زيارة الأمير السعودي محمد بن سلمان إلى العاصمة المصرية القاهرة تأتي في لحظة يصعب فصلها عن التحولات التي تضرب الإقليم، من مضيق هرمز إلى باب المندب. إن المسألة لم تعد حربًا في اليمن أو أزمة منفصلة في الملاحة والطاقة، إنما هي اختبار لقدرة الترتيبات الأمنية التي قامت عليها المنطقة منذ عقود على إنتاج الأمن، عندما تتسع دائرة المواجهة وتتداخل ساحاتها.
السعودية تختبر هذا الأمر بصورة مباشرة. الحرب في اليمن التي بدأت لكونها محاولة لإعادة فرض معادلة أمنية على حدود المملكة، تحولت مع السنوات إلى ملف مفتوح، ثم عادت اليوم إلى مستوى أكثر خطورة مع تقدم أنصار الله على الساحل الغربي واقترابهم من باب المندب وتصاعد الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية. كما تعرض أنبوب النفط شرق غرب لهجوم أدى إلى تعطله عدة أسابيع، فيما اضطرت الرياض إلى إعادة حسابات تصدير النفط ومساراته في ظل اضطراب الخليج ومضيق هرمز.
الأهم من الضرر المادي هو أن هذه التطورات تطرح سؤالًا؛ لا تستطيع القوة العسكرية وحدها الإجابة عنه: إلى أين يمكن أن تذهب الحرب؟
الولايات المتحدة لا تزال صاحبة التفوق العسكري الأكبر في المنطقة، لكنها لم تستجب لطلب سعودي بتدخل عسكري مباشر ضد أنصار الله، واكتفت بمستويات من تبادل المعلومات والمساعدة في الاستهداف. هذه ليست نهاية العلاقة الأمريكية - السعودية، لكنها تكشف حدود ما تستطيع واشنطن أو ترغب في تحمله عندما تصبح كلفة التوسع في الحرب أعلى من فائدته السياسية.
السعودية ليست متفرجًا على هذه الحرب، هي طرف أساسي فيها، لهذا البحث عن مخرج سياسي يعني التعامل مع حقيقة أن استمرار الحرب قد ينتج أمنًا أقل مما وعدت به الحرب نفسها. إذ إن القوة تستطيع تدمير أهداف، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن طريقًا مفتوحًا في البحر الأحمر، ولا أن تمنع خصمًا يمتلك جغرافيا اليمن من إعادة إنتاج الضغط على الملاحة والطاقة.
الأمر يتجاوز اليمن. مضيق هرمز وباب المندب أصبحا في المشهد نفسه. الأول يقع تحت ضغط الحرب الأمريكية- الإيرانية، والثاني تحول إلى جبهة مفتوحة مع أنصار الله. بين المضيقين توجد السعودية ومصر والبحر الأحمر وخطوط الطاقة وقناة السويس. لهذا؛ فإن الحديث عن أمن السعودية بمعزل عن هذه المساحات لم يعد واقعيًا، كما أن الحديث عن حرية الملاحة بمعزل عن الحروب التي دفعت المنطقة إلى هذا المستوى من التصعيد يظل ناقصًا.
"إسرائيل" موجودة في قلب هذه المعادلة أيضًا. الحرب على غزة ولبنان، والدعم الأمريكي المفتوح للكيان، ثم انتقال المواجهة إلى إيران، كلها عوامل دفعت دول المنطقة إلى إعادة حساب مواقعها ومصالحها. لا يمكن بناء تصور جدي للأمن الإقليمي بينما يجري التعامل مع هذه الحروب كأنها ملفات منفصلة. كل جبهة تضيف ضغطًا إلى الجبهة الأخرى، وكل اضطراب في طريق تجاري أو منشأة طاقة يعيد توزيع كلفة الحرب على دول لم تختر بالضرورة توقيتها أو مساحتها.
الشراكة السعودية التركية الباكستانية، والتي أُعلنت في مكة مهمة، لكنها لا تحل وحدها المشكلة التي تواجه الرياض. الاتفاق يمنح السعودية مظلة ردع جديدة، لكنه لا يوفر مخرجًا من الحرب اليمنية، ولا يعيد الاستقرار تلقائيًا إلى باب المندب، ولا يحل أزمة مضيق هرمز. التحالفات تستطيع رفع كلفة الهجوم على الدولة، لكنها لا تنتج بالضرورة تسوية للصراع الذي جعل الهجوم ممكنًا أصلًا.
السؤال الذي يدفع الرياض إلى القاهرة مختلف. مصر ليست طرفًا في التحالف الثلاثي، وليست طرفًا في الحرب الأمريكية - الإيرانية، وفي الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع أمن الخليج والبحر الأحمر بصفتهما شأنًا بعيدًا عن أمنها القومي. هذا الموقع يمنح القاهرة مساحة حركة سياسية بين أطراف متخاصمة، من دون أن تكون مضطرة إلى الدخول في كل خصومة تخوضها هذه الأطراف.
السياسة المصرية لا يمكن اختصارها في كلمة «حياد». مصر تاريخيًا لم تكن دولة بلا مواقف، كما أن علاقاتها بالقوى الإقليمية والدولية مرت بتحولات حادة. الثابت الأهم كان محاولة الحفاظ على مساحة قرار تسمح لها بالتعامل مع أكثر من مركز قوة في الوقت نفسه. ولهذا تستطيع القاهرة أن تتحدث مع الرياض وواشنطن وبكين وموسكو وطهران، وأن تنظر إلى أمن الخليج باعتباره امتدادًا لأمنها، من دون أن تجعل نفسها جزءًا من كل اصطفاف عسكري ينشأ في المنطقة.
هذه المساحة تكتسب قيمة أكبر الآن؛ لأن واشنطن نفسها تعيد حسابات تدخلها. الولايات المتحدة لم تفقد قدرتها على التأثير، لكنها لم تعد قادرة على تقديم نفسها الطرف الذي يستطيع وحده ضبط كل مسار إقليمي. الحرب مع إيران، اضطراب مضيق هرمز، عودة اليمن إلى التصعيد وضغط الطاقة والملاحة، كلها تكشف أن القوة الأمريكية تستطيع تغيير موازين معينة، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة المنطقة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل هذه المواجهات.
أهمية القاهرة بالنسبة إلى الرياض قد تكون في الوزن المصري داخل أي مسار سياسي مقبل. إذا كان هناك بحث جدي عن إنهاء الحرب في اليمن، فمصر تملك من التاريخ والعلاقات والجغرافيا ما يجعلها مؤهلة للإسهام فيه. إذا كان المطلوب احتواء تداعيات هرمز وباب المندب، فالقاهرة تقع عند تقاطع البحر الأحمر وقناة السويس، وتدرك أن اضطراب الملاحة ليس ملفًا اقتصاديًا فقط، وإنما قضية تتصل مباشرة بالأمن القومي.
لكن مصر نفسها أمام اختبار. إذ إن قيمة الدور المصري لا تأتي من مجرد الجلوس مع الجميع، إنما من قدرته على الاحتفاظ بقراره، ومصر تفعل ذلك. إذا تحولت القاهرة إلى طرف في ترتيب أمني تفرضه لحظة الحرب، فسوف تفقد جزءًا من المساحة التي تجعلها مفيدة أصلًا. أما إذا استطاعت استخدام علاقاتها وموقعها للدفع نحو خفض التصعيد وتسوية الملفات التي تستنزف المنطقة، فقد يصبح دورها أكبر من مجرد وساطة تقليدية.
محمد بن سلمان يصل إلى القاهرة في وقت تبحث فيه السعودية عن إجابة لمشكلة لم تعد عسكرية فقط. المملكة تحتاج إلى حماية أراضيها ومنشآتها، لكنها تحتاج أيضًا إلى صيغة تنهي الحرب اليمنية أو تقلل كلفتها، وإلى ترتيبات تمنع تحول البحر الأحمر وباب المندب إلى جبهة دائمة، وإلى مساحة مناورة أوسع في ظل حرب أمريكية إيرانية تعيد تشكيل الإقليم.
لهذا قد تكون أهمية الزيارة في ما لا يظهر في الصور الرسمية. .. والسؤال: هل تبحث الرياض عن دعم مصري لموقفها، أم عن قناة سياسية أوسع من التحالفات العسكرية؟ هل تستطيع القاهرة فتح مسار يخفف من الحرب اليمنية، ويحمي مصالحها في البحر الأحمر، من دون أن تتحول إلى طرف في صراع أكبر منها؟
المنطقة تدخل مرحلة تتغير فيها قيمة القوة نفسها. الدولة الأقوى عسكريًا ليست بالضرورة الأقدر على إنهاء الحرب، والتحالف الأكبر ليس بالضرورة الأكثر قدرة على صناعة التسوية.
إن الدول التي تملك هامشًا للحركة السياسيّة تصبح أكثر أهمية، لا لأنها تملك الحل جاهزًا، إنما لأنها تستطيع فتح طريق لا توفره الجبهات وحدها. مصر تملك هذه المساحة، لكن قيمتها ستتحدد بما تفعله بها. السعودية تحتاج إليها الآن؛ لأن الحرب بدأت تكشف أن حماية المصالح لا تبدأ دائمًا من زيادة القوة، وأحيانًا تبدأ من معرفة أين تتوقف القوة وأين تبدأ السياسة؟