أيّ مدرسة لأولاد المهجرين من قراهم؟

post-img

أسماء إسماعيل (صحيفة الأخبار)

بالنسبة إلى العائلات النازحة، لا ينفصل اختيار المدرسة عن تجربة النزوح نفسها. فالقرار بين التعليم الحضوري والإلكتروني ليس تربوياً فقط، بل تحكمه القدرة على الانتقال، وكلفة التسجيل، والاستقرار داخل مركز الإيواء، وحتى الخوف من نقل الطفل مرة أخرى من بيئة اعتادها.

نازحة من ميس الجبل اختارت إبقاء أولادها مُسجّلين إلكترونياً في مدرستهم الأساسية في ميس الجبل. تقول إنها لا تريد إبعادهم عن مدرستهم ومعلميهم، وخصوصاً مع الحديث عن افتتاح المدينة الرياضية مركزاً تعليمياً للنازحين: «أولادي اعتادوا على معلميهم ومدرستهم، ولن أذيقهم عناء فوق عنائهم».

في المقابل، ترفض سناء، النازحة من مركبا والمقيمة في ابتدائية عمر فاخوري الرسمية، التعليم الإلكتروني بعدما اختبرته سابقاً وتصفه بأنه «مضيعة للوقت». المشكلة بالنسبة إليها ليست في مستوى التحصيل وحده. فالتعلّم عن بعد يفترض بيئة منزلية غير موجودة أصلاً في مركز يؤوي نحو 70 عائلة، معظمها من مركبا. لذا تريد سناء نقل أولادها إلى مدرسة تعتمد التعليم الحضوري، لكنها تصطدم بكلفة التسجيل وإجراءاته: إفادات من المدرسة السابقة، إخراجات قيد، صور شمسية ومستلزمات أخرى، أي مزيد من الوقت والمال في حياة استنزفتها الحرب أصلاً.

ربيع، الذي انتقل حديثاً إلى مدرسة البسطة الأولى بعدما أُخلي من التجمّع الكويتي، وصل إلى نتيجة معاكسة. هو لا يثق أصلاً بإمكان انطلاق عام دراسي حضوري مستقر، ولذلك يرفض تحمّل مشقة تسجيل ابنته في مدرسة جديدة، ويفضّل أن تتابع التعليم إلكترونياً في مدرستها، خلافاً لرغبة الطفلة ووالدتها. حتى إن آلية تعليم ابنتهما أصبحت، بحسب الأم، موضع الخلاف الوحيد بين الزوجين.

ولكنّ الخسارة لا تقف عند الصفوف والدروس. في ابتدائية عمر فاخوري، تجلس آية، ابنة الاثني عشر عاماً، صباحاً إلى جانب النساء وهنّ يتناولن القهوة. في الليلة السابقة، بكت طويلاً وهي تشاهد عرضاً عن بلدتها مركبا أعدّته إحدى الجمعيات خلال سهرة ترفيهية للعائلات والأطفال. لم تستعد آية البلدة وحدها، بل النشاطات الموسيقية والكشفية والترفيهية ومدرستها التي كانت من المتفوّقات فيها. تقول عن إقامتها الحالية: «والله لن أعود إلى بيروت... مركبا أحلى».

وخلف آية وأقرانها فاقد لا يُقاس بعدد أيام الدراسة التي خسروها. فالعائلات التي تحاول تنظيم حياتها داخل غرف المدارس تحمل قلقاً متواصلاً منذ فقدت منازلها وتعذّرت عودتها إلى قراها، فيما تخشى في الوقت نفسه أن يخسر أطفالها المستوى التعليمي الذي عملت سنوات لتأمينه.

حتى الأنشطة لا تصل دائماً إلى الأكثر حاجة. تقول آية إن غالبية نشاطات الجمعيات تستهدف الأطفال الأصغر سناً، فيما لا تقل حاجات المراهقين النفسية أهمية. وغالباً ما تقتصر البدائل المتاحة لهم على حصص لتعويض الفاقد التعليمي، يعزف كثيرون عنها بعدما فقدوا الرغبة والشغف.

وتروي ربى كيف تبدّلت علاقتها بأولادها منذ النزوح. قبل الحرب، كانت تنظّم يومهم بين الدراسة واللعب، وتعدّ لهم أنشطة تحفيزية وتكافئهم، وتستخدم الهاتف أو الـ«آيباد» وسيلة للعقاب. اليوم، تقول، لم يعد شيء من ذلك قائماً. وتضاف إلى ذلك معضلة البحث عن مدرسة دامجة لطفلتها. فبعد محاولات عدة، اصطدمت إمّا بعدم توافر أماكن أو بالكلفة المرتفعة، ما يدفعها نحو تسجيل ابنتها إلكترونياً في مدرستها السابقة، رغم أن هذا الخيار لا يناسب أياً منهما.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد