحين من بيت ياحون من التجمع الكويتي في النويري إلى مدرسة البسطة الأولى المختلطة. يجلس الشاب النحيل إلى فطوره من الكعك والشاي، ويبادر بحماسة إلى دعوة من حوله إلى كوب من الشاي، فيما تخفي خفّته مشاكل كبيرة.
يعاني علي من الفشل الكلوي والربو، ولا يسمح وضعه الصحي بأن يتقاسم غرفة مع عائلات أخرى لا يفصل بينها سوى حاجز خشبي. لكنه، في الوقت نفسه، لا يريد، كما يقول، أن يأخذ شيئاً من طريق عائلة أخرى.
ومن المُقرّر أن تندمج البسطة الأولى المختلطة مع التجمّع الكويتي التربوي في النويري، إلى جانب مدارس أخرى. إلا أن الدمج الذي يجيب عن حاجة المدارس إلى استعادة مساحاتها التعليمية لا يجيب عن سؤال النازحين في المدارس التي نُقلوا إليها: ماذا يحصل عندما تنتهي عقود إيجار هذه المدارس؟ هل يُطلب منهم الرحيل مرة أخرى؟ وإلى أين؟
هذا القلق يفسّر احتفاظ بعض العائلات بمفاتيح الغرف التي كانت تقيم فيها، حتى بعد انتقالها إلى أماكن أخرى في الضاحية أو الجنوب. ليست المفاتيح تذكاراً من مكان لم يعد لهم، بل ضمانة هشّة لاحتمال تجدّد الحرب والاضطرار إلى النزوح مرة أخرى.